أهمية دراسة التقسيمات الدينية في الغرب (2 من 2)
الأثنين 17 سبتمبر 2012

 

عامر عبد المنعم – كاتب وباحث مصري

 

خاص بالراصد

الجهل بالغرب وغياب الدراسات الكافية عن هذا الكيان الذي يعادي الأمة الاسلامية تجعلنا غير قادرين على إدارة علاقة جيدة معه، تحفظ الحقوق وترد المظالم. فالغرب يدرسنا جيدا ولديه بنوك للمعلومات يرجع لها الساسة ومتخذو القرار في كل كبيرة وصغيرة متعلقة بنا، وفي المقابل ليس لدينا معلومات كافية موثوق فيها نعتمد عليها عند التعامل مع الغرب، بل إن كثيرا من المعلومات التي لدينا قدمها لنا الغرب نفسه ومعظمها يرسم صورة إيجابية مضللة تبعد الأنظار عن الواقع الحقيقي لتشتيت الجهود وإفشال أي سعي تجاه الاستقلال.

وتعد الخريطة الدينية للمسيحية الغربية وتقسيماتها محورا مهما في فهم الغرب، وتفيد في رسم صورة حقيقية عن الخلافات والتناقضات بين الدول الغربية وتفسير الكثير من التحركات السياسية على الساحة الدولية، وتوضيح ما وراء التحالفات والحروب التي غالبا ما يكون المسلمون هم ضحاياها.

في الجزء الأول من هذه الدراسة أشرنا إلى أن الغرب ليس كيانا عقائديا واحدا، إذ انعكس التثليث في النصرانية الغربية على الأرض لتتحول إلى ثلاثة مذاهب رئيسية: الكاثوليكية، والأرثوذكسية والبروتستانتية، وهذا الانقسام أدى إلى خلافات وانشقاقات وحروب، لا زالت آثارها ممتدة حتى اليوم.

 

واليوم نواصل النظر في أهم الفوارق الدينية للمسيحية الغربية المتعلقة بخريطة المذاهب، ونسبة الارتداد عن المسيحية والتحول من مذهب إلى آخر، والتبشير، وطبيعة الخصومة مع الإسلام والقابلية لاعتناقه.

 

نسبة الارتداد عن الدين

من الأمور المثيرة للتساؤل أن النصرانية التي تنتشر فيما يطلق عليه "العالم الثالث" تتراجع في أرضها، خاصة في الغرب الكاثوليكي والبروتستانتي، مع ثباتها في الدول الأورثوذكسية.

تشير الأرقام إلى أن الكاثوليكية تعاني من انفضاض قطاعات من أتباعها في أوربا وارتدادهم عنها. يخرج الأوربيون الكاثوليك عن المسيحية بنسب مرتفعة عن الغرب البروتستانتي حيث تقل النسبة إلى حد ما لكنها متزايدة. السمة الغالبة للمرتدّين عن المسيحية في أوربا أنهم يظلون بلا دين، بينما ينضم المرتدون عن المسيحية في أمريكا إلى الجماعات الروحية وإلى الإسلام.

فيما يلي أرقام([1]) من دول مختلفة من الكتلتين الكاثوليكية والبروتستانتية تشير إلى أن ترك المسيحية والعيش بلا دين بات ظاهرة متزايدة:

كندا      16%

فنلندا     15.1%   

فرنسا     4%

المانيا     28.3%

أيرلندا    4.2%

هولندا    42% 

بريطانيا   23.1%

أمريكا     16%

أستراليا   30%

وهذه الأرقام رسمية، وهي تقل عن الأرقام الحقيقية التي تكشفها بحوث ودراسات ميدانية.

تشير الدراسات إلى أن "الذين خرجوا من المسيحية في فرنسا حتى 1998 ويعيشون بلا ديانة يتجاوزون نصف الفرنسيين"([2]) . وتصل النسبة إلى 90% من الهولنديين. وفي أمريكا فإن "الظاهرة في ازدياد، ففي عام 1957 كانت 2.6% وفي عام 1994 نمت النسبة إلى 9.2% من السكان، وقفزت إلى 18.5% في عام 2007"([3]) أي أن نسبة الـ 10% كانت منذ عقد من الزمان. وهكذا يمكن القياس على ذلك في باقي الدول.

لكن الوضع في الدول الأورثوذكسية يختلف، الارتداد موجود ولكنه قليل. فإذا استبعدنا روسيا بسبب عدم وجود دراسات عن الديانات بها لأسباب سياسية، وأخذنا صربيا واليونان كنموذجين نجد أن الإحصاءات تشير إلى تدني هذه النسبة.

