الإخوان والشيعة .. تساؤلات تبحث عن الإجابة
الأحد 16 سبتمبر 2012

 

أسامة الهتيمي – كاتب مصري

 

خاص بالراصد

من بين السمات التي ربما تميز جماعة الإخوان المسلمين عن غيرها من الحركات الإسلامية هي أن الكثير من مواقف الجماعة السياسية والفكرية مما يثير الدهشة والتعجب إذ لا يمكن للمراقب أو الراصد للأحداث أن يؤكد بما لا يدع مجالا للشك موقفا محددا للجماعة إزاء قضية بعينها وهو المنهج الذي كانت عليه الجماعة وما زالت منذ تأسيسها في عشرينيات القرن الميلادي الماضي وحتى اللحظة.

وبقدر ما استفادت جماعة الإخوان المسلمين من هذا المنهج البراجماتي عبر تاريخها الممتد لنحو 84 عاما تقريبا إلا أنه كان سببا رئيسيا أيضا وراء خسارتها على المستوى السياسي والفكري، ومن ذلك مثلا هذا الجدل الشديد الذي أعقب ثورة الخامس والعشرين من يناير خاصة بعدما تمكنت الجماعة من أن تحقق مكاسب كبيرة في الانتخابات البرلمانية التي أجريت منذ عدة شهور إذ أثار ذلك الفوز حنقَ الكثيرين من معارضي الجماعة ومنتقديها حتى أنهم وصفوا الجماعة بالانتهازية، واتهموها بأنها ركبت الثورة لتحصد ثمارها دون أن تكون إحدى المكونات الرئيسية للثورة ودون أن تخسر من أجل اندلاعها ونجاحها.

واستند هؤلاء في دعواهم للتصريحات التي أدلى بها بعض قادة الجماعة نفسها وذلك قبيل يوم الخامس والعشرين من يناير/ كانون الثاني 2011م والتي أكدوا خلالها أن الجماعة بالفعل لم تعطِ أوامرها وتعليماتها لأعضائها بالنزول للشارع للمشاركة في مظاهرات يناير وهي التصريحات التي لم تكن تعكس الحقيقة على وجهها الصحيح حيث كانت هناك بالفعل تعليمات بالنزول وإن كانت لأعداد محدودة من عناصر وكوادر الإخوان غير أن الدافع الرئيس وراء إنكار قادة الإخوان لذلك هو الخشية أن تكون الجماعة وعناصرها هما الضحية الأولى لبطش نظام حسني مبارك في حال فشلت هذه التظاهرات ولم تحقق الهدف منها.

وبالطبع وضع هذا الموقف المتناقض بين تصريحات القادة ونزول الأعضاء الجماعةَ في حرج شديد عند حديث قادتها بعد نجاح الثورة عن مشاركة الجماعة في الفاعليات الأولى للثورة للرد على منتقديها إذ بدا واضحا وجليّا أن الجماعة تلعب على الحبلين وأنها بعيدة تماما عن المبدئية التي يفترض أن تتسم بها باعتبارها أولا وأخيرا جماعة تلتزم بالقيم الإسلامية وتدعو لها.

 ويأتي إعلان جماعة الإخوان عن عدم تقديم مرشح لها لرئاسة الجمهورية نموذجا آخر يدلل على انتهاج منهج المواقف الغامضة والمثيرة للدهشة ففور نجاح ثورة يناير سارعت الجماعة ودون أدنى مبرر سياسي إلى الإعلان عن عدم رغبتها في أن تخوض أو يخوض أي من الإسلاميين معركة التنافس على رئاسة الجمهورية وأن ذلك يهدف بالأساس إلى إرسال رسائل تطمينية للخارج الذي يتخوف من وصول الإسلاميين لحكم البلدان العربية ومن ثم تزايد احتمالات الإخلال بالمعاهدات والمواثيق التي أبرمها الغرب مع أنظمة هذه البلدان.

