حزب التحرير.. المنقضون على ثورات العرب
الأحد 27 مايو 2012
أنظر ايضــاً...

 

معتز بالله محمد – كاتب مصري

 

خاص بالراصد

ليس كل ما يلمع ذهباً، مثلٌ عربي ينطبق تماماً على حزب التحرير، الفلسطيني النشأة، بما يحمله من شعارات براقة وعبارات رنانة يحسبها الظمآن ماء، الحزب الذي أخذ منهجه في معظم أبواب العقيدة من المعتزلة والأشاعرة والجهمية والخوارج والشيعة، والذي ُصنف المنتمون إليه من قبل علماء أهل السنة والجماعة على أنهم أهل بدعة وضلالة وغواية، خرج بعد الثورات العربية من تحت الأرض حيث العمل السري، محاولا الولوج إلى عالم السياسة، بل أيضا محاولا ركوب الثورات والقول إنه أحق الجماعات الإسلامية بالحكم وإعادة الخلافة!!

التعريف:

حزب التحرير حزب سياسي إسلامي، بمعنى أنه يدعو إلى تبني مفاهيم الإسلام وأنظمته وتثقيف الناس به والسعي جدياً لإقامة الخلافة الإسلامية التي تعتبر محوره الأهم، فتحْت مظلتها يتوحد المسلمون. ويرى هذا التكتل أنه لا يمكن تغيير المجتمع إلا من خلال مهاجمة فكر المجتمع حتى يحدث الانقلاب الفكري ثم السياسي. ويتخذ من العمل السياسي والفكري منهجا لعمله، ويتجنب ما يسميه بـ"الأعمال المادية" مثل الأعمال المسلحة لتحقيق غايته.

لكن هذا الحزب كان له الكثير من السقطات التي جعلته من أكبر المخالفين لأهل السنة والجماعة، فمن مبادئه تقديم العقل على النصوص الشرعية، فكان أن أنكر عذاب القبر وظهور المسيح الدجال، كما أبطل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.

وقد جاء في التعريف بالحزب في آخر صفحة من كتاب "المفاهيم" ما نصّه: "حزب التحرير حزب سياسي مبدؤه الإسلام". وجاء فيه أيضاً: "يجب أن تكون الكتلة التي تحمل الدعوة الإسلامية كتلة سياسية، ولا يجوز أن تكون كتلة روحية، ولا كتلة أخلاقية، ولا كتلة علمية، ولا كتلة تعليمية، ولا شيئاً من ذلك ولا ما يشبهه، بل يجب أن تكون كتلة سياسية"، ولذلك غلب على أفراد الحزب قلة التدين!!

 وجاء في كتاب "التكتل الحزبي" حزب التحرير وهو حزب إسلامي من حيث مبدئه، ليس حزباً إسلامياً كالتكتّلات الإسلامية، فهو لا يعلّم الناس الإسلام ولا يدعو المسلمين للإسلام، ولا يعِظ الناس بالإسلام، فالإسلام مبدؤه وليس عمله، والإسلام أساسه وليس صفته، فهو يتولّى السلطة حين يتاح له أن يتولاَّها ليرعى شؤون الناس فعلاً، ويحاسب السلطة في جميع الأحيان سواء أكان في الحكم أو خارج الحكـم، فعمله كلّه محصورٌ بالسياسة، إمّا عمليّاً بمباشرتها وإمّا نظريًّا بمحاسبة الحكّام على أساس الإسلام"، وهذا هو عين السلوك الماركسي حين دخلت الأحزاب الماركسية للساحة الإسلامية عبر اليهود والأقليات الأجنبية فقد ركزوا على الساحة السياسية فقط.

النشأة والتطور:

تأسس حزب التحرير في القدس مطلع عام 1953، على يد القاضي الفلسطيني تقي الدين النبهاني، الذي كان متأثرا بحال العالم الإسلامي إثر سقوط الخلافة الإسلامية العثمانية في إسطنبول عام 1924.

وكانت للمؤسس أفكار قومية إذ أصدر سنة 1950م كتاباً بعنوان "رسالة العرب" وانعكس هذا على ترتيب أولويات إقامة الدولة الإسلامية في البلدان العربية أولاً ثم الإسلامية، كما كان له علاقات وثيقة بقادة حزب البعث في الأردن مثل عبدالله الريماوي.

