الطائفية صنع الأسد
الأثنين 17 سبتمبر 2012

 

د. أيمن محمد هاروش – كاتب من سوريا

خاص بالراصد

مما يميز المجتمع السوري أنه مجتمع متعدد الطوائف والقوميات، فمن حيث القوميات فيه العربية والكردية والتركمانية والسريانية والشركسية، والغالبية هي العربية، ومن حيث الديانات فيه المسلمون السنة والشيعة الإثنا عشرية والإسماعيلية والمراشدة والنصيرية (العلويون) والدروز والمسيحيون والصابئة، وتعايشت هذه القوميات والطوائف بشكل سلمي لم يعرف العالم له نظيرا، حتى جاءت دولة البعث، فشوّهت المنظر ولعبت بالأوراق وأحدثت الحساسية الطائفية في سوريا.

سوريا قبل 1963م

لن أغور في أعماق التاريخ للحديث عن التعايش بين السوريين مع اختلاف أديانهم وقومياتهم، بل يكفي أن أسلط الضوء على المرحلة من احتلال فرنسا إلى مجيء نظام الأسد، ففي أولى الحكومات التي شكلت بعد رحيل العثمانيين، وفي عهد الملك فيصل كان فارس بيك الخوري رئيسا لها وهو مسيحي، وعندما جاء الفرنسيون إلى سوريا قال له الجنرال غورو: جئنا إلى سوريا لحماية المسيحيين، فذهب فارس بيك إلى المسجد الأموي يوم الجمعة وصعد المنبر وقال: إذا كانوا يقولون إنهم جاؤوا لحماية المسيحيين، فأنا أشهد أن لا إله إلا الله، وحمله الناس على الأكتاف وساروا به في شوارع دمشق بمظاهرة حاشدة، وفي سابقة لم يشهد لها التاريخ مثيلاً، وفي عام 1944م تقلد فارس بيك الخوري إلى جانب منصب رئاسة الوزراء حقيبة وزارة الأوقاف الإسلامية، وعندما اعترض على ذلك بعض أعضاء البرلمان وقف الشيخ عبدالحميد الطباع رئيس الكتلة الإسلامية في البرلمان وقال: إننا نؤمّن فارس بيك على أموالنا أكثر من أنفسنا.

وفي الخمسينيات ترشح في سهل حوران لرئاسة الميتم الإسلامي (جمعية خيرية ترعى الأيتام) رجل مسيحي اسمه هاني السالم ورجل مسلم من جماعة الإخوان المسلمين وهو الشيح أحمد الجنادي فنجح الرجل المسيحي هاني السالم.

وربما لا يعرف كثير من السوريين أن عددا من رؤساء الجمهورية كانوا من الأكراد أمثال: شكري القوتلي وحسني الزعيم، واجتمعت في فترة واحدة رئاسة الجمهورية للكردي شكري القوتلي ورئاسة الوزراء للمسيحي فارس الخوري، هذا في دولةٍ الأغلبيةُ فيها للعرب السنة.

ولم يكن يسمع في ذلك العهد أي عبارة تحمل معاني الطائفية بل كان الانتماء للوطن، والاختيار على قدر الوطنية، فهل عرف العالم تعايشا سلميا وابتعادا عن الطائفية كما عرفتها سوريا قبل آل الأسد.

وعندما نقرأ في تاريخ الثورة السورية وزعماء النضال ضد الفرنسيين نجد سلطان باشا الأطرش (الدرزي) وفارس الخوري (المسيحي) ويوسف العظمة (الكردي) وإبراهيم هنانو وحسن الخراط (السنيان) وصالح العلي (العلوي)، فنجد أن سوريا بكل فسيفسائها  الطائفي كانت تمثل يدا واحدة لمقاومة المستعمر وبناء الوطن الواحد سوريا، هكذا كانت سوريا وهكذا بقيت حتى عام 1963.