وعلى الرغم من أن للإخوان ولغيرهم  الحق في خوض هذه المعركة الانتخابية إلا أن أغلب الأطراف السياسية غير الإسلامية في مصر رحبت بإعلان الإخوان إدراكا منها بأن الشارع المصري تفاعل مع الإسلاميين، وأن غيرهم ليست له شعبية حقيقة تؤهله للوصول لسدة الحكم لكن الإخوان سارعوا أيضا وبلا مبررات سياسية قوية إلى التراجع عن موقفهم، والإعلان عن ترشح المهندس خيرت الشاطر الذي تم رفض ترشحه لتعلن الجماعة عن ترشيح رئيس حزب الحرية والعدالة آنذاك الدكتور محمد مرسي. 

وبعيدا عن الاتفاق أو الاختلاف على ترشح قيادي إخواني لموقع الرئاسة فإن الشاهد في استعراض ما سبق هو الإشارة إلى أن آليات وفلسفة إصدار القرارات داخل الجماعة يحيط بها الكثير من الغموض وعدم الشفافية ومن ثم فهو أيضا المنهج الذي يمكن أن نستظل به في فهم علاقة الإخوان المسلمين بالشيعة في مصر فضلا عن الدولة الإيرانية الشيعية.

إن من الظلم البيّن الاعتقاد بأن موقف الإخوان من الشيعة موقف موحد وإن بدا هذا التوحد في شأن قادة الجماعة لكن الحقيقة التي يدركها المخالطون لأعضاء وكوادر الجماعة في مناطق مختلفة أن العديد من هذه العناصر ربما يتخذون مواقف مختلفة عن قادتهم وإن رضخوا لما يعلنه القادة خلال تصريحاتهم ولقاءاتهم من باب التزام مبدأي السمع والطاعة، وأن القادة في نظرهم أدرى وأوعى بما يخدم مصلحة الدعوة والإسلام لكن هذا لا يمنع بعضهم من رفض الكثير من الممارسات الشيعية سواء على المستوى السياسي أو الديني وفي ذلك أكبر دليل على أن القرار الفوقي ربما لا يكون معبرا حقيقيا عن تطلعات وطموحات القاعدة العريضة للجماعة.

وفي ضوء ذلك فإن التعقيب الأساسي - الذي سندلي به في هذا المقال - على موقف الإخوان من الشيعة يستهدف بالدرجة الأولى قادة الإخوان الذين هم أصحاب القرار وليس غيرهم، وهو القرار الذي من البديهي أن ينبع من منطلق مصلحة الجماعة ومن قبلها مصلحة الدعوة الإسلامية التي تأسست الجماعة بهدف القيام بأعبائها ومن ثم فإنه يجدر بنا وعلى عكس ما يجب أن يكون من ضرورة استعراض موقف الإخوان المسلمين في مصر من الشيعة والدولة الإيرانية أن نحاول استعراض موقف الشيعة المصريين من الإخوان المصريين أولا وهو الموقف الذي لا يقل بأي حال من الأحوال غرابة وإثارة للدهشة عن موقف الإخوان من الشيعة.

ومن بين التصريحات التي تكشف عن حقيقة ما يكنّه الشيعة للإخوان المسلمين - الذين هم طرف سني بغض النظر عما يمكن أن يؤخذ عليهم من ملاحظات – ما صرح به مرارا الدكتور أحمد راسم النفيس وكيل مؤسسي حزب التحرير الشيعي، فمنذ أسابيع قريبة أعلن النفيس عن أنه وجماعته سيشاركون في تظاهرات الرابع والعشرين من أغسطس/ آب الماضي بكل قوة لإسقاط الرئيس محمد مرسي وحكم جماعة الإخوان المسلمين.

وأرجع النفيس سبب المشاركة في التظاهرات - التي دعا لها النائب العلماني محمد أبو حامد - إلى ما اعتبرها سياسة الإخوان التي فاقت الحدود لتكميم أفواه الإعلاميين وتقييد حرية الصحافة بالإضافة للتصدي لمخطط الهيمنة الإخوانية على مؤسسات الدولة وعلى رأسها الصحافة القومية التي اتبعت نفس أسلوب تمجيد الرئيس مثلما كان يحدث مع الرئيس السابق – وفق قوله -  .. مشددا على ضرورة إسقاط حكم الإخوان قبل تنفيذ مخططهم الذي صرح به مهدي عاكف، المرشد السابق للجماعة، بأنه لا بد أولاً للجماعة أن تسيطر على كل مؤسسات الدولة حتى نقول إن الحكم في مصر تحول بشكل كامل لصالح الإخوان.

