الغزو الشيعي يتسرب عبر ثورات العرب.. تونس نموذجا
الأربعاء 20 يونيو 2012
أنظر ايضــاً...

معتز بالله محمد - كاتب مصري

خاص بالراصد

من السر إلى العلن ومن التقية والاختفاء إلى الظهور والكشف عن معتقداتهم، هذا هو واقع الشيعة في تونس الذين طفوا على السطح وتحركوا خطوات للأمام بعد الثورة التونسية والإطاحة بنظام بن علي.

وقد ظهرت أكثر من جمعية خاصة بالتشيع تبدو في ظاهرها جمعيات ثقافية وفي باطنها شيعية عقائدية، وانتشرت المكتبات التي تروج للكتب الشيعية في أنحاء مختلفة من العاصمة تونس، وفي جنوب البلاد، وخاصة كتب محمد التيجاني السماوي أكبر الشخصيات الشيعية في تونس، والتي يتم طبعها في إيران ولبنان وتنشر في الوطن العربي، ليس هذا فحسب بل بات شيعة تونس يحتفلون بأعيادهم في وضح النهار.

فما أن سقط نظام بن علي وهبت رياح التغيير على تونس حتى بدا جليا أن خطرا جديدا يلوح في الأفق ويهدد البلد السني المالكي متمثلا في ظهور أعداد كبيرة من الشيعة الإثنى عشرية الذين استغلوا تلك الأجواء وبدأوا ليس فقط في الكشف عن أنفسهم بل والانتشار ومحاولة شرعنة وجودهم عبر تأسيس جمعيات "ثقافية" بشكل قانوني مثل جمعية المودة الثقافية التي تقدمت بطلب رسمي لوزارة الداخلية للحصول على ترخيص قانوني، إضافة لما يسمى بـ "الرابطة التونسية للتسامح" والتي يرأسها صلاح المصري حيث تسعى- بحسب ما جاء في صحيفة الضمير التونسية (12-1-2012م)  إلى تنفيذ مشروع امتداد شيعي إيراني في تونس بتمويل إيراني، وذلك باعتماد الدفاع عن القضية الفلسطينية وتجريم التطبيع مع العدو الصهيوني كتقيّة أو مطيّة لكسب الشرعية في تونس في مرحلة أولى ثم بعد ذلك الانطلاق في تنفيذ مشروع امتداد شيعي في تونس ومن ثم البدء بالمطالبة بالاعتراف بوجود الشيعة في تونس وحقوقهم المزعومة.

طهران وبن علي

لكن الحقيقة أن بداية المد الشيعي في تونس – بحسب مؤرخين- جاءت بعد نجاح ما تسمى بالثورة الإسلامية في إيران، وهي المرحلة التي يسميها عماد الدين الحمروني رئيس جمعية أهل البيت الثقافية وهي جمعية شيعية بمرحلة "التشيع الحديث"، ويقول: "لقد ظهر التشيع الحديث مع ظهور داعي الله الإمام السيد الخميني وأول ظهور كان في بداية الثمانينات تحت اسم "المسلمين السائرين على خط الإمام".

 بيد أن تطوراً مهماً حدث بعد تولي الرئيس الهارب زين العابدين بن علي مقاليد الحكم في نوفمبر 1987، حيث ارتبط بعلاقات وثيقة مع نظام الملالي في إيران، يقول أستاذ التاريخ بالجامعة التونسية محمد ضيف الله مؤكدا ذلك: "نظام بن علي ارتبط بعلاقات اقتصادية وثقافية متينة مع النظام الإيراني، حتى بلغ التبادل التجاري 120 مليون دولار وتكثفت زيارات رجال الثقافة والدين الإيرانيين إلى تونس، وللمحافظة على متانة تلك العلاقات تغاضى النظام القائم عن الغزو الشيعي".

ويواصل ضيف الله في حديث لموقع ميدل إيست أونلاين منشور بتاريخ 26 -4- 2012م: "كان من نتائج العلاقة المتينة بين نظام بن علي وطهران أن تأسست أول جمعية شيعية تونسية في أكتوبر 2003 وهي "جمعية أهل البيت الثقافية" التي تتبع المذهب الإثني عشري السائد في إيران، وقد طرحت على نفسها المساهمة في إحياء مدرسة آل البيت ونشر ثقافتهم".

ويؤكد أستاذ التاريخ بالجامعة التونسية أن "التشيع وَجد في تونس في عهد بن علي مجالا للنشاط دون أي مضايقة أو اعتراض، خاصة أن الإسلاميين السنيين وهم الطرف المؤهل أكثر من غيرهم لمناقشة الشيعة والسجال معهم، كانوا ملاحقين وممنوعين من الكلام".

"إيران قبلتنا"!

