هل ينجح السُنة في المواجهة مع المالكي؟
الأربعاء 20 يونيو 2012
أنظر ايضــاً...

عبد الحميد الكاتب - كاتب عراقي

خاص بالراصد

يبدو أن رئيس الوزراء العراقي نوري المالكي نجح في إجبار خصومه السنة على انتهاج أسلوب مختلف في التعامل مع سياسة الإقصاء والقمع الطائفي، فالتصعيد الذي ما زال مستمراً من قبل الجانب الحكومي لم يُقابل بصمت وانهزامية من قبل الجانب السني، ولم تصدق ظنون من اعتقد أن السنة تحولوا إلى حملان وديعة وخراف مسالمة في دولة "حزب الدعوة".

وفي نفس الوقت فإن المقاومة السنية (الشعبية والسياسية) لم ترقَ لمستوى الإرهاب الحكومي، وبالتالي فإن الإفراط في التفاؤل لن يبدد الخطر الذي ما زال قائماً وهو "تطويع وتركيع السنة".

وقد تعددت وسائل حكومة المالكي في استهداف المكون السني العراقي، ويمكن أن نذكر منها:

* الإرهاب القضائي:

حيث تتخذ الحكومة من مذكرات الاعتقال وفق المادة الرابعة من قانون مكافحة الإرهاب لعام 2005 أو ما يعرف بـ (4 إرهاب) سلاحاً قويا في ضرب وملاحقة رموز وشخصيات السنة المعارضين والمتمردين على دكتاتورية المالكي، فأعلى منصب سني في العراق وهو نائب رئيس الجمهورية طارق الهاشمي تعرض لإرهاب "قانون مكافحة الارهاب" حتى اضطر للجوء لتركيا، وبعد أن كانت هذه المذكرات القضائية تصدر بحق رجال المقاومة وأئمة المساجد والناشطين في المجتمع السني أصبحت تطال كبار المسؤولين السنة مثل: نائب رئيس الجمهورية طارق الهاشمي، ونائب رئيس مجلس محافظة بغداد رياض العضاض، وعضو مجلس المحافظة ليث الدليمي.

والارهاب القضائي شكل رسمي ومُقنن لعمليات الاجتثاث والإبادة التي تعرض لها أبناء السنة خلال الأعوام السابقة (2005-2007) وإذا كانت المليشيات الشعبية وعلى رأسها جيش المهدي هي المسؤولة عن إدارة الملف في تلك الفترة، فإن النشاط المليشياوي وضع نفسه في إطار قانوني ورسمي لكنه في ذات الوقت لم يفقد طابعه الهمجي في أساليبه وأدواته كـ (قانون المخبر السري، المادة 4-إرهاب، كثرة عمليات الاعدام، انتزاع الاعترافات بقوة التعذيب، المعتقلات السرية، تعدد الأجهزة الامنية).

* الاستيلاء على الأوقاف السنية:

في خطوة إضافية لتعزيز هيمنة الشيعة على المناطق السنية وزيادة حجم وجودهم فيها، قام الوقف الشيعي باستخدام القوة العسكرية لنقل ملكية الكثير من العقارات والأماكن الدينية التابعة للوقف السني إلى أملاك الوقف الشيعي!!

حيث بدأ الأمر في محافظة التأميم (كركوك)، حين أقدمت قوة عسكرية برئاسة نائب مدير الوقف الشيعي سامي المسعودي على اقتحام دائرة التسجيل العقاري وتحويل ملكية أكثر من 5000 دونم في مختلف أقضية ونواحي المحافظة من الوقف السني إلى الوقف الشيعي.

وقد أصدر ديوان الوقف السني بيانا له بتاريخ 30/4/2012 جاء فيه: (أن التجاوزات الصادرة من دوائر الوقف الشيعي لم تقتصر على كركوك فقط، بل هناك حوادث مماثلة قد حصلت في ديالى وبغداد أيضاً).

