الدور السياسي للكنيسة.. الإجهاض نموذجا
الأربعاء 23 مايو 2012
أنظر ايضــاً...

 

فاطمة عبد الرءوف – كاتبة مصرية

 

خاص بالراصد

استفزني ذلك العلماني الشهير، نجم الفضائيات، وهو يصيح بانفعال وتهكم ويشيح بيديه ما دخْل الدين في السياسة؟ الدين شيء والسياسة شيء مختلف تماما وبنبرة ثقة وتعال أخذ يتحدث عن أن المجتمعات المتقدمة حدث فيها طلاق نهائي بين الدين والسياسة منذ أمد بعيد بعد أن تم تجاوز مخلفات العصور الوسطى. وأنهى العلماني الشهير حديثه بأن الكنيسة لا شأن لها بعالم السياسة في الغرب ومن ثم فعلى المسجد أن يحذو حذوها ويتوقف عن التدخل في شئون السياسة إذا أردنا أن نلحق بركب التقدم.

والحقيقة أن ما استفزني في هذا الكلام المعاد المكرر هو ذلك الكذب القبيح الذي يمارسه هؤلاء العلمانيون بلا خجل وكأنهم يطبقون القاعدة التي تقول "الشيء إذا تكرر تقرر"، أو تلك العبارة الهتلرية "اكذب ثم اكذب حتى يصدقك الناس".

 وبما أنهم يمتلكون  النصيب الموفور من وسائل الإعلام المؤثرة - حتى بعد ثورات الربيع العربي التي شهدت بأن المزاج العام للجماهير العربية إسلامي - لذلك فهم يكررون على أسماعنا هذا الهراء وتلك الأكاذيب التي تصور الغرب وكأنه كيان علمي موضوعي بعد أن خلع الصليب من عنقه وترك أفكار الكهنوت في الكنيسة لا تتعداها إلى عالم الحياة الواقعية، وهي أكاذيب وأغاليط تنم عن عدم فهم الغرب أو الإصرار على رؤيته من منظور يستبعد الدين حتى لا يتحول الدين إلى رقم مؤثر في معادلة الصراع الحضاري القائمة والتي يتعامى عنها العلمانيون في بلادنا.

أما ما آلمني فهو ذلك الحوار الذي سمعته بين عدد من البسطاء على هامش انتخابات الرئاسة في مصر وهل يختارون رئيساً ذا خلفية إسلامية أم لا فقد تحدث رجل بسيط بنفس منطق العلماني الشهير وهو يصرخ في محاولة لتقليد أسلوبه أيضا ويقول: يا ناس الدين مقدس والسياسة قذرة فكيف يجتمعان؟!

فهل من الممكن حقا أن ينفصل الدين عن الحياة وعن السياسة ويحاصَر في زوايا المساجد وكيف نفعل بهذه التشريعات الواضحة التي جاءت لتنظيم أمور المجتمع وهل مقولة "اعط ما لله لله وما لقيصر لقيصر" هي التعبير المثالي عن العلاقة بين الدين والحياة، ولكن من يحدد ما هي حقوق الله وما هي حقوق القيصر.. ذلك القيصر الذي مجّدناه بعد أن حررنا الإسلام من ربقته وقيوده وظلمه.

وهل حقا أن الغرب لم يعد للدين سلطان عليه بعد تجربته القاسية مع رجال الكهنوت الفاسدين الذين دعموا الظلم وحاربوا العلم في العصور الوسطى؟

وبعيدا عن جدل النظريات، آثرت أن أقدم نموذجا تطبيقيا عمليا لقضية يرى فيها علماء الدين أنها قضية دينية وخُلقية في المقام الأول، ويرى فيها رجال السياسة أنها أحد حقوق الإنسان ومظهر من مظاهر حريته، فلو أخذنا قضية الإجهاض كنموذج لاشتباك ما هو ديني وما هو دنيوي في الغرب لكان ذلك دليلا واضحا على  الدور المؤثر الذي لم تزل تلعبه الكنيسة هناك، وكيف يؤثر ذلك على الحياة السياسية بصورة بالغة التعقيد وبعيدا عن أي محاولات للتسطيح أو الاختزال.

 

الدين في أمريكا

أمريكا القوة العظمى في العالم وهي قبلة العلمانيين العرب كما هو معلوم وهي من أكثر دول العالم التي يتداخل فيها ما هو ديني وما هو دنيوي، وما ظاهرة المحافظين الجدد الذين وضعوا العالم على حافة الحرب العالمية الثالثة إلا أحد تجليات هذا التداخل.

لقد كان الدين حاضرا وبقوة في الشأن السياسي (الانتخابات) الأمريكية سواء في دعم مرشح ـ كما حدث مع بوش الابن عندما تم دعمه من قبل الكنائس ـ أو في الهجوم وانتقاد لرئيس لا يخضع لرؤيتهم الخلقية ـ كما يحدث مع أوباما الذي هددته الكنائس بالدعوة لعصيان مدني ضده ـ  فهل يقال بعد ذلك أنه لا دين في السياسة ولا سياسة في الدين في واحدة من أعرق الديمقراطيات في العالم (أمريكا) كما يروج العلمانيون العرب حتى يتم استئصال الدين من ساحات الحياة في بلادنا.