ولا يفوت شيعة تونس فرصة في إعلان ولائهم وبيعتهم لنظام الملالي في طهران والمرشد الأعلى للثورة الإيرانية، عبر جمعية "أهل البيت" التي يرأسها عماد الدّين الحمروني وتصدر بيانات تعبر عن مواقفهم، فيما يرفعون حسن نصر الله زعيم حزب الله اللبناني مقاما رفيعا لديهم، وقد جاء في أحد بيانات هذه الجمعية مؤخرا بحسب ما أفاده تقرير وكالة أهل البيت للأنباء (أبنا) ما نصه: "نتقدّم بأحر التّهاني وأرفع التّبريكات إلى ولي العصر الإمام الحجّة بن الحسن العسكري عجّل الله لنا فرجه وظهوره وإلى جدّه محمّد رسول الله وآله المعصومين صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين، وإلى وليّ أمر المسلمين الإمام القائد السيّد عليّ الخامنئي دام ظلّه الشّريف وإلى علمائنا الربّانيين السّائرين على خط الإسلام المحمّدي الأصيل وإلى سيّد الأحرار وقائد المقاومة الإسلامية في لبنان حجّة الإسلام والمسلمين السيّد حسن نصر الله دامت بركاته وإلى أبناء أمّة حزب الله المجاهدين، وإلى شيعة أمير المؤمنين عليه السّلام وعامّة المسلمين والمستضعفين، بمناسبة ولادة بقيّة الله في أرضه أرواحنا لمقدمه فدى محمد بن الحسن العسكري صلوات الله عليه وعلى آبائه الطيّبين الطّاهرين" .

الكتاب كأداة غزو

ولم تكن الجمعيات الشيعية وحدها التي روجت للمذهب الشيعي في تونس بل لعبت المكتبات دورا بارزا في هذا المضمار، فانتشر بعضها في العاصمة تونس، مروجة للأدبيات والمراجع الشيعية بأسعار رمزية، وقد تظاهر التونسيون يوم 20-1-2012م قبالة مكتبة يُعتقد بأنها تروّج بمعروضاتها من الكتب، للفكر الشيعي، وقد عبر الحاضرون عن احتجاجهم الشديد على ما تقوم به هذه المكتبة من نشر للكتب والمجلات الشيعية في صفوف التونسيين عن طريق بيعها بأسعار بخسة يُراد منها تسهيل انتشارها بين المواطنين، هذه المكتبة اسمها "الشاملة" وتقع في شارع فلسطين بحيّ لافايات على بعد بضعة أمتار من جامع الفتح، ومن بين الكتب التي تعرضها المكتبة: "تاريخ الإمام الثاني عشر" و"اعرف إمام زمانك المهدي المنتظر ومعالم آخر الزمان" و"قصة كربلاء وبضمنه قصة الانتقام والثأر" و"أصول التشيع" إضافة إلى الكثير من العناوين الأخرى، ومجلة "فقه أهل البيت" ومجلة "المنهاج" و"الحياة الطيبة"، وسط استغلال لمناخ الحرية السائد بعد الثورة وإلغاء التراخيص والقيود على كلّ ما يعيق استقدام الكتب أو المجلات إلى تونس. ولم تقتصر عملية نشر هذه الكتب على المكتبات، بل تخطتها لتصل إلى قارعات الطرق وواجهات المساجد.

وينشط المد الشيعي بشكل خاص في مدينة قابس جنوب العاصمة حيث يتوافد الشيعة علي الحسينية الوحيدة الموجودة في تونس، وقد شهدت المدينة التي تضم التجمع الشيعي الأكبر بعد الثورة احتفالات علنية بأعياد ومناسبات شيعية لأول مرة، ففي نهاية العام الماضي 2011م شهدت القاعات العامة بقابس احتفالات كبيرة بعيد الغدير، كما أحيا الشيعة في عاشوراء ذكرى استشهاد الحسين باللطميات (ضرب الصدور).

وتجد في بعض الصحف التونسية أحياناً مقالات تروج وتمجد للتشيع ورموزه، مثل جريدة الصباح (عدد 1/6/2012) التي نشرت مقالاً احتل نصف صفحة في ذكرى وفاته 28 !!

وتتضارب الأنباء حول العدد الحقيقي لشيعة تونس، ففي حين يقدر البعض أعدادهم بالمئات، يتوزعون على العاصمة تونس وقابس والمهدية وسوسة والقفصة، فإن الشيعة يتحدثون عن أرقام خيالية، فقد قال أبرز رموزهم الدكتور محمد التيجاني السماوي في تصريحات لـوكالة "إباء" الشيعية للأنباء إن "عدد الملتحقين بالمذهب الشيعي في تونس يُعدّون بالآلاف".

وقد كذّبت تقارير صحفية تونسية السماوي في عرضه لهذا الرقم، لكنها أكدت أن أجواء ما بعد الثورة وحرية عمل الشيعة الذين طالبوا رسميا باقامة الحسينيات قد يضاعف خلال وقت قصير العدد الحالي.

هذا التوجه عبّر عنه السماوي نفسه بقوله متحدثا عن شيعة تونس إنّ "السلطة تترك لهم حرية العقيدة، كما إنهم لا يتدخلون في الشأن السياسي، ولايوجد في تونس أي تعصب سياسي أو ديني، لأن الدولة أعطت الحرية لكل إنسان بأن يكون شيعيا أو سنيا أو حتى شيوعيّا".

