السجود العلوي بين الماضي والحاضر
الأثنين 17 سبتمبر 2012

 

هيثم الكسواني – كاتب أردني

خاص بالراصد

صُدم المسلمون وهم يرون الجنود النصيريين في سوريا يشتمون الذات الإلهية، ويُجبِرون المواطنين على السجود لصور رئيس النظام السوري بشار الأسد، ويضربونهم بقسوة كي يقولوا (لا إله إلا بشار)، وغدت المشاهد والمقاطع التي تبثها القنوات الفضائية والمواقع الإلكترونية حول تأليه بشار، وكذلك شقيقه ماهر، أكثر من أن تحصى.

وبما لا يدع مجالاً للتشكيك بصحة هذه المشاهد، فإن بعضها يُبث على قنوات تابعة للنظام النصيري العلوي الحاكم، كالتلفزيون العربي السوري وقناة الدنيا، حيث يتبارى بعض الضيوف والمتصلين للتفاخر بعبادتهم لبشار، والقول بأنه مقدم عندهم على رب العالمين، تعالى الله عمّا يقولون علوّاً كبيراً.

وأغرب من هذه كله الفتاوى الصادرة عن الدكتور البوطي بإجازته السجود على صور الرئيس السوري بشار الأسد.

حيث جاءت فتوى البوطي ردًا على سؤال وجه له عبر موقع "نسيم الشام" عن حكم الإثم الذي لحقهم بعد إجبار الأمن لهم بالسجود على صورة بشار. فأجاب البوطي بقوله: "اعتبر صورة بشار بساطا.. ثم اسجد فوقه"، على حد قوله.

وذكرت جريدة "زمان الوصل" السورية أن سؤالا وجّه للبوطي في موقع "نسيم الشام" من قبل شخص لم يذكر اسمه، وجاء في السؤال: "ما حكم توحيد غير الله قسرًا كما يحدث في فروع الأمن عند الاعتقال وإجبارهم على القول بأن "بشار الأسد إلهنا وربنا"، بحسب ما جاء في السؤال. فجاء الرد بحسب الفتوى رقم 14658: "إن ذلك يحدث بسبب خروج هذا الشخص مع المسيرات إلى الشارع والهتاف بإسقاط النظام وسبّ رئيسه والدعوة إلى رحيله" !!

وما من شك فإن أي مسلم يشاهد ذلك أو يسمعه سيصاب بالصدمة والذهول، وسيتملّكه الغضب، لما فيه من شركٍ بالله سبحانه وتعالى، وكفرٍ صريح، علاوة عمّا يمارسه العلويون النصيريون من حقد وقسوة واعتداء على المسلمين من أهل السنة، وعلى مساجدهم وممتلكاتهم وأعراضهم.

لقد ظنّ المسلمون أن بلادنا ودّعت الشرك والوثنية إلى رحاب الإسلام والتوحيد منذ قرون طويلة، وظننا أن منظر المشركين في مكة وهم يعذبون بلال بن رباح رضي الله عنه، ويضعون على ظهره الصخرة الكبيرة، ليكفر ويعود إلى عبادة الأصنام شيء من الماضي، فإذا بهذا الماضي يعود وبأقبح صوره، وفي بلد من بلاد الإسلام، سوريا.

لكن شيئا من الاستغراب سرعان ما سيزول إذا علمنا أن كثيرا من الفرق المنحرفة التي انتسبت للإسلام (ومنها النصيرية) لم تبرح الشرك والوثنية منذ تأسيسها، وظل تأليهُ الأفراد من دون الله دينَها وديدَنها:

 

فالشيعة غلوا في علي بن أبي طالب رضي الله عنه والأئمة من بعده، وادّعوا أنهم يعلمون الغيب، ويتحكمون في الكون، وأنهم يقدِرون على إحياء الموتى وإبراء الأكمه والأبرص وجميع معجزات الأنبياء عليهم السلام.

والدروز اعتقدوا بألوهية الحاكم بأمر الله، سادس حكام الدولة العبيدية الفاطمية، صاحبة المذهب الشيعي الإسماعيلي.

واعتبرت البهرة والأغاخانية، وهما من الفرق الإسماعيلية المعاصرة، زعماءهما آلهة من دون الله.