البنية الهيكلية للحزب بحسب تنظيرات النبهاني تقوم على القيادة السياسية التي يطلق عليها "الإمارة" التي يتولاها "أمير الحزب" فيما يُنتخب الأخير من قبل الجماعة، وتكون مدة إمارته غير محدودة، الأمر الذي جعل من النبهاني نفسه الأمير الأوحد منذ تأسيسه للحزب حتى وفاته عام 1977!!

حزب التحرير والخميني:

بعد اندلاع ثورة الخميني في إيران عام 1979 سافر وفد من حزب التحرير إليه عارضا عليه تولي الخلافة، ليكون الخميني خليفة المسلمين وقد ذكر هذا في مجلة (الخلافة) التحريرية في العدد 18 تاريخ 4/8/1989م، وقد وعدهم الخميني خيرا، إلا أنه تجاهلهم بعد ذلك ولم يرسل لهم أي رد مما اضطر الحزب إلى إرسال رسالة أخرى يعاتبه فيها على هذا التجاهل عنوانها (نقد الدستور الإيراني).

كما امتدحت مجلة (الوعي) التحريرية كتاب الخميني (الحكومة الإسلاميّة) المملوء بالكفريات والذي صرح فيه بأن الأئمة أفضل من الملائكة المقربين والأنبياء المرسلين، وذلك في عدد رقم 26 سنة 1989م حيث قالت: (أهم عمل سياسي قام به الإمام الخميني هو تأليفه كتاب (الحكومة الإسلامية).

قد يكون حزب التحرير خُدع في بادئ الأمر بالثورة الإيرانية، لكن رغم سلوكيات طهران بعدها منذ الحرب العراقية وحتى الغزو الأمريكي للعراق عام 2003  وما بعدها من جرائم إيرانية بحق أمتنا، كان يفترض بحزب التحرير الذي يصنف نفسه كحزب إسلامي أن يقطع علاقاته السابقة بطهران ويعلن عن ندمه لمواقفه السابقة منها، لكن أياً من ذلك لم يحدث، بل في تاريخ 30 أغسطس 2011 أرسل مكتب الحزب في لبنان أو "ولاية لبنان" كما يصفونها رسالة إلى من أسموه "سعادة سفير الجمهورية الإسلامية الإيرانية" بمناسبة زيارة قام بها الأخير لمسئولي الحزب في لبنان.

صحيح أن الرسالة جاءت معاتبة إيران على سلوكها الشائن في أفغانستان والعراق وأخيرا في سورية لكنه عتاب حانٍ، لا يرقى إلى مستوى الممارسات الإجرامية الإيرانية، هذا على افتراض أن إرسالها خطوة سليمة في الأساس!

وتعرض تلك الرسالة عدة نصائح على إيران للعودة إلى نموذج الدولة الإسلامية المفترضة ومجددا يعود حزب التحرير مغازلا إيران ومعربا عن رغبته في التواصل معها دائما وهو ما يعبر عنه الجزء الأخير من الرسالة والذي جاء فيه: "فإن كان لدى الإخوة في إيران النيّة الصادقة لبحث هذه الأمور بصدق وشفافية فحيهلا، وسيجدون أنّ قلوبنا وعقولنا مرحّبة بالنقاش الجادّ الهادف إلى نصرة هذا الدين وإعلاء كلمة الله. أمّا التوقّف عند المعالجات السطحية والمجاملات الشكليّة مع البعد عن السياسة الإسلامية الصافية، فلن يزيد النظام الإيراني إلا بُعدًا عنّا وعن سائر الأمّة. { وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ}".

مما يؤكد أن حزب التحرير للآن لا يزال لا يفهم حقيقة المعتقد الشيعي الذي يحرك النظام الإيراني والذي لا يؤمن بفكرة الخلافة السنية أصلاً لأنه يسعى لإقامة الإمامة الشيعية!! فضلاً عن أنه يؤكد الجهل السياسي لحزب التحرير الذي لم يستوعب بعد أكثر من 30 سنة على قيام هذه الجمهورية الشيعية حقيقة سياساتها الطائفية الشيعية!!