ففي صربيا (7.4 ملايين، منهم 5.2% فقط تشمل من لا يعرف لهم دين)، وفي اليونان (10.7 مليون منهم 98% أورثوذكس، و 0.07% فقط للآخرين).

 

التحول لدين آخر

تشير المعلومات والتقارير إلى أن الإسلام هو الدين الأسرع انتشارا في الغرب، ورغم الإجراءات التي اتخذتها الدول الغربية والمواقف العنصرية ضد المسلمين فإن الإسلام ينتشر. لكن من الملاحظ أن الأمريكيين يعتنقون الإسلام أكثر من الأوربيين، ربما لكون المذهب البروتستانتي أقرب إلى الإسلام من الكاثوليكية والأورثوذكسية، فهو يرفض وجود واسطة بين الإنسان والرب، ويرفض إعطاء الكنائس ورجال الدين أي سلطة متعلقة بالغفران.

وربما كان انتشار الإسلام وتراجع الكاثوليكية في القارة الأوربية هو السبب الذي دفع البابا بندكت السادس عشر إلى أن يبدأ بالتحريض ضد الإسلام والنبي محمد صلى الله عليه وسلم في محاضرته الشهيرة في ألمانيا لإثارة العداوات التاريخية وتحريض الغربيين. فالبابا استشهد بمناظرة بين إمبراطور بيزنطي ومسلم فارسي رغم ما بين روما وبيزنطة من عداء وما صدر من حرمان لأسقف القسطنطينية.

 

نسبة التحول بين المذاهب النصرانية

من الملاحظ أن التنافس الداخلي بين المذاهب المسيحية لاستقطاب الأتباع لم يتوقف. قام بذلك الكاثوليك مثلهم مثل الأورثوذكس وأيضا البروتستانت الأشد نشاطا الآن. وكان التفوق يعود إلى القدرة العسكرية في البداية، ثم انتقل إلى أساليب أخرى بعد أن أنهكت الحروب كل الأطراف.

لقد "أقدم الأباطرة الرومان المسيحيون على إيقاع الأذى وإنزال الاضطهاد العنيف بالمسيحيين الذين يخالفونهم المذهب. وشهدت الإمبراطورية من فنون التعذيب وقساوته في عصرها المسيحي مع المسيحيين ما لم تعرفه في عصرها الوثني، ليس فقط من جانب النظام السياسي تجاه الناس، بل من جانب رجال الدين الذين يساندهم هذا النظام لمصلحته السياسية، ويساندونه هم لمصالحهم الدنيوية، وإعلاء شأن مذهبهم، ضد إخوانهم الذين يعارضونهم الرأي"([4]).

استغل الكاثوليك الحروب الصليبية لكثلكة شعوب أوربية لم تكن اعتنقت النصرانية، وانخرط الأوربيون في حروب لعشرات السنين بين الكاثوليك والبروتستانت، أشهرها حرب الثلاثين عاما. ولازلنا نرى حتى اليوم بقايا هذه الحروب في الصدام في إيرلندا الشمالية بين الكاثوليك والبروتستانت.

استغل الكاثوليك الحروب الصليبية لنشر الكاثوليكية، واستطاعوا أن يضموا موارنة لبنان إلى البابوية رغم خلافهم في قضية المشيئة الواحدة ولازالوا مرتبطين بالفاتيكان حتى اليوم (يرى مارون أن للمسيح طبيعتين ومشيئة واحدة).

الوضع الآن تغير إذ تدور المنافسة بطرق عديدة وبوسائل سلمية، لكن ما يلفت الانتباه أن الإرساليات البروتستانتية خاصة مع هيمنة المذهب سياسيا على الغرب استطاعت أن تقتطع من الكعكة الكاثوليكية وتستقطب الكثير من الكاثوليك خاصة في أمريكا اللاتينية التي كانت تحت سيطرة كاملة للفاتيكان. وتشير الإحصاءات إلى أن نسبة اعتناق البروتستانتية من داخل مسيحيي العالم مرتفعة، في حين تتراجع بالنسبة للكاثوليك وتتراوح بين الضعف والثبات بالنسبة للأورثوذكس. وهذا الصعود البروتستانتي متوقع استمراره نظرا لاستمرار هيمنة الولايات المتحدة وقوة اقتصادها الذي يضخ المزيد لصالح الإرساليات الإنجيلية.