وبوجه عام يقول شيعة تونس إنهم اعتمدوا على التقية في فترات سابقة خشية تعرضهم للملاحقة والاضطهاد غير أنهم اليوم بعد الثورة أصبحوا يشعرون بحرية أكثر وحق في التعبير عن أنفسهم وأدبياتهم وما يعتقدون أنه صحيح.

يُذكر أن عشرات التقارير الصحفية قد صنفت تونس ضمن البلدان التي تشهد "حركة تشييع" سريعة وواضحة المعالم. إلا أن تلك التقارير والتحذيرات دائما يتجاهلها الإعلام الرسمي والخطاب الحكومي اللذان يؤكدان باستمرار أنّ الدولة لا تتدخّل في معتقدات وأديان المواطنين التونسيين المعروفين بتسامحهم واعتدالهم.

ناقوس الخطر

وأمام هذه الحقائق الخطيرة بما تحمله من تهديدات، ارتفعت خلال الفترة الأخيرة أصوات التونسيين ضد المد الشيعي الإيراني في بلدهم، وهو ما تمخض عنه تأسيس جمعية تحمل اسم "الرابطة التونسية لمناهضة المد الشيعي في تونس" وتهدف الجمعية التي أسسها المحامي التونسي أحمد بن حسانة٬ مع مجموعة من المواطنين، إلى الحفاظ على الهوية العربية الإسلامية السنية المالكية للبلاد.

وقد نقلت صحيفة "الصباح" التونسية عن مؤسس الرابطة قوله إنها جمعية ثقافية "تناضل من أجل الدفاع عن هوية تونس وتسهم في التصدي لكل تدخل أجنبي في عقيدة الشعب التونسي بشكل حضاري ينبذ العنف والتطرف ويقوم على احترام سيادة القانون".

وكشف المحامي حسانة الذي كان قد تقدم بطلب إلى وزير الداخلية برفض الترخيص لجمعية "المودة الشيعية" عن أن إيران تقوم برصد أموال ضخمة وتجنيد عملاء لنشر التشيع الجعفري في البلدان العربية السنية ومنها تونس معربا عن اعتقاده بأن هذا المخطط يهدف إلى تكوين خلايا نائمة ذات ولاء لإيران ولمراجع شيعية٬ تشتغل حسب أجندات عنصرية تنشرها في الدول السنية بغية تحريكها متى أرادت للضغط على الأنظمة.

تونس والتشيع

ويجمع المؤرخون على أن المذهب الشيعي عرفته تونس مع تأسيس الدولة الفاطمية سنة 899م ثم جاء تأسيس المهدية (تقع مدينة المهدية على بعد 250 كلم جنوب شرق العاصمة تونس) سنة 910م على يد عبيد الله المهدي حين انطلقت أساطيله وجيوشه لبسط نفوذها على كل بلاد المغرب وجزر المتوسط وغدت المهدية العاصمة السياسية والاقتصادية والثقافية لبلاد المغرب قاطبة، على حد قول أستاذ الحضارة في الجامعة التونسية ناجي جلول. غير أن المؤرخين يؤكدون على أن ظاهرة "التشيع" في المجتمع التونسي تنامت مع بداية الثورة الإيرانية وتأثير حزب الله اللبناني عبر قناة "المنار" الفضائية.

ويسخر الإعلامي التونسي الناصر الخشيني الحاصل على الإجازة في الدراسات الإسلامية من كلية الشريعة وأصول الدين في تونس من القائلين بأن الانتشار الحالي للتشيع في تونس إنما هو عودة إلى الجذور وأن التشيع هو جزء من إرث تونس، فيقول في حديث لصحيفة "الأسبوعي" التونسية: "تونس استقرت منذ القرون الأولى على موقف أهل السنة والجماعة وبالتحديد مذهب أهل المدينة الإمام مالك بن أنس ولم يقطع هذا التوجه سوى إبان فترة الحكم الفاطمي حيث كانت السلطات الرسمية تتبنى موقف الشيعة الإسماعيلية في حين أن الجماهير تتبنى سرا مذهب الإمام مالك وقد خرج الصنهاجيون الذين تركهم الفاطميون حكاما على البلاد بدلهم لما انتقلوا الى مصر عن طاعة الفاطميين وعادوا بالبلاد إلى المذهب السني المالكي واستقرت تونس على ذلك فلا مجال للحديث عن أن التشيع هو عودة للجذور بل إنه وافد جديد أتت به إيران ثورة الخميني".

ويتوقع الخشيني مخاطر جسيمة من إدخال التشيع إلى تونس باعتبار أن ذلك سيدخل تركيبا جديدا على نسيجها المتجانس مذهبيا ودينيا ويخلط الأوراق ويجعل إيران تدس أنفها في "شؤوننا" بحجة حماية الأقلية الشيعية في تونس أو شمال إفريقيا معتبرا أن انتشار ما يسمى بالمد الشيعي في تونس سوف يدخل المنطقة في دوامة من العنف والاحتقان الطائفي الذي يؤدي حتما إلى انعدام الأمن وزعزعة الاستقرار.

 

 
 
 
 
الاسم:  
عنوان التعليق: 
نص التعليق: 
خانة التحقق