فاتحة القول\العدد الرابع والثلاثون - ربيع الثاني 1427هـ
الترابي بين خلل البداية وزلل النهاية
السبت 6 مايو 2006

الترابي بين خلل البداية وزلل النهاية 

  " من حسنت بدايته كملت نهايته " حكمة سلفية لخصت خبرات تربوية ضخمة مستقاة من مشكاة النبوة ، تصلح أن تكون مفتاح لدراسة كثير من الشخصيات والتجمعات الإسلامية المعاصرة . و في المقابل فإن المضي قدماً في مسار منحرف عن خط الاستقامة يوصل لنتائج سيئة ولكن قد تكون ضخمة جداً في الحجم بحسب زاوية الميل عن الصراط المستقيم وطول المسار.

وهذا يدق ناقوس الخطر تجاه قضية تصدي بعض الطيبين لقيادة العمل الإسلامي مع وجود خلل في منهج فهم الإسلام وتطبيقه أو ضعف علمهم بالشريعة ،مما ينتج عنه سياسات واختيارات كارثية على الدين وأهله .

ولعل هذا ما حدث مع د. حسن الترابي ، فقد شكلت فتاواه الأخيرة حول جواز زواج المسلمة بالكافر وتحريف مفهوم الحجاب صدمة للكثير من المسلمين، لما فيها من تجاوزات واضحة على محكمات الشريعة ، وإن لم تكن في الحقيقة أكبر انحرافاته ، وذلك أن هذه الفتاوى هي تطبيق عملي لقواعده الشخصية في فهم الدين والتي عبر عنها في كتابه " تجديد أصول الفقه الإسلامي " الذي طبع عام 1981م .
والترابي يصلح أن يكون نموذجاً لنقد وتقويم الكثير من الشخصيات والتجمعات الإسلامية المعاصرة ، بهدف بيان خطر الانحراف في المنهج لفهم الدين وتطبيقه على مسار العمل في المستقبل ، و من هذه التجارب تجربة الجزائر وتركيا ، فهل ما وصلت له هاتان التجربتان هما منشود العاملين لهذا الدين ؟
بالطبع هذا لا ينفي وجود مساحات كبيرة من الخير والصلاح فيها وفي غيرها ، لكن هل هذا هو النموذج الذي نريد الوصول له ؟ ولماذا تنحرف المسيرة ؟ والأدهى لماذا تبرر بأن هذا هو الإسلام الصحيح ؟
 
مسيرة الترابي :
الترابي رجل يشهد له خصومه قبل أنصاره بالعقل والذكاء ، وقوة الشخصية وجاذبيتها ، كما أنه جمع العلم الشرعي والثقافة الغربية ، قائد محنك حركي مميز ، لكنه يسعى لنصرة ذاته مما يفقده دعم أقرانه ، وصفه د. محمد الأحمري بقوله : " ديمقراطي اللسان استبدادي الممارسة ، يولي عنه القريب هارباً ، ويخطف بريقه البعيد معجباً ، ولعله لم ير بين المسلمين السنة مثل نفسه "[1]
بدأ الترابي مسيرته مع جماعة الإخوان المسلمين في السودان ، حتى تسلم قيادتها عام 1964 م ، ومن ثم سماها الترابي " جبهة الميثاق الإسلامي " ومن ثم تحولت إلى " الجبهة القومية الإسلامية ".
وبعد حصول الطلاق بينه وبين قادة الإنقاذ الذين دبر معهم الاستيلاء على السلطة ، سعي من جديد لتكوين حزب جديد له ، والحقيقة أن كل حزب جديد يؤسسه يكون أفضل تنظيمياً من سابقه !
وقد سعى في التسعينيات إلى مد نفوذه الحركي لخارج السودان عبر " المؤتمر الشعبي العربي الإسلامي " .
والترابي تميز عبر هذه المسيرة الطويلة (1964- 2006 ) ، بالسعي إلى لسلطة بأي طريق ! ولذلك دخل في تحالفات غير منطقية عبر تاريخه الطويل فقط للوصول للسلطة ، مثل تحالفه مع النميري و قرنق .
كما أنه برر هذه التحالفات " بالضرورة والمصلحة لصالح الدين " ، ولذلك كان حريصاً على كسب أكبر قدر من الجمهور عبر " التماشي مع رغبات الجمهور و الأعداء " ولذلك يصدر الفتاوى العجيبة .
كما أن الترابي كان معارضاً للقيادات الإخوانية التي كانت تنادي بالتربية الإسلامية للكوادر ، وذلك أن " الكسب السياسي " بتعبير الترابي كان أولويته المطلقة . 
ولا نغفل هنا دور الترابي في تقوية العمل الإسلامي بالعموم في السودان ودوره في التصدي للفكر الشيوعي ، لكنه بالمقابل كان له دور بارز جداً في نشر ضلالات كثيرة بين المسلمين في السودان وخارجه باسم الدين والاجتهاد !!
وأما حصيلة العمل الحركي للترابي فتتمثل في حكومة الإنقاذ، التي يشكر لها اعتزازها بالإسلام واتخاذه المرجعية ، ولكن لم يكن هذا التطبيق للإسلام هو النموذج الذي نفخر به على العالم ، بل لعله شوه جمال الحلم وأعطى خصوم الإسلام سلاحاً لضربه ، وذلك ثمرة طبيعية لانحرافات الفكر المنظر للإنقاذ وهو الترابي ، وإن خرج الترابي على الإنقاذ اليوم فإنهم لا يزالون يطبقون فكره ومنهجه الذي أرضعهم إياه ، وما انقلابهم عليه إلا من صميم منهجه     " الكسب السياسي ، والوصول للسلطة بأي ثمن " !!
وتجربة دولة الإنقاذ تستحق دراسة موسعة في نجاحاتها وإخفاقاتها ، وسبب خلل المنهج في ذلك .   
 