في أول زيارة له إلى بلد أمريكي لاتيني منذ توليه البابوية في أبريل/ نيسان 2005 عبّر البابا بندكت السادس عشر عن قلقه من انخفاض عدد أعضاء الكنيسة الكاثوليكية في المنطقة بشكل كبير، وحسب دراسة جديدة، يتبع 64 بالمئة من البرازيليين حاليا الكنيسة الكاثوليكية مما يعني انخفاضا بنسبة 10 بالمئة، وذلك بالتوازي مع ارتفاع ملحوظ في عدد أتباع الكنائس الإنجيلية. وقال بندكت إن "تحول الكاثوليكيين إلى الكنائس الإنجيلية أكبر هاجس لنا، وعلينا إيجاد حل مناسب"([5]).

 

نسبة الانتشار عالميا (التبشير)

حقق الكاثوليك انتشارا واسعا في أفريقيا وأمريكا اللاتينية وآسيا مستغلين الحملات الاستعمارية والانتشار الأوربي في احتلال العالم، ولأن الدول الأوربية الكاثوليكية كانت هي الأكثر عددا وانتشارا فقد أدخلت البابوية الكثير من شعوب البلاد المستعمرة في المسيحية، واستخدمت الوسائل التبشيرية في تنصير أمم عديدة مستغلة الفقر والحاجة.

وبسبب التنافس مع البروتستانت "كسبت الكنيسة الكاثوليكية الرومانية من الأنصار في العالم الجديد أكثر مما سلبهم منها الإصلاح الديني في العالم القديم"([6]).

لكن لم ينجح التبشير في قلب العالم الإسلامي، وعجزت الدول الاستعمارية عن تنصير المسلمين رغم استمرار احتلال الدول الإسلامية فترات طويلة، وهذا ما دفع التبشير إلى البحث عن نقاط الضعف والمناطق الرخوة لتنصير أهلها. فالملاحظ أن العدد الضخم للمسيحيين في العالم معظمه خارج أوربا والغرب، وهذا الرقم الكبير الذي يفوق المليارين – حسب التقديرات الغربية المبالغ فيها-  معظمه في المناطق التي احتلها الغرب ونهبها ونصّر شعوبها بالضغط والإكراه.

لكن التبشير البروتستانتي الآن متزايد ويستغل النفوذ الأمريكي كغطاء لنشر المذهب البروتستانتي في العالم، بينما التبشير الأورثوذكسي يركز على العمل محليا.

 

الموقف من الإسلام

تتباين مواقف الكيانات الثلاثة تجاه الإسلام، ففي الدول البروتستانتية يتسم الموقف بأنه حاد ومن النخبة أكثر من الشعوب، فالنخبة تناصب الإسلام العداء وتتوالى التصريحات المعادية للإسلام، وأصبح من المعتاد بروز مواقف معادية لتشويه المسلمين. وبدا هذا في تصريحات الدعاة التلفزيونيين مثل بات روبرتسون وجيري فالويل وسياسيين مثل جون أشكروفت وغيره من المحافظين الجدد.

وتأييد هذه النخب للحرب ضد الإسلام واضح، بل إنهم يحرضون على المزيد. لكن في المقابل فإن الشعوب، في أمريكا أفضل حالا من الأوربيين لا تتخذ ذات الموقف إذ يغلب عليها – إلى حد ما-  التسامح مع الإسلام خاصة المحلي، بل إن عدم وجود التأييد الشعبي المعادي للإسلام كثيرا ما يدفع من يسيئون للمسلمين – خاصة في وسائل الإعلام- إلى التراجع، والاعتذار في بعض الأحيان، وإن كان الوضع قد بدأ يتغير إلى حد ما في الأعوام الأخيرة بسبب التحريض الإعلامي.

يختلف الوضع في الدول الكاثوليكية الأوربية، إذ أن الموقف من الإسلام  شعبي حاقد، وهذا ناتج عن الميراث التاريخي والثقافي الناتج عن الحروب الصليبية والصدامات مع العثمانيين والحروب في الأندلس مع الشحن الثقافي ضد الإسلام منذ العصور الوسطى.

إن محاربة الإسلام رسميا وبتضافر جماعي، بدأت مع الحروب الصليبية التي شنها البابا أوربان الثاني اليهودي الأصل الذي أعلن قيامها باسم الرب في مجمع كليرمونت عام 1095م.

كانت الحروب الصليبية "محاولة من جانب البابا في صراعه مع الإمبراطورية ليمنح نفسه سلطانا على شعوب أوربا وقادتها، من ملوك وأباطرة وأكليروس، ليعيد للعالم المسيحي وحدته.. وتحويل الوطن العربي إلى وطن أوربي، فيما وراء البحار، والعرب إلى لاتين كاثوليك، وذلك عن طريق السيف"([7]).

