سطور من الذاكرة\العدد مائة واحدى عشر - رمضان 1433 هـ
صفحات من تاريخ حركة الحشاشين (2)
الجمعة 20 يوليو 2012

 

جرائمهم .. المواجهة الفكرية

نوفل الجبلي – باحث يمني

خاص بالراصد

تمهيد

ظهرت الدعوة الباطنية في بلاد فارس وأذربيجان وقزوين بعد أن أحكم مؤسسها (الحسن بن الصبّاح)([1]) السيطرة على قلاعها المنيعة، أبرزها قلعة ألموت في العام 483هـ([2]). وأخذ بالتوسع عسكرياً عن طريق المليشيات التي كان يرسلها للسيطرة على القرى المجاورة لهذه القلاع، وانتشرت عقيدته فكرياً عن طريق الدعاة الذين عبّأ رؤوسهم بشبهاته ومن ثم انتشروا يبشِّرون بهذه العقائد الفاسدة..

كل هذا كان في عهد ضعف الخلافة العباسية، وسطوع نجم الدولة السلجوقية، التي أدرك سلاطينها ووزراؤها خطر المد الباطني، وتكفّلوا بمحاربة أفكارهم، واستئصال جذورهم..

عملت الدولة السلجوقية – وهي ذات الأيديولوجيا السنية- على مقارعة الحشاشين بالحجة والبرهان، وبالسيف والسِّنان؛ وكان لهم الفضل بعد الله جل وعلا في إضعاف حركة الحشاشين رغم الجرائم النكراء والاغتيالات المنظَّمة التي قادها الحشاشون ضد قادة الدولة السلجوقية ..

وسنستعرض في هذا المقال طرفاً من جرائمهم واغتيالاتهم، وكيف واجه سلاطين السلاجقة مدهم الشيعي فكرياً..

انتشارهم .. جرائمهم

لم يمضِ وقتٌ طويل حتى استولى الحسن بن الصبّاح على المنطقة الواقعة جنوب قزوين برمّتها، بعد أن سيطر على القلاع المتناثرة في أرجائها، والتي تبلغ نحو الستين قلعة، وكانت هذه القلاع تقع في الغالب وسط وديان صالحة للزراعة وبالقرب من موارد ثابتة للمياه ([3]).

وبسيطرة الحشاشين على هذه المناطق السنية استفحل الداء، وكَثُر البلاء، واشتدّت المحنة؛ فقد استباحوا الدماء، وهتكوا الأعراض، ونهبوا الأموال. وقد قرّر ذلك المؤرخون في كتبهم، حيث نقل الذهبي في كتابه (العبر في خبر من غبر): "وفي هذا الوقت كَثُرت الباطنية بالعراق والجبل، وزعيمهم الحسن بن الصبَّاح، فملكوا القلاع، وقطعوا السبل، وأهمّ الناس شأنهم، واستفحل أمرهم.." ([4]).

وقال المقريزي: " لما كانت أيام المستنصر وفد إليه الحسن بن الصباح، فأشاع هذا المذهب في الأقطار ودعا الكافة إليه، واستباح الدماء بمخالفته؛ فاشتد النكير، وكثر الصائح عليهم من كل ناحية حتى أخرجوهم عن الإسلام ونفوهم عن الملة.."([5]).

ورافق توسع الحشاشين جرائم لم يعهدها أهل الإسلام من قبل، أساسها الغدر والخيانة، ومنبعها خُبث النفس وسوء الدِّيانة؛ فقد جعلوا من شبابهم أداةً للاغتيال والقتل، وربّوا في نفوسهم روح الجريمة، ونمّوا فيهم طَبْع الرذيلة ..