وبالمناسبة فإن الحزب لا يمنع الشيعة أو غيرهم من أبناء الفرق والجماعات الضالة من الانضمام لصفوفه وإن كانوا يسبون الصحابة ويلعنون أبا بكر وعمر وعثمان ومعاوية رضي الله عنهم جميعا، ويرمون أمهات المؤمنين بالباطل! بل لا يمانعون في أن يكون خليفتهم المنتظر "شيعيا" أو ربما كافرا وهو ما سنعرج إليه في جزء لاحق من بحثنا هذا.

التحرير وثورات العرب:

بدأ نشاط الحزب بعد اندلاع الثورات العربية يأخذ منحى تصاعدياً إذ اعتقد قادته أن ساعة الصفر قد اقتربت وأن إقامة الخلافة باتت قاب قوسين أو أدنى، لذلك أخذ يسوق لنفسه بشكل لافت، ورغم اعتباره الديمقراطية بدعة وكافة المؤسسات المنبثقة من مبادئها شركية فقد سارع في تناقض واضح إلى محاولة خوض غمار السياسة، إلا أنه ظل غير مقنع في طرحه لدى كثير من الشباب العربي وخاصة الإسلامي كونه يسوق لإقامة خلافة إسلامية على منهاج النبوة، فيما تتعارض معظم أفكاره مع ما يدعو إليه الله ورسوله – لا سيما الخاصة بالإيمان والجهاد - وتعطيله كافة شئون الدين لربطها بمجيئ الخليفة.

في تونس

كانت تونس هي مهد ثورات العرب وموطنها الأول فبتاريخ 14 يناير 2011، اندلعت احتجاجات شعبية ضد النظام القمعي هناك وانتهت بفرار الرئيس زين العابدين بن علي إلى خارج البلاد، لتنتهي بذلك حقبة سوداء من تاريخ تونس تعرّض فيها الإسلاميون لأبشع ألوان التنكيل وقام النظام بفرض قيم الغرب العلمانية على التونسيين عنوة.

ومع اندلاع الثورة بدأ حزب التحرير في الظهور علانية للمرة الاولى، وقد كشفت قيادة هذا الحزب عن برنامجها قبل إجراء الانتخابات التونسية يوم 23 أكتوبر 2011، إذ نوّه الناطق الرسمي باسم حزب التحرير رضا بلحاج إلى أن التوجهات السياسية لحزبه تقوم على مبدأ «السلطان للأمة» التي لها حرية اختيار حاكمها وأن نظام «الخلافة هو النظام الأنسب للبلاد وأن الشرع هو أفضل دستور للأمة»، لافتا إلى أن مشاركة الحزب في الانتخابات التشريعية ستكون بهدف "إبداء الرأي والمحاسبة"، حسب تعبيره.

وكعادة الحزب في التبرؤ في كل مناسبة من التيارات الإسلامية المختلفة وتزكية نفسه على سائر تلك الحركات أشار بلحاج إلى وجود اختلافات بين حزبه وبقية التيارات الإسلامية التونسية، وقال إن توجهات حزب التحرير ورؤيته للمرحلة السياسية الراهنة «تقوم على أفكار خاصة لا علاقة لها بأفكار بقية الأحزاب الإسلامية الأخرى الناشطة في تونس» مُنوهاً إلى أن «الحلول المقترحة لمساعدة الأمة على الخروج من وضعها المتردي تنبني على الشرع الإسلامي»، وفق تعبيره. كما يذهب بلحاج إلى عدم وجود دولة عربية مسلمة تتبنى الصيغة الإسلامية في الحكم، وقال إن كل الأنظمة خارجة عن الصيغة الإسلامية ولا تطبق الإسلام، ومرجعياتها تغريبية تقوم على فصل الدين عن الحياة.

وسرعان ما أعد الحزب في تونس مشروع دستور "بديل للبلاد" مؤلف من 200 مادة وقام أنصاره بتوزيعه على التونسيين في مختلف أنحاء البلاد مؤكدا على أن«الديمقراطية قضية مفتعلة لا يجوز الانشغال بها»، وحاول الحزب من خلال مشروع دستور "دولة الخلافة" توضيح عدة مفاهيم أهمها أن أحكام الإسلام مناسبة لهذا العصر وأن الاسلام فيه ما يكفي لإقامة دولة موحدة، توفر الرعاية وتضمن الرفاه.