الدين في أمريكا له ثقل كبير وذلك منذ استخدم الثوار في أمريكا اللغة الدينية في إثارة الحماسة في قلوب الأمريكيين ضد الحكم البريطاني ومنذ ذلك التاريخ احتل الدين أهميته الاستراتيجية في العقل الجمعي الأمريكي، ومن يقرأ مواد الدستور الأمريكي أو يتابع مراسم تنصيب رئيس الجمهورية هناك وما يقام فيها من صلوات سوف يلمس مدى تغلغل الدين في الحياة العامة.

لقد خاض بوش الابن حربا بشعة على العراق بتحريض من إدارة متدينة متطرفة كانت ترى في تدمير العراق ضماناً لأمن إسرائيل.. وإسرائيل في عقيدة هؤلاء هي ضرورة لعودة المسيح الثانية للأرض.. إنهم لا يستخفون بتلك التصريحات فبوش كان يفاخر بتدينه وبكونه يقرأ الكتاب المقدس (الإنجيل والتوراة) صبيحة كل يوم في البيت الأبيض.

ومنذ أيام حدثت تسريبات بالغة الخطورة عن تدريبات تجرى وخطط لإبادة المسلمين أو توجيه ضربة عسكرية للأماكن المقدسة في مكة والمدينة، هذه المخططات التي أدانها قسم من العقلاء من العسكريين وصانعي القرار ولكنها تكشف في الوقت ذاته عن عقلية الحروب الصليبية التي تمتزج فيها المشاعر الدينية والأطماع المالية والسيطرة الاستعمارية وأن الحروب الصليبية ليست لفظاً غير مقصود من رئيس مهووس حكم لفترتين وإنما هي جزء ثابت ومكون أساسي لدى فريق لا يستهان به من قادة الغرب وأمريكا.

والحوادث في هذا السياق أكثر من أن تحصى كما حدث من الجنود الأمريكيين الذين حرقوا المصحف في أفغانستان، ومن البلاهة الاعتقاد أن هذه حوادث فردية لا يجمعها رابط أو استراتيجية دينية متطرفة تقف وراءها.

 

الإجهاض نموذجا

إن قضية الإجهاض من الممكن أن تقرأ بأكثر من وجه فهي قد تقرأ كأحد مظاهر الحرب بعيدة المدى التي تشن على بلادنا ففي الوقت الذي دعمت فيه الولايات المتحدة الأمريكية خدمات تحديد النسل وتنظيم النسل في بلادنا حتى أن جزءا من المعونة الأمريكية في مصر لابد وأن توجه إلى هذا القطاع حتى أصبحت هذه الوسائل تقريبا بالمجان مع مجموعة من الحملات الدعائية المنظمة الممولة أيضا من أموال المعونة فإن هذه الخدمة داخل الولايات المتحدة ذاتها لا تلقى هذا الدعم فهم في أمس الحاجة لطاقة بشرية جديدة تمنحهم الحيوية والاستمرارية بينما مطلوب أن نُحرم نحن من هذه الطاقة ونراها عبئا وسبباً لكل المشكلات التي نمر بها.

وقضية الإجهاض قد تقرأ في سياق صراع كنسي ديني وأخلاقي في مواجهة تيار تحرري ذي نزعة فردية يحمل غطاء سياسياً وهي قضية نموذجية توضح أن الدين طرف فاعل في الحياة وقوة لا يمكن تجاهلها وليس كما يشاع في بلدنا من أن الدين مجرد علاقة خاصة بين الإنسان وربّه..

كانت الولايات المتحدة لا تدعم خدمات الإجهاض في عهد الرئيس بوش ولكن أوباما أصدر مرسوما تنفيذيا تدعم فيه الولايات المتحدة بمقتضاه عيادات الإجهاض ضمن أموال المعونة الأمريكية التي تقدم لدول العالم الثالث، وهو ما أثار استياء رجال الكنيسة في الداخل الأمريكي والكنيسة الكاثوليكية في روما ومن ثم شنوا هجوما قاسيا على أوباما باعتباره يمارس مذابح للأبرياء.

فعقب انتخاب أوباما رئيسا للبلاد تزايدت الخلافات بين الحكومة الأمريكية والكنائس بسبب سياسات أوباما خاصة ما يتعلق بقضايا ثلاث أساسية وهي:

1ـ قضية الإجهاض.

2ـ زواج الشواذ.

3ـ الحق في الانتحار أو ما يطلق عليه الموت الرحيم، وهي القضايا التي تعهدت الكنائس الأمريكية المختلفة بالتصدي لها.. مما خلق حالة من الشد والجذب بين الكنائس من جهة وبين الإدارة الأمريكية الديمقراطية من جهة أخرى.

وقد وصل الأمر ببعض الكنائس بتهديد الرئيس باراك أوباما بالتحريض على عصيان مدني إذا لم يتراجع عن تأييده لبعض القوانين التي اعتبروها "ممارسات ضد الحياة" مثل تقنين الإجهاض وزواج الشواذ والموت بكرامة.

نستطيع القول إذن إن قضية حق المرأة في إجهاض جنينها تعد نموذجا واضحا لمدى تغلغل الفكر الكنسي في الحياة العامة في أمريكا ففكرة الحرية المطلقة التي تتشدق بها النخبة في بلادنا هي من قبيل الكلمات الجوفاء المفرغة من المعنى والتي تخالف ما يحدث على أرض الواقع وهو ما تتغابى عنه النخبة وتحرص في الوقت ذاته على أن يصدقها جمهور البسطاء الذين يرسم لهم ملامح عالم خيالي ليس للدين فيه أثر كبير.

 
 
 
 
الاسم:  
عنوان التعليق: 
نص التعليق: 
خانة التحقق