لقد كان اغتيال الشخصيات الهامة والقائمة بالأمر والنهي في دولة السلاجقة أبرز مهماتهم:

حيث سقط الكثير من فضلاء الدولة ومسؤوليها شهداء على أيادي الغدر من جنود الحشاشين، وفيما يلي ذكر لأسماء وأوصاف أهم الشخصيات، وذكر لكيفية وقوع هذه الحوادث:

الوزير السلجوقي نظام الملك: ترجم له الذهبي بقوله: "الوزير الكبير، قِوامُ الدين، أبو علي الحسن بن علي بن إسحاق الطوسي، سائس خبير، سعيد متدين، عامر المجلس بالقراء والفقهاء.. رغّب في العلم، وأدرّ على الطلبة الصلات، وأملى الحديث، وبَعُد صيته.. وخفّف المظالم، ورفق بالرعية، وبنى الوقوف..."([6]). وقال عنه ابن كثير: "من أحسن الملوك سيرة، وأجودهم سريرة.."([7]).

ونستطيع القول إن الوزير نظام الملك كان حامل لواء العلم والتعليم، والراعي لمشاريع الإصلاح في الدولة السلجوقية على كافة الأصعدة: الإدارية التنظيمية، والاقتصادية والسياسية، والمنشآت المدنية والدينية والتعليمية ... كما امتدّ أثره الطيب إلى الخلافة العباسية حيث إنه أرجع مكانتها المرموقة، وقوّى من ضعفها، "فقد أعاد الناموس والهيبة على أحسن حالاتها"([8]). كما أنه كان صاحب دور هام وكبير جداً في محاربة الإسماعيلية والحشاشين ..

أما عن كيفية اغتياله: ففي عام 485هـ من يوم الخميس، في العاشر من شهر رمضان عندما حان وقت الإفطار، صلّى نظام الملك المغرب، وجلس على السِّماط، وعنده خلق كثير من الفقهاء والقرّاء وأصحاب الحوائج، فجعل يذكر شَرَف المكان الذي نزلوه من أراضي نهاوند، وأخبار الوقعة التي كانت بين الفرس والمسلمين في زمان أمير المؤمنين عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - ومن استشهد هناك من الأعيان، ويقول: طوبى لمن لحق بهم.

فلما فرغ من إفطاره، خرج من مكانه قاصداً مَضْرِب حَرَمه فبدر إليه حدَثٌ ديلميّ، كأنه مُستميح، أو مستغيث، فعلَق به، وضربه، وحُمِل إلى مضرب الحرم.

ويقال: إنه – أي نظام الملك- أول مقتول قتلته الإسماعيلية، فانبثَّ الخبر في الجيش، وصاحت الأصوات، وجاء السلطان ملكشاه حين بلغه الخبر، مظهراً الحزن والنحيب والبكاء، وجلس عند نظام الملك ساعة، وهو يجودُ بنفسه، حتى مات، فعاش سعيداً، ومات شهيداً فقيداً حميداً. وكان قاتله قد تعثر بأطناب الخيمة، فلحقه مماليك نظام الملك وقتلوه.

وقال بعض خدامه: كان آخر كلام نظام الملك أن قال: لا تقتلوا قاتلي، فإني قد عفوت عنه وتشهد ومات([9]).

وبهذا نفّذوا أول عملية اغتيال لشخصية سلجوقية هامة، ومن ثم توالت عملياتهم وتتابعت مستهدفين شخصيات أخرى، منها:

الأمير بلكابك سرمز: في عام 493هـ، طعنه الباطنية بسكاكينهم غدراً فقتلوه.

الوزير أبو المحاسن عبد الجليل الدهستاني: في عام 495هـ، عدا عليه شاب باطني وجرحه عدة جراحات مات بعدها.

الوزير فخر الملك أبو المظفر علي ابن نظام الملك: وذلك عام 500هـ، تقدم إليه شاب من الباطنية وهو يتظلم وفي يده رقعة، وبينما كان يقرؤها الوزير وثب عليه ذلك الشاب بخنجر كان معه وقتله.

الوزير نظام الملك (أبو نصر): في عام 503هـ ، وثب عليه جماعة من الباطنية وهو يؤدي الصلاة في الجامع وجرحوه عدة جراحات.

الأمير مودود: في عام 507هـ، وثب عليه الباطنية بعد فراغه من أداء صلاة الجمعة في جامع دمشق وقتلوه.

الخليفة المسترشد بالله العباسي: في عام 529هـ، هجم عليه بضعة عشر من الباطنية وطعنوه بالخناجر، ثم مثّلوا به..