وفي 29/5/2012 تم اقتحام دائرة التسجيل العقاري في سامراء وتحويل ملكية (العتبة العسكرية) إلى ملكية الوقف الشيعي، وهناك تحركات تستهدف "المسجد الكبير في سامراء" كما أعلن أحد المسؤولين في محافظة صلاح الدين إغلاق دائرة التسجيل العقاري في سامراء، مؤكداً أن وزارة العدل بدأت تعمل بشكل سري لاستملاك ما مجموعه 5 دونمات من الأراضي حول محيط مرقدي الإمامين علي الهادي والعسكري([1]).

وفي بغداد وضع الوقف الشيعي يده مؤخراً على مسجدي الآصفية والخفاخين، وهما من مساجد بغداد القديمة والتاريخية.

* استهداف المساجد:

 عاد ملف استهداف المساجد السنية إلى الواجهة بعد عدة هجمات طالت المساجد في محافظات ديالى والبصرة والديوانية أسفرت عن أضرار مادية وبشرية، لا سيما في جامع الحسن بن علي في منطقة الحديد غرب مدينة بعقوبة حيث قتل 5 مصلين بعد انفجار عبوة ناسفة فجر يوم       9/5/2012 وتتزامن هذه الهجمات مع حملة ديوان الوقف الشيعي للسيطرة على العقارات والأراضي الوقفية لأهل السنة، وتهدف مثل هذه الهجمات إلى تذكير السنة بأيام القتل الدموية لا سيما بعد تفجير سامراء الأول (2/2006) ولمنعهم من المطالبة بالعشرات من المساجد المغتصبة والتي تحولت إلى حسينيات أو إلى أماكن مهجورة وربما ثكنات للجيش في بعض المناطق في بغداد ومحافظات الجنوب والفرات الأوسط.

 * ترغيب وترهيب السياسيين:

 في ظل غياب الجبهة السياسية المدافعة عن الحقوق السنية، لم يكن من الصعب على المالكي أن يفتت القائمة الأقرب للسنة (ائتلاف العراقية) بواسطة الإغراء أو الضغط والإكراه، فقد تمكن المالكي من تحييد وإقصاء جميع قادة هذه القائمة، فطارق الهاشمي ملاحق من قبل القضاء بتهمة إدارة فرق موت! ورافع العيساوي وزير المالية مُهدد بفتح ملفات فساد أو "إرهاب"، أما صالح المطلك نائب المالكي فمتذبذب في مواقفه تارة يؤيد المالكي وتارة يلعن دكتاتوريته! أما أسامة النجيفي رئيس البرلمان العراقي فموقفه مرتهن للموقف التركي لذلك نجده يميل إلى الحياد وعدم التصعيد.

أما نواب القائمة ممن لم يتمكن المالكي من إغرائهم واستمالتهم فمهددون أيضاً بمذكرات اعتقال وفق المادة (4 إرهاب) وفي معركة "سحب الثقة" الأخيرة تمكن المالكي من سحب البساط من تحت أقدام خصومه، وبدا المالكي متحكماً ومسيطراً على القائمة العراقية أكثر من سيطرة قادتها عليها.

* تنظيم القاعدة:

ما زال تنظيم القاعدة يعد أحد وسائل حكومة المالكي لضرب السنة بشكل أو بآخر، ويتمثل دور القاعدة بالآتي:

- القيام بعمليات قوية في المناطق السنية يذهب ضحيتها  الكثير من المدنيين والآمنين لتشتيت الانتباه وخلط الأوراق عند السنة، أو اغتيال الناشطين والمعارضين لحكومة المالكي.

- يعقب هذه العمليات حملات أمنية تلاحق الناشطين السنة المعارضين للمالكي، بتهمة الانتماء للقاعدة حيث تُنتزع الاعترافات من المعتقلين بالقوة ثم يتم ترحيلهم إلى بغداد.

- يستخدم المالكي التنظيم في ضرب منشآت وشخصيات شيعية، للربط بين السياسيين السنة وتنظيم القاعدة، فالتفجير الذي استهداف مقر الوقف الشيعي في بغداد يوم 4/6/2012 بدا وكأنه انتقام رسمي من حملات الوقف الشيعي على الأوقاف السنية!