 يذكر أن الأدبيات الأولى لحزب التحرير الذي رفضت السلطات التونسية مؤخرا منحه ترخيصا قانونيا قد وصلت إلى المغرب العربي في أوائل الثمانينات، من خلال بعض الطلبة الدارسين في جامعات ومعاهد أوروبا فضلا عن بعض المغاربة الذين ذهبوا إلى أفغانستان وباكستان. وتعد تونس من أوائل بلدان المغرب العربي التي وصل إليها حزب التحرير وبدأ نشاطه فيها وقد اتهم عدة مرات بالتخطيط لقلب نظام الحكم، وحُكم على عناصره بالسجن فترات متفاوتة.

في مصر

كما في تونس قرر حزب التحرير الخروج من تحت الأرض ومواكبة التطورات من حوله في محاولة لشغل موقع على الخريطة السياسية الجديدة بعد سنوات من الحظر، وهو ما يوضحه مصطفى زهران الباحث في شؤون الحركات الإسلامية والطرق الصوفية في حديث لصحيفة  "أنباء موسكو" بتاريخ 19/8/2011 بقوله إن الحزب قام بنشاط واسع في الشهور الأخيرة عبر نشر رسائل وتوزيع منشورات وإجراء لقاءات مع شيخ الأزهر كان أولها الاحتجاج على وثيقة الدولة المدنية، معتبرا زيارة وفد الحزب إلى الأزهر نقلة نوعية فيما تبين أن وفدا من الحزب قام بزيارة السفارة الباكستانية في مصر اعتراضا على اعتقال عدد من الأشخاص في باكستان على خلفية انتمائهم للحزب.

وتابع زهران أن الحزب لا يزال غامضا، ولكنه يحاول كسر الحاجز بينه وبين المجتمع المصري ما بعد الثورة. وهو ما دفع الحزب لتقديم طلب للاعتراف به كحزب سياسي حتى يتمكن من دخول الحياة السياسية إلى جانب الحركات والتيارت الإسلامية الأخرى الموجودة على الساحة.

غير أن الحزب بدا فاشلا في إقناع المصريين بأفكاره، في ظل افتقاده لأجندة محددة أو عمل سياسى واضح وهو ما ظهر في برنامج الحقيقة الذي يقدمه الإعلامي وائل الإبراشي على قناة "دريم" حيث استضاف محمد عبد القوي وكيل مؤسسي حزب التحرير الإسلامي، والذي أكد من جانبه أن مصر أصبحت مستعدة لأن تكون أرضا للخلافة الإسلامية. وأضاف أنه لا يجوز للمسلمين أن يحكمهم إلا حاكم يحكم بما أنزل الله، وأكد عبد القوي أن الحزب يسعى لإقناع عوام الناس، وجنود وقادة الجيش بفكرة الحزب، قائلاً: إن الأفكار السياسية الموجودة فى مصر هى من صنع الكفار منذ اتفاقية سايكس - بيكو فى عام 1916. واستطرد وكيل مؤسسي الحزب، أن موضوع الخلافة شأن إسلامي لجميع المسلمين فى العالم، وأن الحزب لا يخاطب معنى وطنيا أو قوميا.

وعلى الجانب الآخر، قال عبد الرحيم علي، مدير المركز العربي للبحوث والدراسات، أن حزب التحرير الإسلامي في مصر، هو حزب يدعو للانقلاب على السلطة من خلال الوقيعة داخل الجيش، مشيرا إلى أنهم فى عام 87 حاولوا الانقلاب على الجيش بدعوى إقامة الخلافة الإسلامية في مصر إلا أنها فشلت وألقي القبض عليهم. ويتابع عبد الرحيم واصفا التحرير الإسلامي بأنه حزب على هامش "كومبارس" الحركات الإسلامية، ولا يعتبر أساسياً في العالم العربي، موضحا أن السلفيين المصريين يتصدون لهذا الحزب لخروجه في طروحاته عن صحيح الدين.  

وكان محمد عبد القوي وكيل مؤسسي حزب التحرير الإسلامي، قد دعا شباب الحزب "ولاية مصر" إلى العمل الدؤوب، مؤكدا أن نجاح الثورة المصرية هو رصيد يضاف لحزب التحرير إذ أن عناصر الحزب في "كافة الولايات" ينتظرون بلهف دور شباب الحزب في مصر بعد سقوط "الطاغية مبارك".  

