المرجعية الشيعية والوطنية
الأربعاء 19 سبتمبر 2012

 

عبد الهادي علي– كاتب عراقي

 

خاص بالراصد

يتصور بعض الشيعة أننا نظلمهم عندما نقول إن المذهب الشيعي لا يمكن أن يكون وطنيا([1]) ولكننا في هذا المقال سنثبت للجميع - شيعة وسنة- أن المراجع الشيعة لا تهتم بالشأن الوطني.

والمرجع عند الشيعة هو أكبر شخصية دينية يتم الرجوع إليها في أحكام الدين، والدين هنا هو بالمفهوم الشامل؛ أي الذي يشمل أحكام العبادة وأحكام الدنيا جميعا، لذلك فالمرجع عند الشيعة ينبغي أن يُطاع ولا يعصى وفي معصيته مخالفة للدين قد تصل إلى درجة الكفر.

والمرجع لا يُنظر إلى جنسيته أو مواطنته ولا ينظر إلى قوميته، فلا موطن للمرجع ولا قومية؛ وهذا ينطبق على علماء الدين السنة كذلك، فالإسلام دين شمولي لا يحدّه وطن أو قومية.

لكن بعد سقوط الخلافة العثمانية وظهور الدول القُطرية انصرف كل بلد لهمومه الخاصة؛ فرأينا عمليا وواقعيا أن علماء الجزائر هم من وقف بوجه الاستعمار الفرنسي لبلادهم، وساندهم بقية علماء الأمة والبلدان، وكذلك علماء السودان ومصر وسوريا، وعندما سيطرت العلمانية في عهد أتاتورك على تركيا كان النورسي وتلاميذه هم من أرجع الإسلام إلى تركيا، وقِس على ذلك كل البلدان السنية.

لكن الأمر عند الشيعة مختلف فمقاومة الاحتلال ليست مرتبطة بمصلحة الوطن أبداً، بل هي مرتبطة بمصلحة المذهب الشيعي، فإن كانت المقاومة في صالح المذهب قاوموا، وإن كانت المصلحة في المهادنة هادنوا، وليذهب الوطن للجحيم، كما هو حاصل اليوم في العراق تحت حكم المالكي.

وسبب ذلك أن المراجع في الغالب هم إيرانيون أو يتبعون لمدارس إيرانية، فاليوم في العراق يوجد عدد من المراجع الإيرانيين يحكمون التوجه الشيعي في العراق: بداية من علي السيستاني، وإسحاق الفياض، ومحمد سعيد الحكيم، ومحمد تقي المدرسي، فكل هؤلاء إيرانيون، وبشير النجفي الباكستاني، وهؤلاء هم أهم المراجع المؤثرة والفعالة، كما يوجد مرجعيات محدودة التأثير مثل الخالصي ومحمود الصرخي وأحمد البغدادي ومحمد اليعقوبي وهؤلاء من العرب، لكن المرجعية الأكثر رواجا هي للسيستاني، وهو إيراني من مواليد 1930 دخل العراق سنة 1951 وبقي إيرانيا ورفض التجنس بالجنسية العراقية.

فعلى هذا فإن من يتحكم بشيعة العراق اليوم هو رجل إيراني الجنسية!!

ولو قارنّا موقف المرجعية الشيعية من الاحتلال البريطاني والأمريكي، فسنجد أن السيستاني يفتي بطلاق زوجة من لا يخرج للانتخاب بعد الاحتلال الأمريكي، بخلاف فتوى المراجع: الخالصي (عربي)([2]) والنائيني(فارسي) وأبو الحسن الأصفهاني (فارسي) في بداية تأسيس الدولة العراقية زمن الاحتلال البريطاني بحرمة الانتخابات وتحريم زوجة الناخب عليه! فهل ذلك لمصلحة وطنية أم لأن الأمور والحكومة يومئذ - سنة 1921 - كانت للسنة واليوم هي للشيعة؟

ولماذا تفتي المرجعية بالجهاد في ثورة العشرين مع دخول الإنكليز وتمتنع عنها يوم دخول الأمريكان؟!

فقد أطلقت الفتاوى آنذاك بحرمة إشغال الوظائف الحكومية، ومنها فتوى المرجع مرزا محمد تقي الشيرازي في آذار/ مارس 1920م، وفتوى المرجع مهدي الخالصي عام 1921م حينما اعتبر ذلك عملا من أعمال التعاون مع الكفار، لكن انقلبت الشريعة في القرن الحادي والعشرين لينبري المراجع للترويج خدمةً للمحتل ومشاريعه وتحقيقا لأهدافه فأفتوا بوجوب العمل تحت عين المحتل وعدّوا ذلك واجبا وتكليفا شرعيا.