ثورة 8 آذار وصمة العار في تاريخ سوريا

ومع مجيء حزب البعث إلى سدة الحكم عام 1963م، وبغضّ النظر على سلبه للأموال بحجة التأميم وتحويل الأغنياء إلى فقراء بدلا من العكس، وإعادة اقتصاد البلد إلى الهاوية، وبغض النظر عن سياسة الحزب الواحد الحاكم التي فرضها على الشعب وتنصيب نفسه وليا على الشعب القاصر، بغض النظر عن كل ذلك فإن أمرا واحدا كان كافيا ليجعل من ثورة آذار وصمة عار وخزي، وهو إدخاله البلد في صراع بين التيار الإسلامي والتيار العلماني.

 بدأت النعرة والفرقة بين السوريين تنشب وابتدأت بين البعث، وهو ممثل المد العلماني القومي، وبين الجمعيات والتيارات الإسلامية، ومنذ البداية اختار البعثيون الدموية في خطابهم وسلوكهم، فراح منظرو البعث كزكي الأرسوزي يكتب مقالا في مجلة جيش الشعب يطعن فيه بالإسلام من خلال حديثه عن أسطورة آدم، ويجب التنبه إلى أن زكي الأرسوزي ينحدر من الطائفة النصيرية (العلوية)، أقول هذا لأن الأحداث المتتالية أثبتت أن رجالا من هذه الطائفة بدأت تستغل الحزب والجيش لتصل إلى الحكم وتحوله إلى ملكية طائفية، وما كتبه الضابط إبراهيم خلاص في 25/4/1967 في نفس المجلة من سخرية بالدين وقال بالحرف: (يجب أن يوضع الله في المتحف).

وأما دموية السلوك فعندما قامت مظاهرة في مدينة حماه ضد البعثيين عام 1964م وكان محافظها يومها عبد الحليم خدام، ورئيس الجمهورية أمين حافظ (السنيان)، فدخل الجيش وضربها وهدم أقدم جامع فيها وهو جامع السلطان، ومثله حدث في الجامع الأموي عندما اقتحمته الدبابات وجماعة الحرس القومي البعثي عام 1965 بعد إضراب تجار دمشق احتجاجا على سياسة البعث، وخطب حافظ الأسد مِن على شرفة ثكنة حماه وقال: "إننا نتجه لتصفية خصومنا جسديا" وهو الذي قال - كما أقر بذلك أحمد أبو صالح عضو قيادة ثورة آذار في شهادته على العصر بقناة الجزيرة - : "علينا أن نقضي على الإخوان المسلمين وكل متدين في هذا القطر لأنه رصيد احتياطي لهم" وكان ذلك بعد نجاح ثورة آذار عام 1964م.

كل ذلك يشهد لدموية السلوك، لكن قرن الطائفية لم يكن يبرز بشكل جلي وإن بدأت تتشكل ملامحه حتى بدأت عملية الانقلابات الحزبية التي أطاحت بمؤسسي البعث ميشيل عفلق (المسيحي) وصلاح بيطار (السني)، وشبلي العيسمي (الدرزي).

ثم بدأت الحركات العسكرية فكانت حركة الضابط العلوي صلاح جديد في شباط 1966م، التي أطاحت بحكم أمين حافظ وأنهت تولي محمد عمران لوزارة الدفاع (الضابط العلوي شريك صلاح جديد وحافظ الأسد في اللجنة العسكرية) ثم حركة حافظ الأسد التصحيحية عام 1970م التي أطاحت بصلاح جديد ورفاق النضال، وجعلته الحاكم الفرد المطلق في البلاد!!

والذي يبدو أن سيطرة العلويين على الجيش كانت مدبرة من أمد قبل هاتين الحركتين بدليلين: أولهما: تشكيل اللجنة العسكرية لحزب البعث عام 1959م (علما أنه كان منحلا أيام الوحدة مع مصر) وشملت خمسة ضباط، ثلاثة علويين وهم (صلاح جديد ومحمد عمران وحافظ الأسد) واثنان إسماعيليان وهما (عبد الكريم الجندي وأحمد المير)، ثم توسعت لتشمل خمسة عشر عضوا ومنهم سليم حاطوم (الدرزي)، وموسى الزعبي ومصطفى الحاج علي (السنيان)، والتي آلت للعلويين بزعامة صلاح جديد وحافظ الأسد بعد تصفية السنة، ثم تصفية الدروز ثم الإسماعيلية، ثم انفرد بها حافظ الأسد بعد تصفيته لصلاح جديد ورفاق نضاله.