وكذلك البهائيون اعتبروا زعيمهم (البهاء) إلها من دون الله، حتى أن ابنه، عباس أفندي، تسمى بـ "عبد البهاء".

أما فرقة النصيرية، أو العلويين، موضوع حديثنا في هذا المقال، والتي ينتمي إليها رئيس النظام السوري الحالي، بشار الأسد، والتي تمسك بمقاليد الحكم في سوريا، فهي الأخرى، اعتقدت بألوهية بعض الأشخاص من دون الله، فالنصيريون يعتقدون بألوهية علي بن أبي طالب رضي الله عنه، "وهذه الألوهية لا تحتاج إلى برهان لأنها هي برهان كل شيء. هي ركن العقيدة النصيرية، وحولها تدور سائر العقائد، وعليها تبنى الديانة، وانطلاقا من هذه العقيدة تتحدّد معالم الإيمان"([1]).

وزعم النصيريون أن عليّا خلق محمدا صلى الله عليه وسلم، وأن محمدا صلى الله عليه وسلم خلق سلمان الفارسي، وسلمان خلق المقداد، والمقداد خلق الناس، ولذلك يدعونه رب الناس([2]).

 

 "ومن عقيدتهم: الحلول([3])، أي أن الله تعالى تجلى للمرّة الأخيرة بعلي كما تجلى قبل ذلك بقابيل وشيث وسام وإسماعيل وهارون وشمعون، واتخذ في كل دور رسولا ناطقا، تمثل على الترتيب في آدم ونوح وإبراهيم وموسى وعيسى.

فعليٌّ إله في الباطن، إمام في الظاهر، لم يلد ولم يولد ولم يمت ولم يُقتل، ولم يأكل أو يشرب، وقد اتخذ عليٌّ محمدا، ومحمد متصل بعليّ ليلا، منفصل عنه نهارا"([4]).

 

وما دام هؤلاء النصيريون يعتقدون أن الإله يحلّ فيهم، فقد كان كثير منهم يدّعي الألوهية، ويجبر الناس على السجود له، خاصة إذا توفرت له القدرة على ذلك، ويحدثنا الإمام ابن كثير عن واحدة من الحالات التي أعلن فيها أحد النصيرية قديما ادّعاءه للألوهية، وإجباره المسلمين على السجود له، وكان ذلك في القرن الثامن الهجري، يقول ابن كثير في أحداث سنة 717هـ:

"وفي هذه السنة خرجت النصيرية عن الطاعة، فأقاموا من بينهم رجلاً سموه (محمد بن الحسن المهدي القائم بأمر الله)، وتارة يدّعي أنه علي بن أبي طالب فاطر السماوات والأرض، تعالى الله عما يقولون علواً كبيراً، وتارة يدّعي أنه محمد بن عبد الله صاحب البلاد، وصرح بكفر المسلمين، وأن النصيرية على الحق، واحتوى هذا الرجل على عقول كثير من كبار النصيرية الضلاّل، وعيّن لكل إنسان منهم تقدمة ألف، وبلاداً كثيرة ونيابة قلعة، وحملوا على مدينة جبلة، فدخلوها وقتلوا خلقاً من أهلها، وخرجوا منها يقولون: لا إله إلا علي، ولا حجاب إلا محمد، ولا باب إلا سلمان‏.‏

وسبّوا الشيخين، وصاح أهل البلد: وا إسلاماه، وا سلطاناه، وا أميراه، فلم يكن لهم يومئذ ناصر ولا منجد، وجعلوا يبكون ويتضرعون إلى الله عز وجل، فجمع هذا الضال تلك الأموال فقسمها على أصحابه وأتباعه قبحهم الله أجمعين‏.‏

وقال لهم: لم يبق للمسلمين ذكر ولا دولة، ولو لم يبق معي سوى عشرة نفر لملكنا البلاد كلها‏.‏

ونادى في تلك البلاد: إن المقاسمة بالعُشر لا غير ليرغب فيه، وأمر أصحابه بخراب المساجد واتخاذها خمّارات، وكانوا يقولون لمن أسروه من المسلمين‏:‏

قل :لا إله إلا علي، واسجد لإلهك المهدي، الذي يحيي ويميت حتى يحقن دمك، ويكتب لك فرمان، وتجهزوا وعملوا أمراً عظيماً جداً‏.‏

