المرأة والبيت بين حضارتين
الأثنين 17 سبتمبر 2012

 

فاطمة عبد الرءوف – كاتبة مصرية

خاص بالراصد

تبدو الصورة المثالية لدور ووضعية المرأة في المجتمع الحديث واحدة من أهم الإشكالات المعرفية التي يزدحم بها العصر الحديث، وفي هذا الصدد يمكننا تتبع رؤيتين حضاريتين متباينتين يعتمد كل منهما على نسق فكري مغاير ويعجّ بملايين التطبيقات التي تستلهم النموذج الحضاري وتقترب أو تبتعد عنه في الواقع الحياتي المعاش.

حضارة الكبرياء

أما الحضارة الأولى فهي الحضارة التي لها السبق المادي الذي أورثها الكبرياء في الأرض والتي يرى بعض مفكريها أنه بصعودها لهذا التطور انتهى التاريخ؛ وهي الحضارة الأعلى صوتا بما تملكه من وسائل إعلام جبارة مؤثرة حتى أن إعلامنا في كثير من الأحيان هو صدى لهذا الإعلام الذي يظلل القوة الاقتصادية والعسكرية العاتية التي بلغتها هذه الحضارة.

تبدو المرأة في ظلال الحضارة الغربية وقد اقترب كثيرا الفكر من التطبيق فالمرأة الغربية تمارس المساواة الحرفية فهي تعمل وتنفق على نفسها ولا تهتم كثيرا بأمر الزواج فلا يوجد مانع ديني أو أخلاقي أو مجتمعي يمنعها من الممارسة الجنسية خارج مؤسسة الزواج. هي تستطيع بوسائل منع الحمل الحديثة أن تلغي آثار هذا العبث حتى إذا وصل الأمر إلى الإجهاض فهذا حق مستحدث (حق المرأة في جسدها وما يحتويه) وحتى في البلدان التي لا تزال تمانع في زهق نفس الجنين فالنساء فيها يناضلن وبقوة للحصول على هذا الحق.

وعندما تتزوج وتنجب طفلا فإن الأعلى دخلا هو من سيعود للعمل وقد تكون هي الأعلى دخلا بينما يبقى الزوج لرعاية الرضيع، وحتى عندما تبقى هي لرعايته فإن ذلك لا يتجاوز الستة شهور كحد أقصى.

ببساطة شديدة المرأة الغربية العادية تمارس الواقع التطبيقي لثمار الفلسفة الغربية خاصة الفلسفة النسوية التي أوجدت واقعاً فعلياً عالمياً مطبقاً على أرض الواقع في الغرب ومطبقاً في القوانين والمواثيق في باقي العالم.

بين الفكر والواقع

ربما كان واقع المرأة الغربية لا يتطابق تماما مع الفكر والفلسفة الغربيين ولكنه يقترب منهما اقترابا كثيرا وعلى سبيل المثال فلا يزال أجر المرأة أقل من أجر الرجل، ونسبة تمثيلها في البرلمان أقل بكثير من تمثيله، وهي تتعرض للعنف والاغتصاب، ولكن وعلى الرغم من ذلك كله هناك اقتراب واسع بين الفكر بمختلف أطيافه وبين الواقع المعاش من خلال مبادىء أساسية حاكمة وستظل كلمة سيمون دي بفوار الشهيرة  بمثابة قانون اجتماعي غربي مطلوب تصديره للخارج: (إن المرأة لا تُخلق امرأة بل تصبح امرأة، فليس هناك مصير بيولوجي أو نفسي أو اقتصادي يحدد الدور الذي تؤديه أنثى البشر في المجتمع، إن المدنية ككل هي المسؤولة عن إنتاج هذا الكائن الذي يوصف على أنه أنثوي).

ومن ثم فجميع مؤسسات المجتمع الغربي تسعى من أجل الجندرة حيث لا أنثى ولا ذكر فنوعية التعليم واحدة وفُرص العمل متكافئة والحرية مطلقة وليس هناك أعمال أكثر مناسبة للرجال أو أعمال أكثر مناسبة للنساء، فالنساء قد يعملن في الجيش والشرطة، والرجال قد يصبحوا جليسات أطفال.