 لماذا حدثت الضجة الأخيرة :
انحرافات الترابي وفتاواه أمر قديم وليس حادثاً ، ولكن بسبب انبهار المسلمين الخادع بكل شخص يحقق نجاحاً سياسياً باسم الإسلام ، تم تكتم كثير من المسلمين عن أخطائه ، بل كثير من الكتاب الإسلاميين إن لم يتمكن من تأييد فتاوى الترابي الأخيرة فقد تجاهل الضجة التي سببتها !!
وسبب آخر لعدم التعرض لخلل الترابي قديماً أنه كان في القواعد المنهجية ، والتي هي أخطر بكثير لكن لا تحظى باهتمام إعلامي شعبي ، ولذلك تصدى لها العلماء العارفون لأن " أهل العلم يعرفون الفتن وهي مقبلة ، وأهل الجهل يرونها إذا أدبرت " .
كما أن من أسباب الضجة الحالية على فتاوى الترابي ، التغطية الإعلامية الواسعة التي قصدت نشرها و ترويجها ، لحساب " تمييع التدين " عبر تشجيع التصوف و العقلانيين و الانحرافات الفكرية للزعماء الحركيين .
 
انحرافات الترابي :     
شخصية الترابي شخصية سياسية وليست شخصية شرعية ، ولذلك لم يهتم بتقعيد مذهب وفكر محدد ، بقدر ما سعى لضرب بعض القواعد التي تكبل حركته السياسية ، فشنع على الفقهاء والأصولين لإسقاط مرجعيتهم ، وكسر باب الاجتهاد ليسع فتاواه العجيبة ، وحكم عقله الذي يفخر به على الناس في ما يقبله وما يرفضه من الدين .
 
يقول القرضاوي : " في الحقيقة إن فتوى الترابي هذه قديمة متجددة سمعتها منه وهو في الولايات المتحدة الأمريكية في عام 1975 ، ... وفسرها لي في ذلك الوقت ... يقصد المرأة غير المسلمة التي تعتنق الإسلام وهي متزوجة من رجل كتابي يجوز لها البقاء مع زوجها غير المسلم " الشرق الأوسط 15/4/2006 .
وهذه الفتاوى يعرفها عنه أهل السنة في السودان من سنوات طويلة ، وكانت لهم جهود مشكورة في فضحه وخاصة الدكتور جعفر شيخ إدريس .
 
 نماذج من انحرافات الترابي :
 
1-   إباحة الترابي للردة .
2-   مساواة الترابي للأديان وعدم التفضيل بينها .
3-   انتقاصه للأنبياء يونس ، وإبراهيم ، وموسي ، ومحمد عليهم الصلاة والسلام .
4-   إنكار الترابي لجهاد الطلب .
5-   زعمه أن حواء أول البشر : استناداً لقوله تعالى : ( وخلق منها زوجها ) فجعل الضمير عائداً على حواء !!
6-عدم تكفيره لليهود والنصارى : قال الترابي في مؤتمر ( الحوار بين الأديان التحديات والآفاق ) : " وهذه دعوتنا اليوم أن نقيم جبهة أهل الكتاب ، .... وقيام جبهة المؤمنين هو مطلوب الساعة " وقال لمجلة المجتمع :" إننا في الجبهة الإسلامية نتوصل إليها – الوحدة الوطنية – بالإسلام على أصول الملة الإبراهيمية ) .
7-   الطعن في عدالة الصحابة شأنه شأن الشيعة .
8-   إنكار ردة سلمان رشدي .
9-تغييره لمصادر التشريع عند الترابي ، بزعم تجديده لأصول الفقه و قد اعتبرها: العقل و قرارات الحاكم و الاجتهاد والإجماع الشعبي الديمقراطي و القياس .
 
ويمكن التوسع في معرفة انحرافات الترابي بالرجوع لكتاب " الرد القويم لما جاء به الترابي والمجادلون عنه من الافتراء والكذب المهين " للشيخ الأمين الحاج محمد أحمد .
 
الخاتمة :
إن فساد البداية في فهم الدين سينتج عنه فساد كبير في النهاية التي يصل لها الشخص أو الحركة، فهل يراجع الجميع أنفسهم قبل فوات الأوان؟ ونجد أنفسنا أمام ترابي جديد ؟
وهل يقوم علماء أهل السنة بواجبهم من التصدي لقيادة العمل الإسلامي لحمايته من تهور الشباب وجهلهم ومن ضلال وانحراف بعض قادته ؟
 
 
 
 
 

1- مجلة المنار الجديد ، عدد 9 .
 
 
 
 
الاسم:  
عنوان التعليق: 
نص التعليق: 
خانة التحقق