ولم تتوقف محاولات البابوية عن "محاربة الإسلام منذ ذلك الوقت، وإن اختلفت المسميات وتنوعت الأساليب، إلى أن كان المجمع المسكوني الفاتيكاني الثاني عام 1965م، فقد أسفر هذا المجمع عن قرارين أساسيين لا سابقة لهما في التاريخ فيما يتعلق بالديانات غير المسيحية، وهما تبرئة اليهود من دم المسيح، وإقرار مبدأ التحاور مع الإسلام لاقتلاعه"([8]).

كل هذا جعل الوعي الشعبي مشحونا بالعداء تجاه الإسلام. يضاف إلى هذا طبيعة العقلية الغربية المحبة للصراع والكارهة للآخر التي تجعل الشخص الغربي في عداء مع من حوله. وهذا العداء الشعبي للإسلام هو الذي يدفع قادة الغرب إلى اتخاذ مواقف عدائية على أرضية ثابتة من التأييد الشعبي.

أما بالنسبة للدول الأورثوذكسية فإن العداء للإسلام يتخذ موقفا شعبيا، وقد أدى هذا العداء المتعصب في تواريخ سابقة إلى احتلال أراضي المسلمين في آسيا الوسطى والقوقاز.

 

طبيعة الخصومة مع  الإسلام

تتسم كراهية البروتستانت للإسلام بأنها مرتبطة بالمصالح وحب الهيمنة، فالدول البروتستانتية قد تدخل في صداقات مع المسلمين من أجل مصالحها مثل السعودية ودول الخليج، وتخوض حروبا ضد أخرى (أفغانستان والعراق) من أجل استمرار الهيمنة على العالم.

حتى في مواقفها مع الإسلاميين الذين يرفعون الشعارات الإسلامية فإن دولاً مثل أمريكا وبريطانيا لا تتعامل مع الإسلاميين بنمط واحد من التعامل، فهي تحارب الإسلاميين الذين يريدون إقامة دولة إسلامية حقيقية تعيد للإسلام دوره كقائد للأمة، وتتعاون مع الإسلاميين الذين يحققون مصالحها ولا يعادون هيمنتها خارجيا وداخليا.

في المقابل فإن الدول الكاثوليكية تعادي الإسلام وتعمل على تقويضه، ويبدو هذا في معاداة كل ما يتعلق بالإسلام في السياسة والمجتمع، خارجيا وداخليا، ويقود الفاتيكان حملة إخراج المسلمين من دينهم وتنصيرهم في إطار المنافسة حول السلطة على العالم.

أما الأورثوذكس فهم الأكثر عداء للإسلام، وتنبع هذه الكراهية من منطلقات عقدية، لكن هذا العداء والتعصب الأورثوذكسي موجه أساسا إلى الإسلام المحلي، ويبدو هذا الموقف المتعصب تجاه الجمهوريات الإسلامية التي تقع داخل روسيا مثل الشيشان والقوقاز والقرم، إذ يرفض الروس إعطاء مسلمي هذه البلاد استقلالهم ويتحملون الاستنزاف الاقتصادي الضخم ويتحملون الخسائر الجسيمة في الأرواح، دون التفريط في هذه البلاد.

***

إن دراسة التقسيمات الدينية في الغرب وما يترتب عليها من خلافات تفيد في معرفة التناقضات بين الدول الغربية لوضع استراتيجيات صحيحة تساعدنا في العمل تجاه الاستقلال وإنهاء التبعية، كما أن دراسة الخصوم تساهم في تحجيم العداء، وتفكيك الجبهة المعادية وتحييد الكثير من الدول التي ليس لها مصلحة في العداء.

 

 

 


[1] الكتاب السنوي للمخابرات الأمريكية 2010  fact book .

[2] لوموند ديبلوماتيك الطبعة العربية، عدد سبتمبر 2001.

[3] مايكل كوربت وجوليا كوربت، الدين والسياسة في الولايات المتحدة، الجزء الثاني، مكتبة الشروق الدولية، 2002، ص65.

 

[4] د. رأفت عبد الحميد، الامبراطورية البيزنطية: العقيدة والسياسة، الجزء الأول، دار قباء، ط1 عام 2000م، القاهرة، ص50.

 

[5] الموقع العربي لـ BBC على الإنترنت في 10 مايو/ أيار 2007 تحت عنوان (البابا يحث البرازيل على نبذ الاجهاض).

[6] ويل ديورانت، مرجع سابق، ص 231.

[7] د. زينب عبد العزيز، الفاتيكان والإسلام، دار الكتاب العربي، القاهرة، الطبعة الأولى 2005، ص13.

[8] د. زينب عبد العزيز، المرجع السابق ، ص14.

 

 

 
 
 
 
الاسم:  
عنوان التعليق: 
نص التعليق: 
خانة التحقق