الخليفة الراشد العباسي: في عام 532هـ، اغتيل غدراً في أصبهان..

وعدد كثير من الأمراء والوزراء:

الأمير أحمد بن إبراهيم الروادي (510هـ)، الوزير الكمال أبو طالب السميرمي 516هـ، الأمير قسيم الدولة آقسنقر البرسقي (520هـ)، الأمير تاج الملوك بوري بن طغتكين (525هـ).. وغيرهم

والعديد من القضاة والفقهاء والوعاظ، من أبرزهم:

الفقيه أحمد بن الحسين البلخي (494هـ)، والفقيه عبد اللطيف بن الخجندي (523هـ)، والقاضي أبو العلاء مساعد النيسابوري (499هـ)، والقاضي عبيد الله بن علي الخطيبي (502هـ)، والواعظ أبو جعفر بن المشاط (498هـ)، والواعظ أبو المظفر الخجندي (496هـ) .. ومعظمهم قتلوهم في الجامع غدراً ([10]).

محاولة إقناعهم فكرياً ..

استمر الحشاشون يقومون بأعمالهم الإرهابية لمدة طويلة ([11]) حاول قادة السلاجقة خلالها تدارك خطرهم، وكان أول من واجههم السلطان السلجوقي ملكشاه؛ حيث بعَثَ إليهم الإمام أبو يوسف يعقوب بن سليمان أحد علماء أهل السنة لمناظرتهم، في محاولة منه لإقناعهم بالحجة والبرهان.

ذكر ابن كثير أن السلطان ملكشاه أرسل إلى الحسن بن الصبّاح "يتهدده وينهاه عن ذلك، وبعث إليه بفتاوى العُلَماءِ، فَلَما قَرأ الكتابَ بحَضْرَة الرسول قَال لمن حَولَهُ مِنَ الشَّباب: إنِّي أريدُ أن أرسِلَ منكم رسولًا إِلى مولاهُ، فَاشْرَأَبَّتْ وجوه الحاضرين، ثم قال لشابٍ منهم: اقْتُلْ نَفْسَكَ! فَأَخرَجَ سكيناً فضربَ بِهَا غَلْصَمَتَهُ فسقطَ ميتًا، وقال لآخرَ منهمْ: أَلْقِ نفسكَ من هذا الْمَوْضِعِ! فرمى نفسه من رأس القلعة إلى أسفل خَنْدَقِهَا فتقطع. ثم قال لرسول السلطان هذا الجوابُ. فَمِنْهَا امْتَنَعَ السُّلْطَانُ مِنْ مُرَاسَلَتِهِ" ([12]).

 وكيف للحسن بن الصبّاح أن يقتنع بما قال الله عز وجلّ ورسوله – صلى الله عليه وسلم- وقد امتلأ عقله بالشبهات، وتعبّأت نفسه بنزوات السيادة الدنيوية، وتشبّع فكره بشهوات القيادة والزعامة؟!

المواجهة الفكرية..

تمثلت مواجهة السلاجقة للباطنية فكرياً في عدة أمور، أهمها:

تصدي الإمام الغزالي لهم:

وذلك من خلال كتابه الشهير (فضائح الباطنية) والذي ألّفه بإيعاز من الخليفة المستظهر، وقد أظهر عوارهم، وكشف أسرارهم، وبيّن فضائحهم، وهو يمثل رداً علمياً وعقدياً مليئاً بالحجج والبراهين والأدلة على بطلان ما يعتقدون، وفساد ما يبطنون ..

إنشاء المدارس النظامية:

سُميت بالنظامية نسبةً إلى منشئها وهو الوزير الصالح نظام الملك، حيث أنشأ العديد من دور الثقافة والتعليم في مناطق مختلفة ومنتشرة منها: بغداد والموصل ونيسابور وأصفهان ومرو وبلخ وهراة، بل إن بعض الروايات التاريخية تشير إلى أنه أنشأ في كل مدينة عراقية وخراسانية مدرسة، تهدف إلى نشر العلم الصحيح والعقيدة السوية، وإلى مواجهة تيار التشيع المدعوم من الدولة الفاطمية، ولمدافعة الدعاة الذين تخرجوا من المدارس الشيعية في مصر؛ مدرستي الحكمة والأزهر، وجاءوا بالأفكار الشيعية ينشرونها في العراق والشام وفارس ..