وعندما أرادت الحكومة المشكّلة في ظل الاحتلال البريطاني تشكيل جيش وطني وإصدار قانون للتجنيد وقف المراجع الشيعة ضده وحرضوا الشعب بهذا الاتجاه، ولم تتمكن الدولة من إصدار ذلك القانون حتى عام 1934م بعد أن اعترفت الحكومة الإيرانية بالعراق كدولة، في حين نجد أن مراجع الاحتلال الحالي لم يعترضوا على قيام المحتل بحلّ الجيش العراقي العريق بتاريخه والمتميز ببطولاته في الدفاع عن تربة العراق، لأن ذلك القرار كان بناءً على رغبة إيران؟  

لقد أفتى الخالصي بعد نفيه من العراق إلى عُمان إثر مواقفه من الانتخابات ومن ثم ذهابه من هناك إلى إيران - في عام 1923م بوجوب اقتطاع قسم من أموال "الخمس" التي تُجبى من أهل العراق – وهي مبالغ كبيرة – وتسليمها ليس إلى فقراء العراق الذين كانوا السواد الأعظم من شعب العراق، بل إلى الحكومة الإيرانية بهدف تطوير قدراتها التسليحية، كما أفتى بتخصيص العوائد المالية الواردة لمرقد موسى الكاظم للهدف ذاته، مع أن الحكومة الإيرانية كانت واقعة أيضا تحت الهيمنة البريطانية.

فلا أدري إن كان هذا عراقيا أم تجري في عروقه  دماء إيرانية! وأي وطنية هذه؟ وهو يشبه مطالبة عبدالعزيز الحكيم الحكومةَ العراقية بعد الاحتلال بتعويض إيران عن حربها مع العراق زمن صدام حسين!!

إذن فالمرجعية الشيعية منحازة ليس للوطن العراقي بل إلى مصلحة المذهب أو مصلحة إيران، وربما تتوافق مصلحة المذهب مع العراق (الوطن) وربما غير ذلك.

وما هي حقيقة صلة المراجع بإيران؟ ألم يقل المرجع محسن الحكيم عن شاه إيران: "إن نظام الشاه هو المدافع الوحيد عن شيعة العالم وهو حصنهم الحصين والوحيد" ، فكيف نثق بعد ذلك فيه أن يكون وطنيا؟

ألم يأخذ المرجع الخوئي الإيراني مليارات من جيوب شيعة العراق لتودع في بنوك بريطانيا ويتنازع عليها أولاده من بعده، واليوم يبني السيستاني المدارس والمستشفيات والأسواق والمجمعات السكنية في إيران ولا يبنيها في العراق، وقد قتل الجوع أبناء الشيعة في الجنوب!! بل وصل الحد إلى تمويل ملاعب كرة القدم في مدينة تبريز الإيرانية([3]).

وعندما جاء الاحتلال سنة 2003 وأسس دستورا عراقيا جديدا كتب فيه: (المادة الخامسة عشرة: للمرجعية الدينية استقلاليتها ومقامها الإرشادي كونها رمزاً وطنياً ودينياً رفيعاً)، فهل الاحتلال هو من ينصّب المرجعية رمزا وطنيا؟؟ سبحانك هذا بهتان عظيم!

 


[1] ظهر مصطلح الوطنية في المجتمع الأوروبي إثر تطورات فكرية وسياسية هامة أدت إلى إعادة صياغة المجتمعات الأوروبية. وتبلور حول مفهوم (الوطن) أي البلد الذي تتفق فيه جماعة من الناس على أن تلتزم بسيادته وطاعة الحاكم، وما يتبعه من أجهزة حكومية، وقد ظهر بعد أن سعى سياسيون وفلاسفة إلى كسر شوكة الكنيسة والحدّ من تدخلها في الحياة العامة في المجتمعات الأوروبية بعد الصراع الدامي الذي دار لعقود من الزمن واستهلك الكثير من الدماء والثروات. ويقال إن رفاعة الطهطاوي هو من أدخله إلى العالم الإسلامي.
[2] -  الزعامات الدينية العربية كانوا قد ارتبطوا مصيريا بدولة الفرس من خلال منحهم الجنسية الإيرانية تهربا من التجنيد في الجيش العثماني، فعلى سبيل المثال كان الشيخ مهدي الخالصي وأولاده الثلاثة بالإضافة إلى ابن أخيه، والشيخ حسن الجواهري وغيرهم الكثير يحملون الجنسية الإيرانية ويتمتعون بحقوق الرعايا الإيرانيين كاملة.
[3] - انظر الخبر في مجلة الراصد نيوز بتاريخ الشهر الثامن من هذه السنة 2012.   

 

 
 
 
 
الاسم:  
عنوان التعليق: 
نص التعليق: 
خانة التحقق