الحج لسوريا المحتلة
السبت 18 أغسطس 2012

 

د. أيمن محمد هاروش – كاتب من سوريا

خاص بالراصد

منذ فترة وسوريا تشكل قبلةً للحج عند الشيعة لزيارة البقاع المقدسة عندهم كالسيدة زينب والسيدة رقية في دمشق، والتي لا تدل دراسة تاريخية موثوقة على وجودهما هنا أصلاً، وكان للحج هذا دوره في توطيد أركان إيران ونشر التشيع في سوريا كما أشرت إلى ذلك في مقالي في العدد الماضي، لكن اليوم أخذ الحج الإيراني في سوريا بعدا جديدا وأنيطت به مهمة لم تكن من قبل، وهي مساندة النظام السوري في قمع الثورة السورية، هذا الدور الذي لعبته إيران منذ اندلاع الثورة السورية فقد رأيت بنفسي نقوداً إيرانية في الأماكن التي اقتحمها الجيش الحر كما أن بعض عناصر الجيش الحر أخبرني أنه عندما قام بمداهمة موقع لقناص بإدلب وحاصروه وجَدوه لا يعرف العربية، وأمثال هذه القصص كثيرة، لكن جاء أسْر العناصر الثمانية والأربعين على أيدي أبطال الجيش الحر في دمشق ليكون دليلا قاطعا للتدخل الإيراني العسكري في سوريا، وليوجه ضربة قاسية لولاية الفقيه في إيران.

حجاج أم أسرى؟

ما لبث أن أعلن الضابط المسؤول عن عملية أسر العناصر الإيرانيين في سوريا وقام بتقديم وثائق لهم تثبت انتماءهم للحرس الثوري الإيراني حتى سارعت إيران لإعلان أنهم حجاج جاؤوا لزيارة الأماكن المقدسة في سوريا، فهل هم حجاج أم أسرى؟

ولابد من ملاحظة عدة أمور لتكون الإجابة دقيقة:

1- إننا اعتدنا على رؤية الحجيج الإيرانيين في سوريا أن يكونوا أفواجا من الرجال والنساء، ومن مختلف الأعمار والغالب عليهم سن الشيخوخة، لكنهم هنا لم يكونوا إلا من الرجال، وخلوا من الشيوخ حتى أن أعمارهم متقاربة.

2- هل من المعقول أن يجازف أحد بروحه ويأتي ليحج في سوريا في هذه الأوقات العصيبة؟ للدرجة التي أبلغت دول العالم رعايها بمغادة سورية، ومنعت بعضُ الدول مواطنيها من السفر إلى سوريا للسياحة، بل حدثني أخ أن كندا منعت قريبة له من زيارة سوريا وهي سورية حرصا على سلامتها، ولا يستطيع أبناء سوريا أن يتنقلوا بين أرجائها خوفا على أرواحهم، ففي هذه الظروف يُقبل إيرانيون لزيارة السيدة زينب في سوريا، فهل هذا يصدق؟ وكان بإمكانهم أن يزوروا مقدسات شيعية في العراق أو في مصر ليشبعوا الحاجة الروحية لديهم.

3- هل من قبيل السهو أم من العبث أن يصطحب البعض معه أوراقا تثبت أنهم من الحرس الثوري الإيراني؟

4- لا يمكن أن تُقرأ هذه الحادثة بمعزل عن فتاوى مراجع الشيعة التي تدعو للجهاد في سوريا وقتل اللاجئين السوريين في لبنان، ولا شك أن الجهاد الذي يعنونه هو قمع المتظاهرين والقيام بالتشبيح المعروف.

هذه الأمور كلها تدعو لاستبعاد صفة الحجيج عن الإيرانيين، واستحقاقهم لصفة الشبيحة، وإنني إذ أنفي عنهم صفة الجيج فأقصد الحج بمعناه الشرعي الشيعي وهو زيارة البقاع المقدسة لديهم، أما لو عدنا للغة فالحج هو القصد إلى مُعظم، وقتل أهل السنة مُعظم عند الشيعة، ونصرة بشار الأسد أمر مُعظم عند الشيعة، فبهذا المعنى هم حجيج ورب الكعبة، ولعل إيران قصدت حقيقة ذلك وأوهمت العالم المعنى الآخر، وهي تقية سياسية تسير على منهجهم في التدين بالتقية.

