العراق حين يُستباح جيوستراتيجيا
الأحد 27 مايو 2012
أنظر ايضــاً...

 

بوزيدي يحيى – كاتب جزائري

خاص بالراصد

برزت حكومة المالكي إلى الواجهة الإقليمية في المرحلة الأخيرة عبر ثلاثة تفاعلات دولية تمثلت في ترؤس الجامعة العربية بعد عقد قمتها الأخيرة في بغداد، والموقف المساند للنظام السوري منذ بداية الثورة، واحتضان بغداد للجولة الثانية من المفاوضات بين إيران ومجموعة (5+1) المزمع عقدها في 23/5/2012، في الحدثين الثاني والثالث يظهر جليا الدور الإيراني حيث حاولت إيران نقل مكان الجولة الأولى من المفاوضات حول ملفها النووي من أنقرة إلى بغداد بسبب الموقف التركي من الثورة السورية، وهو الموقف الذي تتماهى فيه حكومة المالكي مع طهران وتصطف إلى جانبها فيه، أما الموقف الأول وهو ترؤس الجامعة العربية فعندما يقرن بالتصعيد الإيراني ضد دول مجلس التعاون الخليجي بعد زيارة الرئيس أحمدي نجاد للجزر الإماراتية المحتلة وزيارة المالكي إلى طهران التي تحدث فيها مسئولون إيرانيون عن الوحدة الكاملة بين البلدين والصمت العراقي التام تجاه كل الاستفزازات الإيرانية تعكس مدى سيطرة الولي الفقيه على القرار العراقي وكيف أصبح مطية وأداة لتحقيق مصالحها على حساب المصالح العربية التي يفترض بها أن تدافع عنها على الأقل خلال ترؤسها للجامعة العربية.

تركيا في خط المواجهة

يعتبر الكثير من الإسلاميين أيديولوجية حزب العدالة والتنمية بعيدة كثيرا عن المضامين الإسلامية الحقيقية نظرا لمواقفه التي أثارت الكثير من الاستهجان أبرزها نصح رئيس الحكومة التركية رجب طيب أردوغان الإخوان المسلمين في مصر خلال زيارته للقاهرة بتبني العلمانية. ومواقف مثل هذه لا يمكن وصف صاحبها إطلاقا بالتعصب والانغلاق أو الطائفية وغيرها من التهم التي تطلق على كل من يفتح موضوع علاقة الطبقة السياسية الشيعة في العالم العربي بإيران.

 وحين يصدر عن نفس الشخص موقف يتهم فيه المالكي بالطائفية فمعنى ذلك أنه توجد حقائق واقعية هي التي دفعته إلى التصريح بها، وأنه يدرك حقيقة الأوضاع هناك وأن كل ما يقوم به المالكي هو سياسة ممنهجة لها أهداف بعيدة المدى، والأهم من هذا كله أن أنقرة كغيرها من العواصم تدرك جيدا حقيقة الدور الإيراني في هذه السياسة تخطيطا وتنفيذا وتحديدا بإشراف قاسم سليماني قائد فيلق القدس في الحرس الثوري الذي يوصف بالرجل الأول في العراق([1])، وأن المالكي في المحصلة الأخيرة مجرد أداة بيده يقوم بدوره على أحسن وجه وهذا ما دفع الإيرانيين إلى التمسك به وإلزام أو إجبار القوى الشيعية الأخرى بالتحالف معه في معركة تأسيس الحكومة ضد القائمة العراقية في الانتخابات التشريعية السابقة.

ليس صعباً أن يقفز هنا خطاب العثمانية الجديدة وتفسر تصريحات أردوغان على أنها جزء من المشروع العثماني الذي جاء به وزير الخارجية التركي أحمد داوود أغلو وأنه صراع بين العثمانيين والفارسيين، ولكن السياسة الخارجية التركية أبعد ما تكون عن هذا الخطاب رغم كل طموحاتها الإستراتيجية التي عبّر عنها مؤخرا أغلو بحديثه عن شرق أوسط جديد يتشكل وتقوده تركيا، فالموقف التركي الأخير انطلق من جملة تحديات ومخاطر على أمنها القومي على المستوى القريب بعد تفجر الثورة السورية والدور الإيراني والعراقي في محاولة إجهاضها إلى جانب النظام مما تسبب في تأزم الأوضاع أكثر واتجاهها نحو الأسوأ وهو ما يعني تحقق السيناريو الذي حاولت أنقرة تجنبه بمختلف الوسائل.