كان لا بد من حراك فكري وثقافي يحصِّن الأمة، ويحمي أبناءها، وخصوصاً بعد انتشار الشيعة -إسماعيلية أو إثنى عشرية- بفضل الدولة البويهية التي قامت قبل السلجوقية، وأسّست العديد من المدارس في البصرة والكرخ، وكان دعاة الشيعة يدرسون ويؤلفون وينشرون معتقداتهم في هذه الفترة.. فكانت المدارس النظامية خير بديل لكل هذه المؤسسات المفسدة.

لقد كانت المدارس النظامية على قدر كبير من التنظيم والإعداد، وتخرج منها الكثير من العلماء والدعاة والمصلحين على المذهب السني الشافعي، وأدت رسالتها ردحاً طويلاً من الزمن، ووصل خريجوها إلى أقطار مختلفة، ووصلوا إلى بلدان متنوعة، يقول أبو إسحاق الشيرازي وهو أول مدرس في المدارس النظامية: خرجت إلى خرسان فما بلغت بلدة ولا قرية إلا وكان قاضيها أو مفتيها أو خطيبها تلميذي أو من أصحابي ([13]).

وقفات مما سبق :

ها هو التاريخ يعيد نفسه بدقة عجيبة، فما أشبه اليوم بالبارحة؛ حشّاشو اليوم قتلوا وسفكوا واستباحوا الدماء في العراق وسوريا واليمن، على نفس خُطا سابقيهم يسيرون .. وهؤلاء لا يتغيرون بالتقادم، ولا ينفع معهم النصح والإرشاد، إلا من رحم ربي.

الفكر لا يزول إلا بالفكر، والعقيدة الفاسدة لا تمحوها إلا المعتقدات الصحيحة، والحرب الحقيقية هي حرب العقول والأقلام؛ لأنها لا تزول مع الأيام، فعلى أهل الحق تبيين ما لديهم بشتى الوسائل، فالحق أحق أن يُدعى إليه .. 

إن مسئولي الدولة الصالحين صمام أمانها؛ لأنهم يقيمون المعوج، وينصحون الغافل، ويخافهم الأعداء ويخشاهم المتربص، ويجب على الحكّام أن يقربوا الصالحين منهم، ويشاوروهم في الأمر، ويعملوا بقولهم ..

 


([1]) انظر صفحات من تاريخ الحشاشين (1)، في العدد السابق من مجلة الراصد.

([2]) البداية والنهاية، لابن كثير، ط دار الفكر (12/159).

([3]) دولة السلاجقة، للدكتور علي الصلابي (ص 120).

([4]) العبر في خبر من غبر، الذهبي (2/ 369).

([5]) اتعاظ الحنفاء، للمقريزي (1/319).

([6]) سير أعلام النبلاء، للذهبي (19/94)، نقلاً عن دولة السلاجقة للدكتور الصلابي (ص125).

([7]) البداية والنهاية، لابن كثير (12/157). نقلاً عن دولة السلاجقة للدكتور الصلابي (ص125).

([8]) دولة السلاجقة للدكتور الصلابي (ص125).

([9]) المصدر السابق (ص132، 133).

([10]) نقلاً عن كتاب دولة السلاجقة، للدكتور الصلابي (ص548، 549، 550)، ذكر جدولاً فيه أسماء الشخصيات كاملة ..

([11]) ذكر ابن الأثير أن مدة حكم الحسن بن الصباح استمرت لأكثر من 26 سنة. الكامل، لابن الأثير (4/441).

([12]) البداية والنهاية، لابن كثير، ط دار الفكر (12/159-160).

([13]) طبقات الشافعية، للسبكي (3/89)، نقلاً عن دولة السلاجقة للدكتور الصلابي.

 

 
 
 
 
الاسم:  
عنوان التعليق: 
نص التعليق: 
خانة التحقق