وإن انتفت عنهم صفة الحجيج فهم إذاً أسرى حرب، ويجب أن يعاملوا معاملة أسرى الحرب التي حثنا عليها ديننا الحنيف، من حسن المطعم والمشرب وعدم التعذيب والأذى. وكلِّي ثقة بالجيش الحر أنه أهل لذلك لما أعلمه عنه من أخلاق حميدة والتزامه بأحكام الشريعة.

هذا فضلا عن التدخل السياسي الذي جعل المراقب يخيل إليه أن الثورة في إيران وليست في سوريا، وتكاد أن تكون تصريحات الإيرانيين عن الشأن السوري أكثر من تصريحات المسؤولين السوريين أنفسهم، وبرهن على ذلك طلب الروس من المجتمع الدولي ضرورة حضور إيران في مؤتمر جنيف، علما أنها لا تملك أي صفة تؤهلها لذلك، فليست من دول الجوار ولا من دول القرار في مجلس الأمن، وأن حل الأزمة السورية لا يكون بدون إيران.

كما أن نظرة بسيطة في زيارة الأمين الأعلى لمجلس الأمن القومي الإيراني سعيد جليلي الأخيرة لسوريا من الناحية الشكلية تؤكد ذلك، فالأسد استقبله وليس هناك أي مسؤول سوري أبدا، فهل القضية إيرانية بحتة؟ أم أنه لا ثقة للأسد بأحد من أعوانه؟ أم هي أوامر تبلغ للأسد وليس لأحد أن يعلمها؟ وسواء هذا أو ذاك فالأمر يُظهر التدخل السياسي السافر لإيران في القضية السورية.

سوريا تحت الاحتلال

وهنا يتساءل الإنسان: هل إيران فقط هي من تتدخل في إدارة الأزمة السورية؟

وبلا شك ليست هي الوحيدة بل هي إحدى الأثافي الثلاث في القضية السورية، وأما شريكاها في الاحتلال الثلاثي لسوريا فهما:

1- روسيا: التي لا تملّ من الدفاع عن الأسد وكأنها هي المعنية بذلك حتى أصبح من أراد شيئا من سوريا ذهب إلى روسيا، كما فعل كوفي عنان حيث زار في يوم واحد سوريا وروسيا وإيران، ويبدو أنه نسي أن يذهب للضاحية الجنوبية في بيروت. ولم يقتصر دور روسيا على التدخل السياسي بل كانت حاضرة عسكريا، وما البارجات التي جاءت إلى ميناء طرطوس محملة بالأسلحة والطائرات إلا دليل على ذلك، بل لقد رأيت وثيقة مع أحد جواسيس النظام عندما وقع في قبضة الجيش الحر مكتوبا فيها (يسمح لفلان بمرافقة الخبراء الروس في المنطقة ليكون دليلا لهم)، وقام هؤلاء الخبراء بتثبيت أجهزة على أسطح منازل المدنيين.

ولا شك أن روسيا تدافع عن آخر قلاعها الاشتراكية في الشرق الأوسط، وآخر شركائها وحلفائها، وتدافع عن مصالحها الاقتصادية ونافذة وجودها في الشرق الأوسط.

2- أما الشريك الثالث فهم أعوان إيران من حزب الله وشيعة العراق، فلما قامت الثورة في تونس ومصر سارع سماحة السيد (حسن نصر الله) بمباركتها، ولما تحركت في البحرين والتي لا يخفى بُعدها الشيعي وليس هناك من مبررات لقيامها، طالب السيد البحرينيين بعدم الرضا بالإصلاحات، لكن عندما قامت في سوريا صارت مؤامرة وطلب من الشعب السوري أن يقبل بإصلاحات الأسد، ولم يقف عند هذا الحد بل جاء جنوده تلبية لفتوى مراجعهم للجهاد في سوريا، وما الجندي الذي ألقي القبض عليه يوم الاثنين 13/8 واعترف بإدخال 1500 مقاتل من حزب الله لسوريا إلا دليل على ما أقول.

