كتاب الشهر\العدد مائة واحدى عشر - رمضان 1433 هـ
القراءة المنسية.. إعادة قراءة نظرية: الأئمة الإثنا عشر علماء أبرار
الجمعة 20 يوليو 2012
أنظر ايضــاً...

 

عرض: أسامة شحادة – كاتب أردني

 

 

 

خاص بالراصد

هذا الكتاب لعله أول كتاب يُترجم للغة العربية للشيخ الدكتور محسن كديور، وهو من علماء الشيعة وفيلسوفٌ إيرانيٌّ معاصر، لكنه صاحب دعوة إصلاحية في داخل الفكر الشيعي، ويعد من طلاب المرجع الشيعي آية الله حسين علي منتظري، وقد درس في عدة جامعات إيرانية منها: جامعة الإمام الصادق (ع)، وجامعة الشهيد بهشتي، وجامعة «تربيت مدرس»، وعمل مشرفاً في مؤسسة أبحاث الحكمة والعِرْفان بطهران، ويعمل «كَدِيْوَر» حالياً أستاذاً جامعيّاً زائراً في قسم الدراسات الدينية في جامعة فرجينيا في الولايات المتحدة الأمريكية.

وقد تعرض للمحاكمة أمام المحكمة الخاصة بعلماء الدين والتي حكمت عليه بالسجن أكثر من مرة في الفترة بين 1999 و 2000م، حيث أمضى ما مجموعه ثمانية عشر شهراً سجيناً للرأي خلف القضبان، بتهمة إدلائه بأحاديث صحفية معادية للنظام، وبتهمة نشره لعدد من المقالات في بعض الصحف الإصلاحية، اعتُبِرَت معادية لأسس نظام ولاية الفقيه.

المهم في طرح ودعوة كديور أنه يقوم بنشرها علنا بين الجمهور الشيعي في الحسينيات والملتقيات والصحف والمجلات، ولذلك تتعرض لكثير من الرد والدفاع من قبل علماء الشيعة المعاصرين، ومن هنا تنبع أهمية طرح كديور والذي لعله يفوق ما طرحه أحمد الكاتب بخصوص عقيدة المهدي عند الشيعة.

 

" القراءة المنسية" هو في الأصل بحث نشر في مجلة "مدرسة" الإيرانية، وقام بترجمته وأربعة مقالات مهمة أخرى لكديور، الدكتور سعد رستم، والكتاب صدر سنة 2011 عن دار الانتشار العربي، ويقع في 215 صفحة من الحجم الوسط، وهذا هو الإصدار الثانى للدكتور سعد رستم بخصوص ترجمة نتاج الإصلاحيين الإيرانيين بعد كتابه الأول "المذاهب الإسلامية طريق الوحدة الإسلامية" للعلامة مصطفى طبطبائي.

 

القضية المركزية في فكر كديور والتي سماها (القراءة المنسية) هي نظرية: الأئمة الإثنا عشر علماء أبرار، والتي تقوم على أن الأئمة الإثنى هم أناس صالحون مثل البشر وهم علماء أبرار فحسب، ولا يوجد تنصيب إلهي لهم، ولا يملكون علما دنيويا غيبيا، كما أنهم ليسوا معصومين.

وأن هذا هو أصل التشيع الذي كان زمن علي، وعليه أصحابه مثل سلمان الفارسي والمقداد وأبي ذر، واستمر هذا حتى القرن الخامس الهجري، فحصل تحول أساسي وجوهري في عقيدة "الإمامة" أخرج الإمامة عن كونها اجتهادا علويا في فهم الإسلام إلى أن أصبحت ذات طابع فوق بشري، وذلك من خلال تسرب عقائد غلاة الشيعة ومفوضة الشيعة (الذين زعموا أن الله عز وجل فوض الأئمة في شؤون الكون والتشريع والذين تمركزوا بالكوفة) إلى التشيع حتى أصبحت عقائدهم - بعد تخفيفها قليلاً - هي التشيع، بعد أن كانت كفراً وشركاً عند الأئمة!!