نحتاج إلى أطفال

والنتيجة أن معدلات النمو السكاني ضئيلة للغاية، فبينما كان عدد السكان في الغرب بالنسبة لعدد سكان العالم في منتصف القرن الماضي 22% أصبح الآن 15% ومن المنتظر أن يصل لـ 9% فقط عام 2025 إذا لم تحدث تغيرات جديدة لدرجة أن بلدا كفرنسا تنشر إعلانات لصور عليها أطفال تكتب تحتها (فرنسا تحتاج إلى أطفال).

معاناة المرأة الغربية

ولكن الشيء المؤكد أن المرأة الغربية لا تشعر بالسعادة أو الأمن النفسي طالما بقيت بعيدة عن بيتها الدافىء ولنأخذ رئيسة شركة بيبسي كولا في أمريكا الشمالية نموذجا، إذ تقول المرأة التي وصلت إلى أعلى المناصب القيادية في شركة بيبسي كولا: إنها عملت مدة اثنتين وعشرين سنة ووصلت إلى الحصول على راتب يقدر بمليوني دولار سنوياً، ولكن كان عليها أن تختار بين الاستمرار في العمل أو العودة إلى البيت وسبب عودتها إلى البيت أنها أم لثلاثة أولاد (في العاشرة والثامنة والسابعة).

وتقول السيدة بارنز: لقد كنت أحترق من جهتين لقد قمت بجهود كبيرة جداً من أجل شركة بيبسي كولا لقد كان لدي جدول مزعج ومتعب، وكنت أحضر موائد العمل من غداء وعشاء. وتضيف إن ترك العمل سيكون مؤلماً ولكني أحتاج أسرتي أكثر)[1].

(أحتاج أسرتي أكثر) هذا هو صوت الفطرة الذي لا يزال موجودا وقويا رغم أنف الفلسفة النسوية وفكر الحداثة والنجاحات المادية والمهنية التي تحققها المرأة.

مراجعات جديدة

وهو ما دفع قادة الفكر والدين في الغرب لمراجعة أفكارهم حول المرأة والأسرة والبيت، تقول الدكتورة أليس فون هيلدابراند أستاذ الفلسفة الأمريكية وهي تتقمص التباين الحاد الذي يدور في عقل المرأة الغربية: (إذا لزمتُ البيت لأعتني بأطفالي فيا لها من مصيبة لأني لن أصير أبدا رئيسة جمهورية ولن أصير أبدا رئيسة مجلس النواب. ولن أصير أبدا كذا وكذا! فيا لها من أكذوبة.

افترضي إنكِ ستختارين مهنة للعمل بدلا من تربية الأطفال وافترضي إنكِ نجحت في الحصول على مهنة محترمة مثل رئيسة مجلس النواب. ولكن ستنتهي المدة المحددة بعد بضع سنوات. فمن سيتحدث عنكِ؟ ومن سيتذكركِ بعد بضع سنين؟ أما إذا كنتِ أماً ففي هذه الحالة سيكون لديكِ عملا دائماً. إن الرابطة التي تربط بين الأم والطفل منذ لحظة الحمل رابطة وثيقة جدا، ويجب علينا كنساء أن نكنز هذه الهبة، إلا أن النساء في الحركة النسوية لوقتنا الحاضر ينظرن بازدراء إلى هذه الهبة ويقلن عنها بأنها لا شيء)[2].

مراجعات كثيرة جدا تجري على مستوى الفكر إذن والمتابع لصحف الغرب سيجد الكثير من هذه الكتابات التي قد تكون بداية لنمط حياتي مختلف يعيد للبيت قيمته ويعلي من وضع الأسرة[3].

في ظلال الإسلام

أما الحضارة الأخرى فهي حضارتنا العربية الإسلامية، وهي حضارة يظللها وحي السماء فنحن خير أمة أخرجت للناس بشريعتنا الخاتمة الخالدة .. تلك الشريعة التي تحتوي على نسق قيمي متوازن بمثاليته وواقعيته معا فهو نسق قيمي كلي يربط بين السلوك الإنساني في أدق تفاصيله ورضى الخالق عز وجل فهو الرقيب السميع البصير العليم سبحانه وتعالى.