 وأرسل الجيش الحر لهم العديد من القتلى حتى خرجت امرأة شيعية على إحدى القنوات تقول له: لِم ترسل أولادنا إلى الموت؟ والعجب الذي لا ينقطع والعار الذي لا يغسل لسماحة السيد دفاعه عن قتلة خلية الأزمة (آصف وبختيار وتركماني وراجحة)، ووصْفه لهم بأنهم مَن دعم المقاومة مع أن الشعب السوري يعلم تماما إجرام هؤلاء، وما أظن الشعب اللبناني ينسى تفاهة وبذاءة معاملة جنود الأسد لهم ومخابرات آصف تحديدا.

أما شيعة العراق وجيش المهدي فقد كان لهم نصيب من الحج لسوريا حيث أقلّت العديد من الحافلات جنود المهدي وعبروا لسوريا وقُتل العديد منهم عند الحدود ولولا الحفاظ على حياة مصدري في هذه المعلومات لسمّيته ولحددت المكان الذي قتلوا فيه، ولقد أضاف المصدر بأن الحكومة العراقية تُخلي سبيل الكثير من المعتقلين من أصحاب الفكر التكفيري المسموم وتزوّدهم بجوازات سفر سورية وتدخلهم لسوريا لتثبت وجود جماعات تكفيرية في سوريا، ولتلوث الفكر السوري النظيف، وليكونوا أداة دمار وخلل في البلاد بعد سقوط الأسد، وهذا هدية من الحكومة العراقية يجب أن لا تنسى.

وهنا أتوجه لأبواق النظام ولمن لا يريد تدخلا أجنبيا في سوريا من بعض أطياف المعارضة بحجة السيادة السورية، وأقول:

هل بقي من السيادة السورية شيء؟  وهل النظام السوري اليوم هو صاحب القرار في شأنه؟ ولماذا التدخل الأجنبي لصالح النظام حلال ولصالح الثوار حرام؟ وهل عدِم الغرب راعي الديمقراطية وحقوق الإنسان تلك الوسائل؟ ولِم هذه النظرة الحولاء يا أصحاب القرار في المجتمع الدولي؟ كما أتوجه للدول المسلمة السنية وأقول: هل عدمتم من الحيل والوسائل كتلك التي فعلتها إيران وروسيا لتنقذوا إخوتكم في سوريا؟ ولتوقفوا المد الصفوي المجوسي؟

لا أظنهم عدموا ولكنها فصول المسرحية المتآمرة على الشعب السوري، والمحافظة على عرش الأسد أكبر حامٍ للحدود الإسرائيلية.

لقد ظهر للعيان أن سوريا اليوم مستعمرة لاحتلال روسي إيراني، إذا اعتبرنا حزب الله وإيران شيئا واحدا.

البعد الديني للثورة السورية

إنني أقول ويقول معي الكثيرون إن الثورة السورية ليست ثورة إسلامية ولا طائفية.

ليست إسلامية: أي لم يقم بها المسلمون فقط، وليس المحرك لها أن هذا النظام لا يحكم بالشريعة الإسلامية، وليست غايتها أن تقيم دولة الخلافة، وإن كنت شخصيا أحب ذلك، لكن الثورة بعمومها ليست كذلك.

وليست طائقية: أي لم تقم بها طائفة ضد طائفة، وليس هدفها أن تقصي طائفة عن الحكم لتقوم طائفة أخرى به.

إنها ثورة شعب مظلوم مقهور، حُرم من أبسط حقوق الإنسان طيلة أربعين عاما، ضد سلطة بل عصابة حاكمة ظالمة مستبدة مجرمة، لم يعرف التاريخ أشد جرما منها إلا التتار والمغول.

هذه هي الحقيقة لكننا لا نستطيع أن ننكر وجود دافع ديني في الثورة من بين الدوافع الكثيرة لها، هذا الدافع يتمثل في محاربة المشروع الصفوي المجوسي الذي ظهر في سوريا منذ عام 2000م واضحا للعيان، ويظهر البعد الديني والطائفي في جهة الخصم في النظام، في مؤازرة الشيعة له سياسيا وعسكريا، وفي تلاعبه بوتر الطائفية حيث جعل من الطائفة النصيرية العلوية مطية له لتحقيق أهدافه، وأقنعها أن زواله يعني زوالها، بل حاول أن يخوف الأقليات من ظلم الأكثرية السنية، والكل يعلم أن سوريا لم تعرف الطائفية في تاريخها قبل عام 1963م، ولعل هذا يحتاج لمقال خاص.