يقوم كديور بشرح هذه النظرية والدفاع عنها من خلال التساؤل عن خلو آيات القرآن عن الحديث عن الإمامة بهذا التصور؟ وعن صفات الأئمة؟ لماذا تخلوا روايات أوائل الشيعة من كل هذا؟؟

ومن ثم يعرض ثلاثة شواهد لعلماء شيعة كبار تثبت النظرة البشرية العادية للإمامة لدى أوائل الشيعة، الشاهد الأول هو العلامة عبدالله المامقاني والذي يقول في مقدمة كتابه "تنقيح المقال في أحوال الرجال": (وإن أكثر ما يعد اليوم من ضروريات المذهب في أوصاف الأئمة عليهم السلام كان القول به معدوداً في العهد السابق من الغلو).

الشاهد الثاني: العلامة الوحيد البهبهاني في كتابه "الفوائد الرجالية" حيث يقول: (الظاهر أن كثيرا من القدماء سيما القُميين منهم (والغضائري) كانوا يعتقدون للائمة عليهم السلام منزلة خاصة من الرفعة والجلالة ومرتبة معينة من العصمة والكمال بحسب اجتهادهم ورأيهم، وما كانوا يجوزون التعدي عنها وكانوا يعدون التعدي ارتفاعا وغلوا حسب معتقدهم، حتى أنهم جعلوا مثل نفي السهو عنهم غلوا، بل ربما جعلوا مطلق التفويض إليهم، أو التفويض الذي اختلف فيه كما سنذكر، أو المبالغة في معجزاتهم ونقل العجائب من خوارق العادات عنهم أو الإغراق في شانهم واجلالهم وتنزيههم عن كثير من النقائص وإظهار كثير قدرة لهم وذكر علمهم بمكنونات السماء والأرض ارتفاعا أو مورثا للتهمة به، سيما بجهة أن الغلاة كانوا مختفين في الشيعة مخلوطين بهم مدلسين).

والشاهد الثالث: العلامة الشهيد الثاني في كتابه "حقائق الإيمان" وفيه يقول: (.. على ما يظهر من حال رواتهم ومعاصريهم من شيعتهم في أحاديثهم عليهم السلام، فإن كثيراً منهم ما كانوا يعتقدون عصمتهم لخفائها عليهم، بل كانوا يعتقدون أنهم علماء أبرار).

وعليه فإن كديور يرى أن المعتقدات فوق البشرية السائدة بين الشيعة اليوم بخصوص الإمامة والأئمة هي عقائد باطلة مدسوسة على التشيع من قبل الغلاة والمفوضة الذين حاربهم الأئمة، ومن هذه العقائد الباطلة والمدسوسة:

أنهم مثل النبي صلى الله عليه وسلم منصوبون من قبل الله عز وجل، وأن علم الأئمة مثل علم النبي صلى الله عليه وسلم، وأنهم معصومون مثله صلى الله عليه وسلم.

 

والمقال الأول المرفق ببحث "القراءة المنسية" هو "الدلائل المرشدة في إعادة قراءة التشيع"، وهو في الأصل محاضرة ألقيت في طهران سنة 2005م.

وتدور فكرة المقال على بيان حقيقة التشيع وحده، ويطرح كديور أربعة مرشدات لمعرفة التشيع هي:

1- القرآن، فما وافق القرآن من عقائد الشيعة السائدة لا يمكن أن يكون من حقيقة التشيع، ويضرب لذلك مثلا بالتوكل والشفاعة، فالتوكل على الله عز وجل في القرآن هو الأصل والغالب، لكن السائد اليوم عند الشيعة هو التركيز على الشفاعة (= التوسل) بالأئمة بدلا من التوكل على الله عز وجل!!

2- العقل، والذي يعد أحد الأدلة في الفقه الشيعي إلا أن الخرافات ملأت التشيع.

3- السنة، مع وجود خلافات حول ثبوت الروايات.

4- ما ورد عن علي رضي الله عنه مثل نهج البلاغة.

وينطلق كديور لبحث كلمة شيعة في اللغة والقرآن ليجد أنها لفظة حيادية جاءت بمعنى التفرق (ثم لننزعن من كل شيعة أيهم أشد على الرحمن عتيا)، وجاءت بمعنى الأتباع والأنصار (وإن من شيعته لإبراهيم).