ثانيهما: تسريح عدد كبير من ضباط السنة، فما بين عامي 1964 -1966 كان قد سرح أكثر من 4000 ضابط سني، وفي الفترة نفسها لوحق ضباط من مختلف الطوائف ممن يشكلون ثقلا في الجيش وخطرا على القوة العلوية القادمة فلوحق فهد الشاعر وسليم حاطوم وطلال أبو عسلي وهم من الدروز، وتم إعدام سليم حاطوم عام 1967م بتهمة الانقلاب على صلاح جديد، ثم لوحق عدد من الضباط الإسماعيلية كعبد الكريم الجندي وأحمد المير وأنصارهما، وكان الضباط العلويون يستغلون سذاجة وبلاهة أمين حافظ الذي كان يوقع على ما لا يعلم، وهو صرح بهذا نفسه في شهادته على العصر في قناة الجزيرة، ولهذا فهو يستحق وبكل جدارة ما لقبه به السوريون.

هذا التناحر الذي بدأ بين البعثيين والإسلاميين ثم تبلور بين العلويين والسنة على وجه الخصوص، جعل الطائفية تظهر على الساحة السورية، وكانت في قمة ظهورها أيام المقبور حافظ الأسد، ولا سيما بعد الثمانينيات حيث سلك سياسة الإقصاء للدين عن الحياة ومحاربة المتدينين ( يعني محاربة أهل السنة)، وتقريب الأقليات الأخرى ومحاولة إقناعها بخطر الأغلبية السنية، وضرورة التلاحم معه لدرء خطر السنة عن الأقليات.

ثم احتكر مراكز القوة في الدولة من الجيش والأمن على الطائفة العلوية ومن يواليه من أراذل السنة والطوائف الأخرى، بل تعدى الأمر لاحتكار البعثات العلمية والمراكز العليا في الدولة، حتى صارت الطائفية تظهر في أبسط معاملة حكومية.

وبخبث آل الأسد تَعكّر صفو سوريا وتحولت فسيفساؤها الطائفية إلى مظهر مقيت ومريب فيها.

الثورة والطائفية

وفي ثورة الكرامة السورية التي حركها الله تعالى بمعجزة من عنده، كان الدليل كبيرا وعظيما على فشل النظام السوري في غرس الطائفية في نفوس الشعب السوري، فمنذ البداية نادى الشعب الثائر (الشعب السوري واحد) وخرج في المظاهرات كل أبناء الوطن من العرب والأكراد والتركمان من حيث القومية، ومن السنة ومن المسيحيين والدروز والإسماعيلية من حيث الطائفية، وإن كانت الغلبة للسنة، وروى ترابَ الوطن كثيرٌ من أبناء الطوائف الأخرى غير السنة.

ومازال النظام وأبواقه ومن يناصره يعزفون على وتر الطائفية ويحذرون الأقليات من خطر الأكثرية السنية ولكنه لم ينجح فيها، ومن المضحكات في سياسته في استمالة الدروز ما أصبح يستعمله من مصطلح (الشيعة الدروز) وكأنه يريد أن يقول لهم نحن وأنتم في خندق واحد، لكنها لم تنطل على أبناء معروف وأحفاد سلطان الأطرش، ويعجبني ما قاله صديقي العزيز الأستاذ فارس الشوفي تعليقا على ذلك: "ونكاية بالإعلام الأسدي الطائفي الذي صار يُسمِّي أبناء معروف بـ "الشيعة الدروز"، أقول باسمي وباسم كل أحرار جبل سلطان الأطرش بأننا سنكون منذ الآن "السنّة الدروز" إلى أن تنتصر الثورة، وإلى أن ينتصر دم أطفال داريا على بنادق البرابرة الجدد... وعندها فقط سنعود دروزاً – لا سنة ولا شيعة –".

وكذلك محاولة تفجير جرمانا، التي يعرف كل عاقل أنها من صنع النظام، وأخير جاءت اعترافات ميشيل سماحة دليلا قاطعا على خبث النظام وتلاعبه بورقة الطائفية.