ورغم ذلك فإننا نؤكد في صف الثوار أننا لن نقابل النظام بالمثل فلن نُسيِّرها على النحو الذي سيرها، ولن نجعلها دينية طائفية، ولكن لن ننسى الدور الدموي لهذا البعد الذي مارسه النظام.

أليس منكم رجل رشيد

وأتوجه بالسؤال هذا لفئات عديدة:

أولها للطائفة العلوية: أليس منكم رجل رشيد؟ يدرك خبث النظام وفي أي محرقة يريد أن يقذف بكم؟ لقد جعلكم حطبا في الثمانينات وطبخ بكم سلطته، وهو اليوم يعيد الكرة نفسها، أليس من الظلم أن تربط طائفةٌ مصيرها بمصير رجل؟

إنه زائل طال الزمان أم قصُر ونحن وأنتم باقون على تراب الوطن، فيجب أن تكون النظرة لوضع منهجية عيش مشترك بعد الأسد، إنكم بسلوككم هذا تزيدون الفجوة بينكم وبين باقي فئات الشعب، فهل من رشيد يدرك هذا ويعيدكم للصواب.

وثانيها: للشعب الإيراني: أليس منكم رجل رشيد يقود حملة توعية للنظام الإيراني، إنني أعلم أن السياسة المتبعة من قبل إيران لا ترضي أغلبية الشعب الإيراني من الشيعة الإصلاحيين وغير الشيعة، فكيف يسمحون لِطغمة تقود بلادها بسياسة تجعلها في عداوة مع شعوب أخرى.

وثالثها: لكل الأنظمة التي تدعم النظام: أليس منكم رجل رشيد ينظر في مستقبل شعبه ودولته؟ ويعلم أن علاقات الدول مع الشعوب وليست مع الأنظمة.

والله إن الشعب السوري لن ينسى شركاء بشار في القتل، سيبقى الفيتو الروسي والصيني محفورا في ذاكرة الشعب السوري، ستبقى عناصر الحرس الثوري مثالا خالداً حاضرا في كل علاقة بين إيران وسوريا، ستبقى ممارسة اللبنانيين وتسليمهم بعض اللاجئين للسلطات السورية ماثلة في الأذهان، ونحن من فتح لهم البيوت وقدمنا لهم المساعدات في حرب تموز 2006، وسيرسم السوريون سياستهم المقبلة على هذه الأسس.

ولا تبخسوا الناس أشياءهم

ومن منطلق العدل والإنصاف فلا يمكن أن نتجاهل دور بعض المعارضين من الطائفة العلوية، وبعضهم شريك معنا في العمل السياسي، لكنهم لم يصلوا لحد الكفاية، ولا يمكن أن يغيروا من المنظر السياسي الذي تقوم به أكثرية الطائفة فلا بد من بيانات من شيوخها، وزعمائها تندد بالمجازر وتتبرأ من الأسد، ولابد من انشقاقات في صفوف أبنائها، ولابد من إيقاف المد المدني لجيش الأسد، ولو بالحد الذي يصبح ظاهرة واضحة في الطائفة لتتغير النظرة حولها.

كما لا نتجاهل بيان الشيخين محمد حسن الأمين وهاني فحص حول نصرتهما للثورة السورية وإن جاء متأخرا، ونشك في أن يكون لهما تأثير على شيعة لبنان، ولن أقول: على حزب الله لأني أجزم أنه لن يقلدهما في هذا الموقف بل سيكون في ركب إيران سياسة ودينا.

أخيرا

إن الثورة السورية ثورة فاضحة، فضحت دولا وأنظمة وأظهرتها بصورتها الحقيقية، وأولها نظام الممانعة السوري، وهي ثورة الحرية بامتياز، لأن سوريا إلى اليوم ما تزال محتلة وبإذن الله ستتحرر بهذه الثورة، ويبني السوريون بفضل الله ثم بجهدهم دولة الحرية والعدالة.

 

 
 
 
 
الاسم:  
عنوان التعليق: 
نص التعليق: 
خانة التحقق