وبسبب هذه العلاقة المريبة بين حكومة المالكي والقاعدة أصبح السنة يرفضون محاكمة أعضاء القاعدة في بغداد، حيث رفض نواب محافظة الأنبار أن يحاكم المتورطون بعملية حديثة (5/3/2012) في بغداد وطالبوا بنقل محاكمتهم إلى محافظة صلاح الدين أو الأنبار، لأن الأجهزة الأمنية التابعة للمالكي سرعان ما تفرج عن المتورطين في عمليات القاعدة لتقوم باستغلالهم بشكل أو بآخر.  

فرص السُنة في مواجهة المالكي 

الصراع بين السنة والمالكي أصبح صراعاً مكشوفاً وواضحاً، رغم إحكام المالكي قبضته على زمام الساسة والأمن، ولا يزال أمام السنة فرص وحظوظ في المواجهة والمقاومة، والمقصود الأهم هنا هو المواجهة الطوعية الاختيارية مع المالكي وسياساته الطائفية الإقصائية، وليست تلك المواجهة التي تفرض فرضاً على السنة ويتحكم الطرف المقابل بإدارتها وتكون محض ردود أفعال عشوائية غير مدروسة أو منظمة.

وتتضح هذه الفرص من خلال :

1- القيام بحملات توعية للشارع السني، وفضح عملاء المالكي في المناطق السنية، فلا بد أن تعم حالة من الرفض الشعبي لأجندة المالكي والقوى السنية المؤيدة له سواء (الأحزاب السياسية أو القيادات الأمنية).

2- استغلال النقمة الكردية على حكومة المالكي في بغداد المركز، وهو خلاف يكبر ويتعمق بين المالكي ومسعود برزاني، وكشف القوى السنية المتواطئة مع المالكي ضد الأكراد سواء في الموصل أو كركوك.

3- ما تزال حكومة المالكي عاجزة عسكرياً عن السيطرة على المناطق السنية في حال وقوع تمرد مسلح أو انتفاضة شعبية، فلا ينبغي الغفلة عن هذا الجانب والتيقظ لخطورة زرع الحكومة لقطاعات عسكرية ثقيلة التسليح في مناطق السنة تدين بالولاء الطائفي للمالكي.

4- التنبيه المستمر والفضح المتواصل لسياسات المالكي الطائفية والدكتاتورية، وإعداد تقارير مفصلة بذلك لتُعرض على الرأي العام العربي والدولي.

5- الاهتمام بقضية المعتقلين السنة وإثارتها إعلاميا وسياسياً.

4- لا بد من خلق أمل كبير وتعويل واسع في الأوساط السنية على قرب سقوط النظام السوري الحليف للمالكي كونه سيشكل ضربة كبيرة للحكومة الشيعية في بغداد، فالقضية السنية لا ينبغي أن تبقى في الإطار القُطري الضيق، بل يجب أن تأخذ بعداً إقليمياً.

قبل تكرار التجربة السورية

لن يكون للفشل في المواجهة والعجز عن مواصلة المقاومة للمخططات الطائفية والسياسات الدكتاتورية إلا نتيجة واحدة هي تمكين المالكي أو من يخلفه من استنساخ "تجربة حافظ الأسد" بالحكم القمعي الطائفي وتركيع السنة وإجبارهم على التعايش مع دولة أمنية، يُسلط فيها السني على السني، وتكثر فيها منابر الوسطية والاعتدال المأجورة لصالح المالكي والتي تحذر من الخطاب الطائفي والفتنة المذهبية، في الوقت الذي يستولي فيه الشيعة على الحكم بشكل مطلق.

إن النظام الطائفي الحاكم في العراق لا يزال يحاول تثبيت نفسه، ولذلك ففرصة التخلص منه أو الحد من دكتاتوريته أكبر وأقل خسارة من التخلص من نظام ثبت نفسه ووطد حكمه وأقام التحالفات الإقليمية والدولية لترسيخ قدمه في السلطة.

فهل يدرك سنة العراق هذا قبل فوات الآوان، أم أنهم لم يتعظوا من سنة سوريا الذين احتاجوا لأكثر من 40 سنة حتى يبدؤوا في التخلص من الديكتاتور الطائفي عبر شلالات من الدم؟؟

 

 


[1]  - وكالة السومرية نيوز (الثلاثاء 22/5/2012).

 

 
 
 
 
الاسم:  
عنوان التعليق: 
نص التعليق: 
خانة التحقق