كتاب الشهر\العدد مائة وثلاثة عشر - ذو القعدة 1433 هـ
النفوذ الإيراني الناعم في القارة الأفريقية
الأحد 16 سبتمبر 2012
النفوذ الإيراني الناعم في القارة الأفريقية

 

عرض أسامة شحادة – كاتب وباحث أردني

خاص بالراصد

هذه الدراسة صدرت ضمن سلسلة (دوليات) التي يصدرها المركز العربي للدراسات الإنسانية بالقاهرة سنة 2010، ويقع في 95 صفحة من القطع المتوسط، وقد أعد الدراسة د. السيد عوض عثمان.

تعتبر العلاقات الإيرانية الأفريقية علاقات قديمة لكنها مرت بعدة مراحل، ففي زمن الشاه كانت تلك العلاقات تسخّر لخدمة المصالح السياسية الأمريكية، وبعد ثورة الخميني أصبحت تهدف لنشر فكر الثورة ومقاومة أمريكا ولكنها كانت علاقات فاترة بسبب انشغالات إيران بالحرب مع العراق والتركيز على بُعد تصدير الثورة، ولكن مع مطلع التسعينيات عادت إيران تحت قيادة رفسنجاني للاهتمام بأفريقيا، حيث أصبح هيكل وزارة الخارجية الإيرانية يضم لجنة لأفريقيا، ثم تطور إلى إيجاد منصب نائب وزير الخارجية لشؤون إفريقيا، وجاءت زيارة الرئيس خاتمي في 2005 لـسبع دول أفريقية كثمرة لهذا الاهتمام، ثم تأسست منظمة تطوير التجارة مع الدول العربية والإفريقية، والتي عقدت في 2007 مؤتمراً للتعاون المشترك، وفي 2009 أقامت ندوة تعاون إيران – إفريقيا والتي بلورت خطة لـ 48 مشروعاً مشتركاً، وتعددت زيارات الرئيس نجاد لأفريقيا لتمتين العلاقات وترسيخها بين إيران والدول الأفريقية.

تهدف هذه الدراسة لبيان حجم وانتشار النفوذ الإيراني في إفريقيا، والأدوات التي تمكنت بها إيران من الوصول للنفوذ بسرعة، والتحديات التي تنطوى عليها بالنسبة للأمن القومي العربي، ومستقبل هذا النفوذ.

كما تسعى الدراسة لفحص عدة تساؤلات هي: هل التشيع نتيجة للمساعدات التنموية (سياسة القوة الناعمة) الإيرانية وليس الهدف المركزي للسياسة الإيرانية في القارة؟ وهل تفرق سياسة إيران بين الدول العربية والإفريقية؟ وهل استفادت إيران من تجربة إسرائيل في اختراق أفريقيا؟

جاء الفصل الأول ليرصد خريطة النفوذ الإيراني في إفريقيا، في ثلاثة مباحث تناولت ثلاث مناطق جغرافية هي: منطقة الحزام الإسلامي في غرب أفريقيا، منطقة شرق إفريقيا وحوض النيل، منطقة الجنوب والشمال الإفريقي.

واستعرض فيها الباحث مسيرة العلاقات الإيرانية مع بلدان كل منطقة على حدة وأن هذه العلاقات تأخذ صبغة سياسية واقتصادية، وأن حرص إيران على القارة الأفريقية هو بهدف كسر الحصار السياسي عليها وإيجاد حلفاء ومناصرين ولو بعدم التصويت ضدها في المحافل الدولية، وأيضاً طمعاً في ثروات ومعادن القارة التي تحتاجها إيران كاليورانيوم مقابل دعم إيران لهم في مجال الصناعات البترولية، ولتمتين العلاقات مع الدول النفطية لمواجهة أطماع المستوردين وأخيراً ليكون لها موطئ قدم على شواطئ البحر الأحمر حتى لا تحاصر إيران.       

أما الفصل الثاني والذي كان بعنوان: (مداخل وأدوات وأهداف التغلغل الإيراني في أفريقيا)، فشرح بدايةً تسخير إيران للمساعدات التنموية كنوع من السياسة والدبلوماسية الناعمة في محاكاة للتجربة الإسرائيلية في القارة الإفريقية، ثم انتقل لبيان دور العلاقات التجارية ودبلوماسية النفط في تمرير أهداف إيران في إفريقيا، ثم انتقل لدور الأداة المذهبية الشيعية للتمدد الإيراني في القارة، وبين أن الوجود الشيعي اللبناني قديم وسابق للأطماع الحالية للنظام، فالزعيم الشيعي اللبناني موسى الصدر زار معظم الدول التي بها جاليات شيعية لبنانية سنة 1964 وعين فيها إماماً شيعياً يُصرف راتبه من المجلس الشيعي اللبناني، كما ينبه الباحث لزهد إيران في دعوة غير المسلمين في إفريقيا للإسلام واقتصار التبشير الشيعي على المسلمين!!

