فاتحة القول\العدد مائة وثمانية - جمادى الأخرة 1433 هـ
النفيسي ونفي الطائفية عن سياسة إيران!!
السبت 26 مايو 2012
أنظر ايضــاً...

 

د.عبدالله النفيسي شخصية ذات حضور كبير ولها تاريخ طويل من العمل السياسي، لكن مشكلة د.النفيسي هي كثرة التقلبات الاستراتيجية، ولعل ذلك بسبب عدم اكتمال الرؤية الفكرية عنده للقضايا التي يتحمس لها.

ويهمنا أن نناقشه هنا في الموضوع الشيعي والإيراني، فالنفيسي على صلة بالتشيع وإيران منذ أربعين سنة، ففي برنامج (لقاء الجمعة) على قناة الرسالة بتاريخ 9/4/1433هـ أعلن أنه يزور إيران منذ سنة 1975م، وأنه التقى بالخميني قبل أن ينجح في ثورته فضلا عن زيارته له بعد نجاح الثورة ولعدد كبير من قادة إيران، وأنه كان من المتحمسين للتقريب بين السنة والشيعة.

وهذا الموقف ليس موقفاً عاطفياً مع غفلة عن حقيقة التشيع، كلا! فالنفيسي حصل على درجة الدكتوراه سنة 1972م عن رسالته "دور الشيعة في تطور العراق السياسي"، والتي بسببها زار إيران والعراق والتقى بالمراجع كما ذكرنا من قبل، وقد سبق لنا أن استعرضنا جانبا من رسالته في العدد 43 من الراصد([1])، وقد عرض النفيسي في رسالته المذكورة العقيدة الشيعية ثم ختم ذلك بقوله: "نلاحظ من هذا أن الشيعة في عقائدها الأساسية الأولى تركز على أهمية وإمرة أهل البيت، أما في عقائدهم الثانوية فإنهم يركزون على نقطتين: (أ) على حتمية شفاعة الأئمة لأهل الشيعة (ب) وعلى أنهم من بين البشر، الفرقة الناجية التي تدخل الجنة بدون حساب وعقاب.

إن أثر هاتين العقيدتين: إمرة أهل البيت وشفاعة الأئمة لهم يوم الحساب، يبدو جلياً في تصرفهم السياسي في جميع الأقطار ولا سيما في إيران والعراق، والعقيدة الأولى (إمرة أهل البيت) تفرض على كل شيعي أن يُبدي الطاعة التامة والولاء الخالص لممثل الإمام (القائم)، والعقيدة الثانية (شفاعة الأئمة لهم) تجعل من الشيعي رجلا متصلباً عنيداً في مواقفه السياسية، إذ لا بأس عليه إذا وقف مثل هذه المواقف في الحياة الدنيا ما دام الإمام سيشفع له حتماً يوم الحساب ويضمن له الجنة؟ وقبل أن تحاول تفسير التصرف أو السلوك السياسي لدى الشيعة ينبغي لنا أن نتفهم عقائدهم الأساسية والثانوية تفهماً عميقاً، لأن الخلفية الشيعية لا تفرق إطلاقاً بين السياسة والدين".

إن ما سبق يؤكد لنا معرفة د. النفيسي المبكرة بالعقيدة الشيعية ومن كبار مراجع الشيعة مباشرة كما قال في رسالته، وهي معرفة نادرة وأصيلة ومبكرة في ذلك الوقت، رغم هذا كله إلا أنه بقي يسير في طريق الدعوة للتقريب بين السنة والشيعة وتأييد إيران مدة خمس وثلاثين سنة (1972 - 2007) ليقتنع فيما بعد أن التقريب خرافة وخدعة!!

ولكن لأن د.النفيسي يؤثِر الثورية والجذرية في طروحاته فإنه انساق خلف الشعارات الخمينية الثورية طمعاً بالوصول "لحكم الإسلام" في البلاد العربية بأسرع وقت، فكانت النتيجة أن استفحل التشيع والنفوذ الإيراني في بلادنا وبقي المحتل الإسرائيلي والأمريكي والإيراني يعربد ويتوسع في بلادنا!!

والآن وبعد أربعين سنة حين تبين للنفيسي خطأ مسلكه يُحمد له أنه أعلن توبته وتراجع علناً، وذلك في وقت قلَّ فيه من يعترف بأخطائه ولا يستكبر عن الحق، فيُشكر على ذلك ولأن مما يتميز به النفيسي الشجاعة وقول ما يعتقد به صراحة.

لكن نود أن ننبه د.النفيسي أن لا يقع في خطأ جديد بنفي الطائفية عن سياسة إيران وحصر ذلك بسبب وحيد وهو الدافع القومي الفارسي، وقد رأينا النفيسي يكرر ذلك في العديد من الندوات والمحاضرات، ولأن د.النفيسي صاحب حجة وبيان فقد يقتنع كثير من الناس بهذه الفكرة، وهي فكرة غير صحيحة ولا دقيقة ولأن د. النفيسي يصرح بهذا بين المقتنعين بالخطر الشيعي والإيراني، فإن خطورة هذا القول يتضاعف، خاصة أننا قد نحتاج لعشرات السنوات ليظهر لنا الصواب، ولكن "بعد خراب البصرة" كما يقال!!