وتتطابق هذه التصريحات مع ما ذهب إليه النفيس في تصريحات سابقة خلال الانتخابات الرئاسية التي أجريت منذ ثلاثة أشهر تقريبا إذ أكد النفيس فيها أنه يرفض وصول المرشح الإخواني للرئاسة محمد مرسي لرئاسة مصر مؤكداً أن مصر الآن بين خيارين إما خيار الميليشيا أو خيار الدولة مشيراً إلى أن أهم الأولويات لديه أن لا يفوز مرسي بمنصب الرئيس.

وبالطبع ليس من شك في أن تصريحات النفيس تثير الكثير من علامات الاستفهام لدى الإخوان وغير الإخوان، فالنفيس قبل أن يتشيع ويصبح من قادة الشيعة في مصر كان عضوا في جماعة الإخوان المسلمين وبالتالي فمن المؤكد أن الرجل يدرك جيدا ويعي بدرجة ليست بالقليلة طبيعة منهج وفكر الإخوان المسلمين وأن الجماعة هي الوحيدة من بين الجماعات الإسلامية السنية الكبيرة في مصر وربما في بقية البلدان العربية والإسلامية التي يمكن أن توصف بالانفتاح مع الشيعة والدولة الإيرانية فما الذي يدفع النفيس لاتخاذ هذا الموقف؟ ..

إن المبرر الوحيد الذي يمكن قبوله في هذه الحالة هو أن خشية النفيس وغيره من وصول حركة إسلامية سنية للحكم - حتى لو كانت هذه الحركة هي الإخوان المسلمين - قد فاق في نفس النفيس السلوك المنفتح لجماعة الإخوان مع تعاطيها مع الشيعة ليصبح منهج الإخوان هذا عند النفيس مجرد موقف يستند إليه ومن معه في الإعلان عن أنفسهم والدعوة لفكرهم، وأنهم بطرحهم يمثلون شكلا واجتهادا إسلاميا والدليل أن الإخوان لا يرفضونهم، ويقبلون بوجودهم كمسلمين لا ينقص إسلامهم وهو ما يزيل أمامهم العقبات ويفتح لهم الباب واسعا في التوغل في المجتمع المصري الذي بقدر حبه وتقديره لآل بيت النبوة رضوان الله عليهم بقدر حبه وتقديره أيضا للخفاء "أبي بكر وعمر وعثمان" – رضي الله عنهم – باعتبارهم من أقرب الصحابة للرسول صلى الله عليه وسلم.   

والموقف الذي أعلنه النفيس يتطابق مع ما اتخذه آخرون بما يشير بقوة إلى أنه ليس موقفا فرديا وإنما هو الموقف الموحد للشيعة المصريين من الإخوان المسلمين، ففي تصريحات سابقة له رفض رئيس التيار الشيعي في مصر محمد غنيم فكرة خروج تظاهرات ضد الفريق أحمد شفيق مرشح رئاسة الجمهورية قائلا: "إنها ستودي إلى اضطرابات ليست في صالح البلاد" مشيرا إلى ترشيحه الفريق شفيق بجولة الإعادة تدعيما منه للدولة المدنية والاستقرار.

كما يمكننا النظر أيضا في تصريحات المستشار الدمرداش العقالي – الذي يلقب بالزعيم الروحي للشيعة في مصر - والذي كان يوما ما نائبا لرئيس حزب العمل المصري المعروف بعلاقته القوية بكل من الإخوان المسلمين والدولة الإيرانية الشيعية، ومع ذلك يقول تعقيبا على تشكيل بعض القضاة المصريين لحركة تمثلهم: "إن حركة (قضاة مصر) تدل على عبث الإخوان بالقضاء مؤكداً أن اختيار هذه المجموعة لتصدر بيانا ليس من حقها، دلالة على تواطئهم واشتراكهم في التزوير لصالح مرسي".