والذي يحزنني أن خبث النظام الطائفي لم يلق رواجا إلا عند العلويين، فالتشبيح الذي يقومون به وذبح الثائرين بالسكاكين يجعلهم حطبا ووقودا للنظام، وأكرر ما قلته في مقالي السابق: أليس منكم رجل رشيد؟

قد يكون هنا وهناك منهم من يعرف اللعبة ويتبرأ منها كبعض شركائنا في المعارضة لكنها لا تشكل ظاهرة تجعل للطائفة براءة من تهمة دعم النظام، وربما برر بعضهم كمن حاورني مرة بأن العلويين مكرهون على ذلك وأن النظام أشد فتكا بهم وأنه قدر لا خيار لهم سواه، لكنني لا أقتنع بهذه الأعذار وإن كنت أقتنع أن الكثير منهم أوذي من هذا النظام اللعين.

الطائفية بعد الأسد

وكثيرا ما يطرح هذا السؤال، ما طبيعة الحياة والتعايش بين الطوائف بعد رحيل الأسد؟

وأجيب بكل ثقة: إن الطائفية ولدت بولادة العصابة الأسدية وستسقط بسقوطها، وستعود سوريا – بإذن الله تعالى- كما كانت أكبر مثل في العالم للتعايش السلمي وتلاحم الطوائف مع بعضها، والذي يجعلني أجزم بهذا عدة أمور:

الوعي الكبير الذي يتمتع به الشعب السوري، والإرث التاريخي الكبير من التعايش بين الطوائف، هذا الوعي الذي ظننا أنه تعكر في ظل حكم عصابة الأسد، لكنه ظهر في الثورة أنه لم يزل صافيا ونقيا.

صمود الشعب أمام المخططات الطائفية والمحاولات المتكررة للنظام في جرّ الطوائف ولا سيما الأقليات لحرب طائفية مستعرة، فإذا استعصت عن الوقوع في شرك الطائفية في ظل أحداث الثورة الدامية، فهي بعد رحيل الأسد أشد استعصاء.

البرامج والمشاريع التي تعمل عليها أطياف كثيرة من المعارضة لحماية السلم الأهلي بعد سقوط الأسد، لأننا نتوقع أن يقوم النظام بتحريك أذنابه بعد سقوطه بإحداث خروقات طائفية ليبقى البلد في حالة فوضى ودموية، ولهذا تسعى أطياف كثيرة من المعارضة على تجنيب البلد ذلك.

ولكن لا أحب المثالية المتعالية عن الواقع، فما أحدثه بعض مأجوري النظام من أبناء الطائفة العلوية من مذابح في الحولة والقبير والتريمسة وحمص قد يثير الحمية في نفوس الأهالي ويجعلهم ينخرطون في ثأر طائفي يجر لحرب أهلية، وهنا يأتي دور العلماء والمثقفين لضبط الأمور وتبيين الحقائق، وأنا كوني واحدا من الدعاة وأصحاب الكلمة في قومي سأسعى جاهدا ومعي الكثيرون ممن أعلمهم لرفع شعار (ولا تزر وازرة وزر أخرى)، والحساب لكل من تلوثت يده بالدم السوري من أي طائفة كانت وتحت أروقة الدولة القادمة، ويجب أن لا ننسى أن التشبيح كان من كل الطوائف وشبيحة السنة عاثوا فسادا أكثر من غيرهم، ويعرف هذا أهل حلب وإدلب.

خاتمة

 وفي الختام أريد القول: سيسجل التاريخ أن أسوأ مرحلة مرّت فيها سورية كانت فترة حكم الأسد، وأن أقذر بشر عرفتهم سورية هم عصابة الأسد، وأن الطائفية من مفرزات قاذورات العصابة الأسدية، وبسقوطها وزوال الأسد، تعود سوريا إلى لحمتها وعافيتها وريادتها وسيادتها وعزها، وإن ذلك قريب بإذن الله تعالى.

 

 
 
 
 
الاسم:  
عنوان التعليق: 
نص التعليق: 
خانة التحقق