وفي الفصل الثالث استعرض الباحث مخاطر النفوذ الإيراني في إفريقيا على العالم العربي والإسلامي والذي يتمثل في:

1- اختراق النظم الأمنية والإقليمية بالقرن الأفريقي، حيث تتنافس إسرائيل وإيران على إيجاد موطئ قدم لها حتى تكسر حالة اعتبار البحر الأحمر بحيرة عربية، وبدلاً من أن تكون الدول العربية محاصِرة لإسرائيل وإيران في حالة نشوب حرب، يصبح العالم العربي محاصَراً من قبل إسرائيل وإيران من خلال التحكم بالممرات المائية (مضيق هرمز، مضيق باب المندب)، فضلاً عن الأطماع الغربية في السيطرة على هذه الممرات لسهولة الوصول لمناطق الصراع في الشرق الأوسط.

2- إشعال وتفجير الخلاف بين دول المنبع والمصب لحوض النيل، وقد كانت إسرائيل السباقة لإقامة علاقات إستراتيجية مع دول المنبع (إثيوبيا، وإرتيريا، وكينيا، والكونغو) وذلك للضغط على مصر والسودان وتهديد الأمن المائي لهما، إلا أن إيران لحقت بإسرائيل للحصول على حصة من أوراق الضغط على مصر تحديداً في المستقبل بخصوص هذا الملف وللمقايضة بها في ملفات أخرى من خلال نفوذها في تلك الدول.

3- محاولة تفجير مناطق الأطراف للنظام الإقليمي العربي في إفريقيا، إضافة لما تقوم عليه سياسة إسرائيل من شد الأطراف، فإنها تسعى لتفجير مناطق الأطراف مثل السودان وموريتانيا، وعملت على خلق بذور العداء بين الشعوب العربية والإفريقية بدعاوى دينية وعرقية وثقافية، وبالمقابل تقوم إيران بمجاراة إسرائيل في ذلك للحصول على بعض المكاسب والنفوذ بما يخدم الأجندة الإيرانية.

4- ضرب المصالح العربية في العمق الإفريقي.

وختم الباحثُ الكتاب بمجموعة من التوصيات بضروة نبذ سياسة الإهمال والتجاهل للجيران والأشقاء في إفريقيا، وضروة إيلاء هذه العلاقات مكانة محورية بتخصيص وزارة للشؤون الإفريقية في الحكومات العربية، وتفعيل العلاقات الثقافية والحضارية وعدم البقاء في مربع التجارة البينية، وضرورة ملء الفراغ أمام إسرائيل وإيران وحتى تركيا في القارة.

في النهاية لا بد من بيان ملاحظتين على البحث، هما:

* أن البعد الجغرافي عن إيران ومناطق الشيعة والذي كان سبباً في جهل وإغفال الدول العربية الإفريقية للخطر الشيعي والإيرانى، أصبح لاغياً مع وصول النفوذ الإيراني الناعم والخشن لحدود بل وداخل كثير من هذه الدول العربية الإفريقية.

* أن الكاتب حاول أن يرجح أن المصالح السياسية الإيرانية هي التي مهدت للتمدد الشيعي في هذه الدول الإفريقية، ولكن الصواب أن التمدد الشيعي المذهبي في إفريقيا سبق المصالح الإيرانية لنظام الملالي، فالوجود الشيعي اللبناني والهندي (البهرة- الأغاخانية)، حيث هاجر كثير من شيعة لبنان لدول أفريقيا الخاضعة للاستعمار الفرنسي الذي استعمر لبنان، في حين هاجر كثير من البهرة والأغاخانية للمستعمرات البريطانية في إفريقيا.

وكانت لهم جهود متواصلة لنشر التشيع مهدت لوصول السياسات الإيرانية اليوم، وبالمقابل ساعد النفوذ الإيراني على تضخيم مكاسب التمدد الشيعي في إفريقيا، ويمكن مراجعة تاريخ التشيع في إفريقيا في كتابيْ: التجمعات الشيعية في أفريقيا العربية لأسامة شحادة وهيثم الكسواني، والتشيع في أفريقيا، إصدار مركز نماء. 

 
 
 
 
الاسم:  
عنوان التعليق: 
نص التعليق: 
خانة التحقق