ويواصل كديور البحث عمّا يميز الشيعة عن بقية المسلمين، فيرفض أن يكون الفارق هو النزاع على خلافة النبي صلى الله عليه وسلم بين علي وبقية الخلفاء لأن تلك حادثة ذات بعد زمني محدد لا تصلح أن تكون سبب التميز والانفصال لليوم، ويطرح بدلا منها أن الفرق هو اعتقاد الشيعة بأشخاص غير النبي صلى الله عليه وسلم يعلمون الغيب ويتمتعون بالعصمة ومنصوبون من قبل الله عز وجل وغاب آخرهم وسيعود.

وهنا يطرح كديور السؤال المهم والفارق: هل يمكن لإنسان أن يبقي شيعياً دون أن يؤمن بهذه المميزات الشيعية؟

جواب كديور هو أن هذه العقائد طارئة ودخيلة على التشيع، وأن التشيع الحقيقي هو التزام رؤية علي للإسلام بحسب ما يثبت لي، دون أن أُلزم بآراء علماء ورجال الشيعة.   

 

المقال الثاني بعنوان: "إعادة قراءة مفهوم الإمامة في ضوء النهضة الحسينية"، وهي كانت محاضرة بحسينية الإرشاد سنة 2007، وهي الحسينية التي كان يُدرس بها علي شريعتي، صاحب كتاب "التشيع العلوي والتشيع الصفوي".

يرى كديور أن المهم في حادثة مقتل الحسين دراسة أهدافها ومسائلها لا المصائب والبكاء! فالحسين يصرح: "إنما خرجت لطلب الإصلاح في أمة جدي، أريد أن آمر بالمعروف وأنهى عن المنكر وأسير بسيرة جدي وأبي"، ولذلك يجب في عاشوراء أن نواصل رسالة الحسين وهي الإصلاح والعدل.

لكن التغييرات التي دخلت على التشيع جعلت موسم عاشوراء للبكاء واللطم للتغطية على التزوير والتحريف لحقيقة الإمامة، فالفرق بين: كيف كان يرى الحسين نفسه إماما؟ وكيف نرى الحسين اليوم إماما؟ فرق هائل بين رؤية الحسين لنفسه بشراً، وبين رؤيتنا اليوم له بصفات فوق بشرية.

وأبرز ما نقده كديور هنا من صفات فوق بشرية على ما سبق في مقالاته الأولى، قضية تفويض الأئمة التصرف في الكون والتشريع، وأن هذا هو نتيجة للمزاعم السابقة بأن الأئمة يعلمون الغيب ومعصومون ومنصوبون من الله عز وجل، وبيّن كديور أن عقائد التصوف المنحرفة كنظرية "الإنسان الكامل" ساهمت في إيجاد هذه الانحرافات.

 

المقال الثالث كان بعنوان "تأملات في مصادر العقيدة الدينية" وهو أيضاً محاضرة في حسينية الإرشاد بطهران سنة 2007م.

جوهر المقال في فحص المستند الأساسي لعقيدة الإمامة عند الشيعة وهي الروايات المنسوبة لأئمة آل البيت، ومدى قيمتها العلمية ودرجة الثقة بها من الناحية الفنية (علم الدراية)، والأسئلة التي سيجيب عنها المقال: في أي المجالات الدينية يمكن الاعتماد على الروايات؟ ما مدى صحة هذه الروايات؟ هل يصح قبول أخبار الآحاد في العقائد؟ هل مَن لم يؤمن بعقيدة مصدرها هذه الروايات يُتهم بأنه لم يفهم الدين أو المذهب؟

يقرر كديور أن الاعتماد على الروايات أصبح هو الأصل للتفكير الشيعي في الأصول والفروع، بدلا من القرآن الكريم، كما أن الاجتهاد الكلامي (العقائدي) عند الشيعة قد توقف من القرن السابع الهجري.

النظرية التي يطرحها كديور تجاه الروايات التي تقوم عليها العقائد الشيعية أنها: تعرضت لعمليات دس وتزوير منظمة من قبل جماعات الغلاة والمفوضة، سواء عبر الكذب في السند والمتن أو في المتن ونسبته لسند صحيح، وأن كثيرا منها روايات آحاد، ولذلك لا يصح الاحتجاج بها واعتبارها من الدين.