فجرِّدت إليهم العساكر فهزموهم وقتلوا منهم خلقاً كثيراً، وجماً غفيراً، وقتل المهدي الذي أضلّهم وهو يكون يوم القيامة مقدمهم وهاديهم إلى عذاب السعير، كما قال تعالى‏:‏ ‏(‏ وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّبِعُ كُلَّ شَيْطَانٍ مَرِيدٍ * كُتِبَ عَلَيْهِ أَنَّهُ مَنْ تَوَلَّاهُ فَأَنَّهُ يُضِلُّهُ وَيَهْدِيهِ إِلَى عَذَابِ السَّعِيرِ *)". ‏[‏الحج‏:‏ 3-4‏]‏‏([5]).‏

أما في العصر الحديث، وتحديدا في فترة الاحتلال الفرنسي لسوريا، فتحدثنا المصادر عن ادّعاء علوي نصيري اسمه سليمان المرشد للألوهية، إضافة إلى سعيه للانفصال عن الدولة ومحاربتها، يقول د. محمد الخطيب عن المرشد:

".. فكان يلبس ثيابا فيها أزرار كهربائية، ويحمل في جيبه بطارية صغيرة متصلة بالأزرار، فإذا وصل التيار أضاءت الأنوار من الأزرار فيخرّ له أنصاره ساجدين، ومعهم المستشار الفرنسي، الذي كان يسجد مع الساجدين، ويخاطب سليمان بقوله: (يا إلهي) ...ولمّا استقلّت سوريا، وجلا الفرنسيون عنها، جرّدت الحكومة حملة استطاعت القضاء على هذه الفتنة، واعتقلت سليمان مرشد، حيث حوكم وشنق عام 1946م (1366هـ).

وبعد أن قتل سليمان مرشد، قام بعض أتباعه بتأليه ابنه (مجيب المرشد) ولكنه قُتل بعد فترة بسيطة، وبقي أتباعه على تأليهه، وعندما يذبحون يقولون: باسم المجيب أكبر، من يدي لرقبة أبي بكر وعمر"([6]).

 

للاستزادة:

1-   الحافظ ابن كثير، البداية والنهاية، ط 1، مؤسسة المعارف ودار ابن حزم، بيروت، 1426هـ، 2005م.

2- د. محمد الخطيب، الحركات الباطنية في العالم الإسلامي، عقائدها وحكم الإسلام فيها،  ط 2، مكتبة الأقصى، عمّان، 1426هـ، 2005م.

3-   د. مجاهد الأمين، النصيرية (العلويون) عقائدهم – تاريخهم- واقعهم.

4-   موسوعة المجموعات العِرقية والمذهبية في العالم العربي، إشراف ناجي نعمان، دار نعمان للثقافة، بيروت، 1990.

 


[1] - موسوعة المجموعات العِرقية والمذهبية في العالم العربي، إشراف ناجي نعمان، ص 271.

[2] - الحركات الباطنية في العالم الإسلامي، للدكتور محمد الخطيب، ص 321.

[3] - "تجسد الخالق في المخلوق بحلوله في بعض بني الإنسان، وامتزاجه به امتزاجا كاملا في الطبيعة والمشيئة بحيث تتلاشى الذات الإنسانية في الذات الإلهية.. وقد عُرفت هذه الفكرة في النصرانية بفكرة اتحاد اللاهوت بالناسوت، أو حلول اللاهوت في الناسوت، حيث يزعمون أن الله حلّ في المسيح الإنسان ليتكون المسيح الإله من طبيعتين، وبهما تأثرت الصوفية.." انظر: الموسوعة الميسرة في الأديان والمذاهب والأحزاب المعاصرة، إشراف د. مانع الجهني، دار الندوة العالمية، الرياض، ط 3، 1418هـ، المجلد الثاني، ص 1059، 1060.

[4] - النصيرية (العلويون) للدكتور مجاهد الأمين، ص 16.

[5] - البداية والنهاية لابن كثير، المجلد الثاني، ص 2974.

[6] - الحركات الباطنية ص 334.

 

 
 
 
 
الاسم:  
عنوان التعليق: 
نص التعليق: 
خانة التحقق