سلفيو مصر والحزب:

كما أسلفنا فإن التيارات الإسلامية السلفية في مصر تعارض بشدة وجود مثل هذا الحزب، وتقاوم أفكاره بشتى الطرق، إلى درجة أنها قد تضطر أحيانا إلى مواجهته جسديا، مواجهة تنتهي بـ "علقة ساخنة" لأعضاء الحزب كما حدث في ميدان التحرير أكثر من مرة كان آخرها يوم 25/4/2012 عندما لاحظ أنصار الشيخ حازم صلاح أبو اسماعيل – المرشح الرئاسي المستبعد من لجنة الانتخابات- تحركات مريبة لشخصين يندسان بين صفوفهم ويقومان بتوزيع منشورات غريبة.

وفى أول رد فعل رسمى من حزب التحرير "ولاية مصر" فقد أنكر تماما سعيه للترويج للمبادىء الشيعية وسط المعتصمين وأكد الحزب فى بيان له أنه ليس حزبا شيعيا كما اتهمه أنصار الشيخ حازم وإنما هو حزب سياسى يحمل أجندة خاصة ومعلنة. 

وجاء فى بيان الحزب: تعرض أفراد من حملة "حازمون" أنصار الشيخ حازم أبو إسماعيل لشابين من شباب الحزب وهما يقومان بتوزيع نشرة الحزب التي تحمل عنوان {الغرب الكافر وعلى رأسه أمريكا لا يريد للإسلام أن يسود، ويخشى من الخلافة أن تعود. هذه هي حقيقة الصراع على التأسيسية والترشح للرئاسة}، وقاموا بضرب الشابين، وطرحوهما أرضاً، وانهالوا عليهما باللكمات والركلات، حتى كسروا سنّ أحدهما، وصادروا ما معهما من منشورات، ومن ثم اقتادوهما إلى غرفة "التحقيق" تحت منصتهم الكائنة في ميدان التحرير جهة مسجد عمر مكرم، وبعد أكثر من ساعة قاموا بإطلاق سراحهما. وقد توجه الشابان إلى قسم شرطة قصر النيل وحررا محضرا بالواقعة تحت رقم 4513/2012 جُنح قصر النيل، بتاريخ 25/4. وقد تم تحويل أحد الشابين إلى مستشفى المنيره لإجراء الفحص الطبي عليه.

وأكد الحزب في بيانه أن الأمر نفسه تكرر أكثر من مرة زاعما أن أنصار الشيخ حازم قاموا بالاعتداء في إحدى المرات على محمد عبد القوي وكيل مؤسسي الحزب يوم الجمعة 6/4 تحت ذريعة أنه يروج لأفكار الشيعة.

يذكر أن حزب التحرير الإسلامي هو حزب تحت التأسيس حيث لم تبت لجنة شئون الأحزاب المصرية في أمره حتى الآن، فيما رفضت اللجنة نفسها منح ترخيص لحزب شيعي يحمل نفس الاسم "حزب التحرير" يتزعمه الناشط الشيعي أحمد راسم النفيس.

في ليبيا

وصلت أفكار حزب التحرير إلى ليبيا منتصف خمسينيات القرن الماضى، وكان أول من أنشأ حلقاته هو الشيخ حسن عبد اللطيف أبو سلطان الذى كان مدرسا بمعهد التعليم العالي بمدينة بنغازي، وهو فلسطيني من مواليد 1918. وتم ترحيله من البلاد عقب الانقلاب عام 1969. غير أن الطفرة الكبرى التي شهدها الحزب جاءت خلال الستينات عبر انتشار كبير فى أوساط المدارس الثانوية، وفي الكليات الجامعية، فى كل من طرابلس وبنغازي.

في عام 1973 اعتقلت السلطات الليبية معظم قيادات وأعضاء الحزب، وبلغ عددهم نحو أربعين شخصا ما بين عضو ودارس، وكثير منهم من الشبان الذين تراوحت أعمارهم ما بين السادسة عشرة، والخامسة والعشرين، وقد تم الافراج على العدد الأكبر منهم فى يوليو عام 1974، لكن الهزة الكبرى التي ضربت الحزب في ليبيا كانت عندما قام نظام القذافي في أبريل من عام 1981 باعتقال ثلاثين شخصا من نشطاء الحزب فى طرابلس وبنغازى وأجدابيا. وفى أبريل عام 1982 جرت محاكمتهم أمام المحكمة الثورية التي حكمت بالإعدام حضوريا على 13 منهم.