وفي بيان تفاصيل نظريته يتعرض كديور لبيان حقيقة الروايات الشيعية من خلال كتاب الكافي كنموذج، فالكليني دوّن في كتابه الكافي (الأصول والفروع والروضة) 16199 حديثاً، من أصل 300 ألف حديث، أي ما نسبته 5 % فقط !! ومن ثم تعرض كتاب الكافي للفحص والنقد من علماء لاحقين، فالشهيد الثاني يرى أن 59 % من روايات الكافي لا يمكن اعتمادها!!

والعلامة المجلسي حين تعرض لأحاديث كتاب الحجة في الكافي لم يقبل من 1015 حديثا إلا 286 حديثا بنسبة 28 %.

أما مِن المعاصرين فمحمد باقر البهبودي مؤلف صحيح الكافي، لم يقبل من روايات أصول الكافي البالغة 2833 إلا 593 حديثا بنسبة 21%، ومن أحاديث كتاب الحجة بالكافي 1015 حديثا إلا 101 بنسبة 10%، ولذلك كيف يمكن الاعتماد في العقائد على مثل هذه الروايات غير الموثقة؟؟؟

ثم يتناول كديور ضرورة تطهير الروايات من دس الغلاة والمفوضة والتي هي على نوعين: وجود أحد الرواة الغلاة في سندها، أو التي ركبت على سند سليم، ولذلك لا يجدي في كشفها قواعد علم الرجال. ويختم مقاله بالقول إن هذه الروايات أخبار آحاد لا يؤخذ بها في العقيدة([1]).

 

المقال الرابع والأخير كان بعنوان "دراسة نقدية للزيارة الجامعة الكبيرة"، وهو بالأصل محاضرة ألقيت سنة 1427هـ في منزل المهندس توسلي بطهران.

والزيارة الجامعة هي دعاء يقال عند زيارة قبور أئمة آل البيت وتنسب للإمام الهادي، وتعتبر أهم الأدعية التي تختص بزيارة قبور الأئمة، ولذلك شرحهها عدد من علماء الشيعة قديما وحديثا، وتخصيصها بالنقد هو لبيان الدس في روايات الشيعة على أئمة آل البيت وأن هذه الروايات تسعى لفرض رؤية فوق بشرية للأئمة.

درس كديور سند الزيارة وخلص إلى أنها لا تثبت لوجود راوٍ مجهول وراوٍ مختلف فيه ورواة لم ينص صراحة على توثيقهم في سندها، والذي يوصف بأنه أصح أسانيد الزيارات!!

أما متن الزيارة فيكشف عن أنها مكذوبة على الأئمة ففيها نسبة العصمة لهم، وكذلك فكرة الاصطفاء والتفويض والرجعة فكلها عقائد لاحقة بعد زمن الهادي!! كما أنها تخالف القرآن الكريم. ولما كان أحد رواتها من الغلاة المعروفين، وهو الذي اختلف علماء الرجال في توثيقه وتضعيفه، يتبين لنا أن هذه الزيارة من الروايات التي دسها الغلاة بين الشيعة وأصبحت هي التشيع السائد اليوم والذي يضفي على الأئمة صفات فوق بشرية، بخلاف أصل التشيع الذي عرفه علي رضي الله عنه.

 

في النهاية فإن ما طرحه كديور جدير بالدراسة والبحث والنشر بين الشيعة، مع حاجتنا إلى أن ندرس بقية أفكار كديور حتى نفهم موقعه في الفكر الشيعي ومدى قربه وبعده عن أهل السنة، فليس بالضرورة أن يكون قريباً منا، بسبب نقده للغلو في عقيدة الإمامة، فلا بد من معرفة فكره كله وبعد ذلك يُحكم عليه أو له.  

 


[1] - وهذا غير صحيح كما بيّن ذلك الإمام الشافعي في كتابه (الرسالة)، فالخبر إن ثبت سنداً ومتناً وجب الأخذ به، لكن روايات الشيعة لا يثبت أكثرها لا سنداً ولا متناً.

 

 

 
 
 
 
الاسم:  
عنوان التعليق: 
نص التعليق: 
خانة التحقق