لقد حظيت الأخلاق الاجتماعية بنصيب كبير من جملة التوجيهات الإسلامية خاصة تلك المتعلقة بالبيت والأسرة، حتى أن الآيات القرآنية تناولت آداب الاستئذان والزيارة والأكل وآليات حل الخلافات الزوجية إذا كانت من طرف الرجل أو من طرف المرأة وكانت سنة النبي صلى الله عليه وسلم خير موضّح وشارح ومفصل لهذه الأخلاقيات ثم جاءت اجتهادات الفقهاء والمفكرين الإسلاميين بناء على هذين الأصلين العظيمين فجاء تراثا فكريا عظيما مبشرا باحتلالنا الصدارة الخلقية والاجتماعية بين الأمم والتي ربما كانت البوابة الكبرى لاعتناق الناس لدين الله بمعجزة النسق القيمي المتوازن المتكامل الذي جاء به الإسلام، وهو ما لا يحدث اليوم للأسف الشديد عند قطاعات عديدة خاصة على مستوى أخلاقيات الأسرة، ونستطيع أن نلمح اتجاهات ثلاثة فيما يتعلق بالمرأة والبيت في ظل واقعنا المعاصر.

اتجاهات ثلاثة

الاتجاه الأول: اتجاه جاهلي لا يزال يضرب بجذوره في التربة حتى الآن وهو تيار يحتقر المرأة ويراها في منزلة دنيا. ومنذ أيام بسيطة زرت أماً وضعت طفلة فوجدتُ همّاً وحزنا يغلف الموجودين لدرجة أن الأم ترفض مشاهدة البنت أو حتى إرضاعها من شدة الضيق الذي تشعر به. ومن الخطأ الكامل تجاهل هذه النظرة الدونية التي لا تزال تشكل جزءاً من الوعي الجمعي لعدد من شرائح المجتمع.

الاتجاه الثاني: رمى نفسه في أحضان الفكر الغربي والحضارة الغربية، تقول إحداهن ساخرة من المرأة الزوجة والأم (وحين تصبح زوجة فإن البيت هو ملاذها ترعى شؤون المنزل والأطفال وتكون تابعة للرجل خاضعة له غير مستقلة ماديا مرتبطة ارتباطا وثيقا بالرجل لا تنفصل عنه فهي لا تعتبر نفسها كيانا مستقلا بل جزءاً من الآخر.

وهذا يحيلنا إلى حقيقة واضحة وجلية أن المرأة هي التي جعلت من نفسها "الآخر"، رضيت بمصيرها المحتوم كزوجة وأم وفرضت عليها تنشئتها الاجتماعية أن تكون "آخرا" مجرد متاع للرجل خادمة مطيعة في بيت زوجها لا تنفك عنه أو تنفصل فهي جزء من الآخر استسلمت فيه لإرادة المجتمع لقيمه ولأعرافه وغدت كيانا في كيان، لم تحاول التمرد مقتنعة من أنها الآخر، لم تحاول الخروج من عباءة الرجل ولم تحاول أن تعبر عن رأيها بحرية خوفا من هجر الرجل لها وخوفا من نظرة المجتمع لها)[4](4)، وواضح مدى تأثر الكاتبة بالحضارة الغربية واحتقارها لدور المرأة داخل البيت، وهذا الاتجاه له رموزه من ذوي وذوات الأصوات العالية.

أما الاتجاه الثالث: فهو ذلك الممتد الموصول بالعهد النبوي والصحابة رضي الله عنهم والتابعين وسلف الأمة وهو ذلك الاتجاه الذي يسعى لتجسيد المبادىء والقيم العليا في أرض الواقع على كافة المستويات الحياتية ومنها الأسرة. ليس معنى ذلك انه اتجاه بلا أخطاء ولكن أخطاءه محدودة فردية ليس لها قناع فكري .. هي أخطاء بشرية واردة عند التطبيق ولكن لا يتم الإصرار عليها، وبين أصحاب هذا الاتجاه وحده ينعم الزوج والزوجة والأولاد بسلام البيت ودفئه وجماله.

 

 


[1]  - لمزيد من التفاصيل عن قصص نساء غربيات فضّلن العودة للبيت عن العمل والنجاح المهني يرجى مراجعة كتاب: صور من حياة المرأة في الغرب للدكتور مازن مطبقاني، وكذلك مقال أقوال واعترافات بخطورة عمل المرأة.

[2] - من حوار لها منشور على الشبكة العنكبوتية.

[3] - مثل مقال: هل يمكن أن تصبحي الرابحة دوما، وكتاب الزوجة المستسلمة.

[4] - من مقال للكاتبة البحرينية عائشة الصديقي بعنوان: صراع الذكورة والأنوثة.

 

 
 
 
 
الاسم:  
عنوان التعليق: 
نص التعليق: 
خانة التحقق