ومنذ حملة الإعدامات هذه انتهى نشاط الحزب في ليبيا تماما، واختفت منشوراته وإصداراته هناك، فقد اتجه شباب الحزب، كما غيرهم من أعضاء التنظيمات الأخرى المحظورة إلى الاهتمام بشئون حياتهم وأسرهم، واندمجوا فى الحياة الاجتماعية كل حسب الظروف المناسبة له ليظهروا مجددا مع اندلاع الثورة في 17/2/2011، وكان الحزب منذ البداية ضد تدخل الناتو في البلاد وحذر في بيان أصدره بتاريخ 26/2/2011، أهل ليبيا من القبول بالتدخل الأجنبي في بلادهم، قائلا: "وكما كنتم أقوياءَ في وجه الطاغية، فكونوا كذلك أقوياءَ في وجه أيِّ تدخلٍ للغرب في بلدكم الطاهر، فلا تخدعنَّكم كلمات الغرب المعسولة بالأغراض الإنسانية، فَتَدَعوهم يوجِدون لهم بينكم موطئَ قدم، فتندموا ولاتَ حين منْدَم".

وكان البديل من وجهة نظر الحزب أن ينقلب الجيش الليبي على نظام القذافي، معتبراً أنّ الجيش يمكنه إسقاط القذافي ووقف سفك دماء المسلمين، فقال: "إنكم لقادرون على حسمِ هذا الأمر بإهلاك هذا الطاغية الدموي، وإنْقاذ الأرضِ والعِرض من جنونه وهلوساته... وفي الوقت نفسه، فإنكم لقادرون كذلك على منع أي تدخُّلٍ غربيٍ بشقيه الأوروبي والأمريكي في بلدكم، فلا تضيع تلك الدماء الزكيةُ سدىً، ولا تذهب تلك التضحياتُ دون جدوى".

ومع نجاح الثورة الليبية وإسقاط نظام القذافي دعا حزب التحرير الأهالي في ليبيا بالعمل على إقامة الخلافة هناك، وقد أصدر بيانا بهذا الشأن في 28/8/2011 جاء فيه: "إن الرائد لا يكذب أهله، وإن حزب التحرير لكم من الناصحين، فهو منكم وإليكم، فاحذروا مؤامرات أوروبا وأمريكا، وأزلامهم وعملاءهم، واحذروا مشاريعهم العلمانية العفنة، ومسمياتها المختلفة من علمانيةٍ دكتاتورية، أو ديمقراطية أو رأسمالية... فكلها لا تغني من الحق شيئا، بل هي الطريق إلى الظلم الذي سالت دماؤكم للانفكاك منه... وانصروا حزب التحرير بإعلان حكم الإسلام، الخلافة الراشدة التي يرضى عنها الله ورسوله والمؤمنون... ويومئذ لا تضيع دماؤكم سدى، ولا تضحياتكم عبثاً، بل تغبطكم تلك الدماء، وتُسَرُّ بكم تلك التضحيات، ويذكركم الله في ملأ من عنده، ﴿وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ بِنَصْرِ اللَّهِ يَنْصُرُ مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾."

وقد انتشرت في الآونة الأخيرة صفحات على الفيسبوك لحزب التحرير في ليبيا يعرض لأهم أفكاره ورموزه وضرورة إقامة الخلافة الإسلامية والاحتكام لشرع الله، غير أن الحزب في حد ذاته يبقى إلى حد كبير بعيدا عن الواقع في ظل وجود حركات إسلامية تمتاز بقواعدها الشعبية العريضة وبقدرتها على التأثير والتفاعل في مجتمعها لوضوح طرحها وعدم الاختلاف على منابعها الشرعية.