 أما على المستوى المتوسط والبعيد فإنها تخشى من تأزم الأوضاع كثيرا في العراق من خلال سياسات المالكي الإقصائية للقوى السياسية السنية خاصة بعد اتهام نائب رئيس الجمهورية طارق الهاشمي بالوقوف وراء تفجيرات واغتيالات، ومآلات العملية السياسية وما قد ينجم عنها من حالة لا استقرار تؤدي إلى تقسيم العراق أو الدخول في دوامة من العنف تهدد أمن واستقرار تركيا التي تعاني من المشكلة الكردية.

مكان العراق في طاولة المفاوضات

سبق أن أجرى الأمريكيون والإيرانيون مفاوضات حول مصالح ونفوذ كل طرف منهما في العراق، واليوم ستجري المفاوضات حول الملف النووي الإيراني في بغداد والسؤال الذي يطرح هو عن موقع ودور بلد كان بالأمس القريب محل مفاوضات بين البلدين لتقاسم النفوذ فيه؟

بكل تأكيد لا مجال هنا للمقارنة بين حكومة المالكي وحكومة أردوغان التي بادرت السنة الماضية إلى اقتراح مع البرازيل بتبادل اليورانيوم المخصب على أراضيها ووجدت طهران في ذلك الاقتراح فرصة للالتفاف على العقوبات وربح الوقت وإحراج الغرب فهرولت لعقد الاتفاق هناك رغم أنه لم ينجح في إيجاد حل للمأزق النووي، ولكنه يعكس وجود دولة تركية لها مكانة وإرادة سياسية وكلمة مسموعة اضطرت طهران أيضا إلى الرضوخ للأمر الواقع وعقد الجولة الأولى من المفاوضات من المكان الذي توقفت فيه أي في أنقرة رغم تصريحاتها بنقلها إلى دمشق أو موسكو والتي ووجهت بردود فعل قوية من أردوغان.

أما حكومة المالكي فهي تفتقد كل المقومات للقيام بعُشر هذا الدور لأن علاقتها مع واشنطن وطهران هي علاقة العبد بالسيد وموقعها في طاولة المفاوضات لن يتجاوز دور نادل الفندق الذي يقوم بخدمة الضيوف ويوفر لهم كل وسائل الراحة لا أكثر، والتحليلات التي تحدثت عن إصرار طهران على عقد القمة في بغداد كمحاولة لدعم حكومة المالكي إقليميا لا تصمد أمام الحقائق الموضوعية المشار إليها، وحديث البعض الآخر من المتابعين لزيارة المالكي الأخيرة إلى العاصمة الإيرانية عن حثه الإيرانيين على تقديم تنازلات منها: القبول بالتبادلية وعدم التمسّك بأسبقية رفع العقوبات على وقف التخصيب، ومطالبتهم بإيضاحات أهمها أن الأمريكيين يريدون من المرشد خامنئي التأكيد على فتواه السابقة بتحريم امتلاك السلاح النووي وشرحها وتكرارها، لا تعدو أن تكون مجرد تصريحات إعلامية بروتكولية لا غير لأن الزيارة كانت تهدف في حقيقتها للحصول على ضمانات أكثر من الإيرانيين للمالكي بالضغط على القوى السياسية المناهضة له وفي مقدمتها التيار الصدري والأكراد الذين أعربوا عن امتعاضهم من اتجاه المالكي نحو الديكتاتورية.

وإذا كانت إيران ستفاوض في جولة بغداد على أن يكون أي تراجع في برنامجها النووي يقابله اعتراف بدورها الإقليمي ونفوذها في المنطقة، فلا شك أن مكان احتضان المفاوضات سيكون محل تفاوض في نفس الوقت، وحديث الإيرانيين عن وحدة كاملة بين العراق وإيران يعكس في مضامينه ما يريده الإيرانيون في العراق وهو السيطرة الكاملة على البلد وعلى كل مقدراته التي ليس آخرها استغلال إيران لنفط العراق ونهبه.

الهيمنة الإستراتيجية

في دراسته عن مستقبل المكانة الإقليمية لإيران سنة 2020 خلص الدكتور وليد عبد الحي إلى أن العراق يمثل مكسبا كبيرا لإيران من ناحية، ونقطة تهديد من ناحية أخرى، وهو ما سيجعل من العراق الإقليم الأكثر رخاوة والأكثر جذبا للنزوع الجيوستراتيجي لإيران نظرا لأن قدرة العراق على التهديد ما تزال قائمة في حالة بقاء القوات الأمريكية فيها، ولكن العراق الضعيف حاليا يمثل نقطة إغراء لتوسيع النفوذ في حالة انسحاب القوات الأمريكية، وهو ما يترتب عليه أن العراق سيكون نقطة الجذب في كل الحالات([2]).