وليس المقصود هنا نقد رؤية د.النفيسي فحسب، ولكن نقد رؤية تشِيع أيضاً بين القوميين العراقيين كحزب البعث وغيره، في جعل منطلق العدوان الإيراني قومياً بحتاً وليس له منطلق أو بعد عقائدي ومذهبي، ويرفضون توصيف مشكلة العراق على أنها مشكلة شيعية، لكن الفارق أن هؤلاء خارج الصف الإسلامي فضلاً عن الصف السلفي بعكس د. النفيسي الذي يتحدث من دائرة الإسلاميين وعلى منابر سلفية أحياناً.

في تقديم د. النفيسي لكتاب "محركات السياسة الفارسية" للدكتور عادل عبدالله سنة 2009–  وقد كان نشر على حلقات في الراصد قبل طباعته على شكل كتاب- يفاجئ النفيسي قراءه بأن أخطر نتائج وقوف الخليج والعرب مع صدام هو "تعزيز البناء المنطقي للتفكير الطائفي الشيعي"!! ونحن هنا نتساءل: أين ذهبت شعارات الخميني بتصدير الثورة؟؟ وأين ذهبت محاولة حلفاء الخميني (هادى مدرسي وتنظيمه الرساليون) في البحرين لقلب نظام الحكم ؟؟ وأين ذهبت تفجيرات إيران والشيعة بمكة؟؟

وهل هذا فعلاً كان بسبب دعم الخليج والعرب لصدام؟ أم أن الخليج والعرب دعموا صدام بسبب هذه السياسات الإيرانية والشيعية؟؟ 

ثم يقول د.النفيسي: "دراسة عادل عبد الله تؤكد أن إيران تلتزم بفارسيتها أكثر من التزامها بإسلامها أو حتى شيعتها"، ورأي النفيسي هذا مخالف لمحتوى الكتاب الذي يقرر أن مصلحة التشيع هي المقدمة وافقت المذهب أو خالفته، وليس مصلحة الفرس، ولجوء المؤلف للفارسية في العنوان هو بسبب الحساسية أو التردد من التصريح بطائفية الشيعة وإيران عند الباحثين السنة، ولذلك نجد د.عادل يجعل الصفويين فرساً بينما هم تركمان!!

ثم يختم د.النفيسي مقدمته بما يخالف الكاتب والكتاب بقوله: "هل تتحرك إيران – في المشهد الخليجي – وفق رؤية عقائدية أو تاريخية أو مصلحية؟ ربما وفق المزاوجة بين هذه الأبعاد الثلاث؛ لكن –(أكيداً)-كما يقول الفرس، في مسار فارسي (حتماً)"، برغم أن المؤلف د.عادل عبدالله جعل أول محرك للسياسة الفارسية هو العقيدة الشيعية وجعل المحرك التاريخي القومي المحرك الثاني!!

والخلاف مع د.النفيسي هو في إهمال واستبعاد الدور الطائفي الديني تماماً في السياسة الإيرانية، واقتصار ذلك على البعد القومي الفارسي، وهو الأمر الذي نراه مجانباً للصواب؛ سواء على صعيد المشروع الشيعي أو الإيراني قديماً وحديثاً.

فهل كان العامل الفارسي هو المحرك للخميني الهندي الأصل للثورة على الشاه؟ أم العامل الشيعي؟

وهل كان العامل الفارسي هو المحرك لحزب الدعوة في العراق منذ نشأته؟ أم العامل الشيعي؟

هل حين أرسل مراجع النجف مندوباً عنهم لفتح دار التقريب في القاهرة كانوا يعملون لصالح الفارسية أم الشيعية؟

وقبل هذا هل كان العامل الفارسي هو الذي حرك الصفويين التركمان لنشر التشيع؟

وهل كان دافع الشيعة العرب من جبل عامل الذين استعان بهم الصفويون التركمان لبسط التشيط فارسيا؟

أما اليوم:

هل تحرك إيران ضد الثورة السورية هو بدافع فارسي؟ وكيف تتوافق الرؤية البعثية القومية العربية (طالما سنستبعد البعد الطائفي) مع الرؤية الفارسية لإيران؟

وهل حزب الله في لبنان يسعى لتمكين هيمنة القومية الفارسية على لبنان؟  أو هل يعمل مقتدى الصدر لترسيخ الفارسية أم تثبيت الطائفية الشيعية المتطرفة؟

هل مشروع الحوثيين في اليمن وعبدالله سامبي في جزر القمر هو مشروع فارسي أم شيعي؟

هل النشاط الشيعي والإيراني في أوساط مسلمي آسيا وأفريقيا يسعى لفرسنتهم أم تشييعهم؟

أما بخصوص القومية الفارسية فنحن لا ننكر أن كثيراً من الفرس حسُن إسلامهم وقدموا الكثير للحضارة والدولة الإسلامية عبر تاريخنا؟ ولا ننسى وجود فرس سنة لليوم في إيران يسوؤهم جداً هذا العداء لكل الفرس من جهة، ولإغفال وتجاهل وجودهم والدفاع عن حقوقهم المظلومة!

الخلاصة: لا ننكر الدور الفارسي (القومي) في السياسة الإيرانية، لكن العامل الطائفي والشيعي هو العامل الأكبر والأهم، فلنتجنب تضييع البوصلة في هذه اللحظة الفارقة من مسيرة الصراع مع المشروع الشيعي الإيراني. ولنقرأ المشروع الإيراني الشيعي بموضوعية دون تطرف يذهب ببعض الحقيقة.

 


[1] - http://alrased.net/site/topics/view/540

 

 
 
 
 
الاسم:  
عنوان التعليق: 
نص التعليق: 
خانة التحقق