في سورية

وقف حزب التحرير مع الثورة السورية ودعمها على طول الخط لكن ذلك لم يكن- ولن يكون- بالبندقية كما فعل الثوار للتصدي لمجازر بشار الأسد، وإنما بالبيانات والمنشورات والخطب الرنانة، ولا عجب في ذلك فمنهج النضال المسلح يخالف تماما قناعات الحزب وأفكاره، وهو ما عبر عنه مسؤول المكتب الإعلامي للحزب في لبنان أحمد القصص في مؤتمر الحزب الذي عقد في الأول من مايو 2012 بمدينة طرابلس اللبنانية تحت عنوان "ثورة الأمة: مخططات الإجهاض وحتمية المشروع الإسلامي" حيث قال محاولا تلافي هذا التناقض الذي يأخذه الكثيرون على الحزب: "وجودنا في صلب الثورة السورية لا يعني أننا نمارس العمل العسكري، فنحن ليس لنا أي نشاط في هذا المجال، لكن ثأرنا مع النظام السوري يكون في وقوفنا إلى جانب الشعب السوري، لأن الأمة التي تسامح من ارتكب بحقها المجازر، هي أمة لا تستحق الحياة".

ورغم اكتفائه بالجانب الخطابي في الثورة السورية- كذلك فعل في باقي الثورات العربية- يرى حزب التحرير في نفسه البديل الحتمي بل والشرعي لنظام الأسد، وهو ما يعبر عنه في العددين 304-303، والصادرين بتاريخ ربيع الثاني وجمادى الأولى 1433هـ ، مارس وأبريل 2012م من مجلة الوعي التابعة للحزب، في كلمة للمجلة بعنوان "خارطة طريق في سوريا لإقامة الخلافة الإسلامية" حيث جاء ما نصه: "أن يقوم أهل القوة من المسلمين، ومن منطلق الإيمان وإرادة تحقيق الحاكمية لله في الأرض، بالأخذ على يدي الحاكم الظالم وإسقاطه لإقامة حكم الله مكانه؛ بحيث تلتقي يد الضباط المخلصين في الجيش السوري النظامي بيد الضباط المخلصين من المنشقين بيد الضباط المخلصين الذين يعملون مع حزب التحرير تلتقي في عمل يقضي على هذا النظام المجرم بنيَّة إقامة حكم الله سبحانه وتعالى".

الخطوة الثانية التي ينادي بها الحزب في ذلك السيناريو الرومانسي أن يقوم هؤلاء الذين يسقطون الأسد بتسليمه السلطة لأنه يمثل "الثلة المؤمنة" وهنا يبرز مجددا عنصر تزكية النفس والاستعلاء على الغير من أبناء الحركات الإسلامية الأخرى، تقول مجلة الوعي: "أن يقوم هؤلاء الأنصار بتسليم الحكم للثلة المؤمنة التي أعدت نفسها لإقامة هذا الفرض العظيم، فرض إقامة الخلافة، فيكون عمل أهل القوة هو إسقاط النظام السوري، ومهمة هذه الثلة هو إقامة الدين بإقامة فرض الخلافة الراشدة. وهذه الثلة موجودة بفضل الله تعالى، وهي على أتم الاستعداد لإقامة هذا الفرض العظيم. وبهذا يلتقي أهل الإيمان من المسلمين عامة، مع أهل الإيمان من أهل القوة خاصة، مع أهل الدعوة في هذه الثلة المؤمنة على صعيد واحد هو إقامة الخلافة الراشدة الثانية الموعودة. أما من هي الثلة المؤمنة التي هيأت نفسها لإقامة هذا الأمر؟ فإننا نعلن بكل صراحة وبكل مسؤولية يقتضيهما الإيمان: إنه حزب التحرير".

خاتمة:

لقد أثبتت مسيرة الحزب التاريخية سذاجة فكره ومنطقه، وجاءت الثورات العربية لتبرهن على فشل نظرية الحزب "طلب النصرة" من الجيش أو القوة الغاشمة في إزالة الأنظمة المجرمة.

ولكن لأن لحزب التحرير دوراً مرسوماً وعملاً لا بد أن يقوم به لا يتوانى من الصراخ بوجوب قيام الشرفاء ببذل دمائهم لإسقاط الطغاة – في الوقت الذي قد ينشغل فيه قادة الحزب وأعضائه بمشاهدة الأفلام - ومن ثم يسلمونه القيادة لإقامة دولة الخلافة، في انتهازية ووقاحة لا مثيل لها!!

 

 
 
 
 
الاسم:  
عنوان التعليق: 
نص التعليق: 
خانة التحقق