بعد سنة من مغادرة القوات الأمريكية للعراق تحقق السيناريو الذي توقعه الدكتور وليد عبد الحي وهذه هي الحقيقة التي لم يستوعبها الكثيرون لفهم طبيعة الدور الإيراني في احتلال العراق، رغم أن الإيرانيين أنفسهم لم يخفوا مطامعهم ومطامحهم الإيرانية، فحسب مصادر إيرانية وثيقة الصلة بمطبخ صناعة القرار الأعلى تُولي طهران اهتماما خاصا بالساحة العراقية باعتبارها البوابة التي منها يجب أن تهزم سياسة أمريكا المرتكزة إلى إحلال النفوذ الأمني والاستخباراتي بديلا عن النفوذ العسكري المباشر!([3])

بل ذهبت إلى أبعد من ذلك بكثير عندما لم تتوقف عند التعاون مع الولايات المتحدة في احتلال العراق والدفع بالأحزاب الشيعية التي كانت تحتضنها إلى المقدمة لتساهم في إحداث شرخ اجتماعي وسياسي لا يخدم غير إسرائيل، أو إضعاف العراق والتحكم فيه من خلال عملائها الطائفيين كما هو مخطط له حتى لا يشكل خطرا على أمنها القومي وإنما تجاوزته لتحقيق أغراضها الإستراتيجية في المحيط الإقليمي حيث تعمل حكومة المالكي وتسخّر كل إمكاناتها لدعم النظام السوري وإجهاض الثورة من خلال فتح المجال الجوي للطيران الإيراني لمد النظام ودعمه بكل المعدات والمساهمة في زعزعة أمن واستقرار دول الخليج لدفعها لتغيير موقفها من الثورة السورية.

العراق أولا

كشفت حرب أكتوبر 1973 عما يستطيع العرب إنجازه بتوحدهم وتعاونهم واستغلال كل إمكانياتهم في خدمة مشاريعهم ومصالحهم، وكيف كانت النتيجة حين قام الشاه بتوفير البترول للسادات، لا شك أن الإنجاز كان عظيما وأدرك العالم كله حقيقة وجود كتلة متعاونة في الشرق الأوسط بجناحيه العرب وإيران، وهذا هو الدور الذي كان مرجوا من الجمهورية الإسلامية بعيد التحول الذي أحدثته ثورة 1979 ومواقف الملالي يومها التي كانت تصب في هذا الإطار وجعلت الكثير من القوى السياسية العربية تهلل للخميني وتهتف له.

غير أننا قبل الاسترسال في هذه الأمنيات والأحلام التي تدغدغ العواطف يجب علينا التوقف عند حقيقة أخرى تجسدت في كل الحروب العربية الإسرائيلية رغم كل المؤاخذات عليها إذ أنه لا مجال لنفي أهمية العراق بالنسبة للعرب الذي كان سندا لسوريا والأردن وقدم الغالي والنفيس في تلك الحروب وسخر كل إمكانياته إلى جانب الدول الأخرى، لذا فإن أهمية العراق بالنسبة للعرب هي أهم من إيران بكثير والطريق إلى كتلة إسلامية تمتد إلى بلاد فارس يمر عبر العراق أولا. فهو يمثل حاليا باروميتر للعلاقات العربية الإيرانية وسياسة طهران الخارجية في المنطقة، وفي هذه المرحلة فإن استمرار الموقف العراقي المؤيد لإيران والدور الذي تقوم به حكومة المالكي من خلال التفاعلات الدولية الثلاث التي أشرنا إليها في بداية المقال يبين أن الملالي ماضون في مخططاتهم ومشاريعهم حتى النهاية وأن مواجهتهم تقتضي الحزم والحسم بنفس الأدوات ولنا في تدخل درع الجزيرة في البحرين نموذج، كما يجب أن يكون التنسيق التركي العربي حول سوريا مقدمة لتعاون إستراتيجي لإيجاد سبل أخرى لمواجهة إيران بدل الجري وراء سراب أكذوبة حسن الجوار.

 

 


([1]) تقرير: قاسم سليماني قائد قوات القدس الإيرانية صانع الملوك في العراق، القدس العربي، 29/07/2011.

([2]) وليد عبد الحي، إيران مستقبل المكانة الإقليمية عام 2020، الطبعة الأولى، الجزائر: مركز الدراسات التطبيقية والاستشراف، 2010، ص39-40.

([3]) محمد الصادق الحسيني، ملء الفراغ الأمريكي بحسن الجوار الإيراني، القدس العربي، 09/01/2011.

 

 
 
 
 
الاسم:  
عنوان التعليق: 
نص التعليق: 
خانة التحقق