وفي تصريح آخر قال العقالي إن إعلان الإخوان ترشيح المهندس "خيرت الشاطر" في الانتخابات الرئاسية هو تأكيد على أن الإخوان كاذبون وأنهم يحاولون السيطرة علي كل شيء في هذا البلد وأن الإخوان الآن ومنذ فترة طويلة خرجت عن كل أهداف ومبادئ الإمام حسن البنا مؤسس الجماعة في عام 1928.

بل إن العقالي في هذا التصريح يؤكد أن جمال عبد الناصر بريء من دم الإخوان، بل إنهم هم الذين غدروا به وخرجوا عليه بسبب رغبتهم في السلطة ووقفوا ضده حتى ضاعت فرصة الوحدة العربية التي كان ينادي بها عبد الناصر، وبذلك أضاع الإخوان حلم الوحدة العربية!

ومناط التعجب أنه في الوقت الذي تصدر فيه مثل هذه التصريحات عن قيادات الشيعة في مصر تجاه الإخوان نجد أن إيران، الدولة الشيعية الأولى، تحاول بمختلف الطرق التقرب من الإخوان المسلمين باعتبارها المتصدر للمشهد السياسي في مصر وأن الرئيس الجديد للبلاد هو قيادي فيها، بل إن هذا التقرب اتخذ أشكالا عديدة وعميقة للدرجة التي دفعت القيادة الإيرانية إلى الإعراب عن ترحيبها الشديد بقبول الدكتور محمد مرسي رئيس مصر بالدعوة للمشاركة في قمة دول عدم الانحياز وهي على علم بأن الدكتور مرسي بصفته رئيسا لمصر التي كانت ترأس القمة السابقة سيكون له كلمة خلال فعاليات القمة ليس من المستبعد أن تتناول ما يحدث في سوريا ومن ثم فإنها ستتضمن ما يخالف ويتناقض مع السياسات الإيرانية التي تقف خلف بشار الأسد بكل قوة، ذلك لأن جماعة الإخوان والنظام المصري الجديد بقيادة مرسي كانا قد أعلنا مرارا دعمهما الكامل للثورة السورية وللجيش الحر وما كان من المنتظر أن يغضّ مرسي الطرف عن هذه القضية وهو حديث العالم شرقه وغربه.

وبقدر ما كانت كلمة مرسي بما تضمنته من إعلان موقفه من أحداث سوريا فضلا عن ترضّيه على الخلفاء الراشدين الأربعة بما يخالف منهج الشيعة تمثل صفعة قوية على وجه إيران بقدر ما كانت زيارة مرسي لإيران من أساسها فضلا عن اعتبارها شريكا مع مصر والمملكة العربية السعودية وتركيا في حل المسألة السورية خلال المبادرة التي قدمها في قمة مكة محاولة لمجاملة إيران والإعلاء من شأنها على الرغم من إدراك مرسي بل وكل المتابعين أن إيران باتت جزءا من المشكلة وليست جزءا من الحل وأن انحيازها التام للنظام السوري القمعي سيحول بينها وبين أن تكون بأطروحاتها ملبية لتطلعات الشعب السوري بما يستلزم تهميشها وتحجيم دورها في هذه المسألة.

وأخيرا فإن ما يمكن أن نفسر به ونرد من خلاله على العديد من التساؤلات حول موقف الإخوان المسلمين المدافع عن الدولة الإيرانية والمتقارب مع الشيعة أن الإخوان ينطلقون في تحديد مواقفهم في الغالب الأعم من منطلق المصلحة السياسية الذي يعطونه أهمية قصوى تصل في بعض الحالات إلى حد التغاضي عن الموقف الشرعي والاعتبارات الأخرى فضلا عن اتباعهم لما يسمونه بحسن الظن بالمسلمين وهو أمر في غاية الخطورة عندما يكون حسن الظن بلا رابط أو معايير فغالباً ما تكون نتيجته النهائية هي الوقوع في فخ الدفاع أو التعاون مع من لا يستحق ذلك.

 

 
 
 
 
الاسم:  
عنوان التعليق: 
نص التعليق: 
خانة التحقق