كتاب الشهر\العدد الواحد والثلاثين - محرم 1427هـ
الفاطمية دولة التفاريح والتباريح
الثلاثاء 9 مايو 2006
الفاطمية دولة التفاريح والتباريح

                                                الفاطمية دولة التفاريح والتباريح

يشكل كتاب "الفاطمية دولة التفاريح والتباريح" لمؤلفه الأستاذ جمال بدوي، إضافة هامة للدراسات الحديثة عن الدولة العبيدية الفاطمية كمّا ونوعاً.

ولعلّ الإضافة النوعية التي شكلها هذا الكتاب الصادر عن دار الشروق بالقاهرة سنة 2004م تكمن في اعتبار المؤلف أن كتابه ليس سجلاً لتاريخ الدولة الفاطمية التي حكمت مصر زهاء قرنين، "ولكنه محطات توقفتُ عندها وأنا أصاحب هذه الدولة من بدايتها إلى نهايتها".

ويريد المؤلف في "محطاته" هذه أن ينبهنا إلى "الدعاوى الدينية والمذهبية التي جاء بها الفاطميون على أسنة الرماح، وفرضوها على الشعب بمقتضى حق الفتح الذي يعطي للدولة الغالبة سلطة تغيير الموروث الثقافي والاجتماعي. والمؤلف هنا يشير إلى ما نشره العبيديون الفاطميون من عقائد الشيعة الإسماعيلية في مصر السنيّة.

وعن الظروف التي ساعدت العبيديين في احتلال مصر، وفرض عقيدتهم، والآثار التي ترتبت على ذلك يقول بدوي: "وما كان للفاطميين أن ينجحوا في غلبة مصر لولا ضعف النظام الحاكم، وغفلة الشعب المحكوم، والفراغ الذي أتاح للعملاء والطابور الخامس أن يمهد الأرض للجيش القادم ليملأ الأرض عدلاً بعد أن ملئت جوراً... فامتلأت الأرض خللاً واضطراباً وإلحاداً".

التفاريح والتباريح

ارتبط اسم الفاطميين في مصر بالاحتفالات والأعياد، فإليهم ترجع ظاهرة الاحتفال بذكرى المولد النبوي، والإسراء والمعراج، وليلة النصف من شعبان، وعلى حد تعبير المؤلف فإن الفاطميين جعلوا من هذه المناسبات "فرصة للتفاريح" و"خرجوا بها من المسجد إلى الشارع واصطنعوا لكل مناسبة نوعاً خاصاً من الحلوى...".

لكن ما يلفت المؤلف إليه هنا إلى أن الفاطميين لم يكونوا أهل فرح ومرح ولهو، أو دولة "تفاريح" كما يتبادر إلى الذهن، فالمعز لدين الله كان رجل دولة من الطراز الأول، واستطاع تأسيس إمبراطورية مترامية الأطراف، لكنها "جعلت من التفاريح ستاراً يخفي حقيقة أمرها، ويغطي مراميها وأهدافها البعيدة".

إن الذي أراده الفاطميون من خلال إغراق المصريين بالاحتفالات هو أن ينصرفوا عن البحث في طبيعة النظام الجديد وأهدافه ومراميه، خاصة وأن هذه الدولة كانت ثمرة دعوة سرية يحيط بها الغموض، وكان أول حكامها عبيد الله المهدي شخصية غامضة اضطربت الأقوال في صحة انتسابه إلى آل بيت النبي صلى الله عليه وسلم.

كما هدف الفاطميون إلى الظهور بمظهر المتسامح الذي لا يفرق بين مذهب ومذهب، ذلك أنهم كانوا يتبعون المذهب الشيعي الإسماعيلي، وقاموا باحتلال بلد، أهله على مذهب السنة الذي يخالفه الفاطميون ويحاربونه.

وحول فكرة التسامح والحرية الدينية التي ادّعاها الفاطميون، يعيدنا المؤلف إلى بدايات الدولة الفاطمية في مصر، حين أعلن قائد حملتهم جوهر الصقلي إلى أهل مصر بأن الحكم الجديد يلتزم بتركهم على مذهبهم، وعدم التدخل في شؤونهم الدينية، وهو ما أطلق عليه المؤلف (البيان رقم واحد)، لكنّ النظام الجديد لم يلتزم بعهوده بعد أن ثبتت أركانه، وأخذ يعمل بكل ما أوتي من قوة إلى استمالة المصريين إلى المذهب الرسمي للدولة "وعلى تغيير البنية المذهبية حتى يصبح الشعب المصري على دين ملوكه... شيعيّاً إسماعيليا باطنياً".

وبحسب المؤلف فإن الفاطميين رغم جهودهم الكبيرة والمدروسة في نشر مذهبهم، إلاّ أنها لم تثمر في الشارع المصري، وظل المصريون رغم خدمتهم في مؤسسات الدولة في موقف المستريب من فكرها وعقيدتها ومذهبها.

الأزهر.. الأثر الباقي

وفي هذه "المحطة" يتحدث الأستاذ بدوي عن الأزهر، الذي بناه العبيديون ليكون مركزاً لنشر المذهب الشيعي. "وكان الفاطميون يطمحون إلى قيام نظام سياسي ومذهبي في مصر مما يتطلب قيام مؤسسات ثقافية وإعلامية تقوم بمهمة ذيوع مذهب الدولة الرسمي وكسب القلوب حوله، وكان لابد أن يقوم الأزهر ـ الجامع ـ ليحمل مهمة الدعوة للمذهب الجديد".

وفي 6 رمضان سنة 361هـ أقيمت أول صلاة جمعة في الأزهر، بعد أن تم الانتهاء من بنائه الذي استغرق عامين، وحملت أول خطبة ألقيت على منبره تحولاً كبيراً، إذ أمر جوهر الصقلي بقطع الدعاء للخليفة العباسي، والدعاء للخليفة الفاطمي. والمعروف أن الدعاء للحاكم في خطبة الجمعة يمثل اعترافاً بشرعية الحكم.

ولم يكتفِ جوهر بذلك إنما أمر بأن يقال في الخطبة: "اللهم صلِّ على محمد المصطفى، وعلى عليّ المرتضى، وعلى فاطمة البتول، وعلى الحسن والحسين سبطي الرسول، الذين أذهب الله عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا، وصلِّ على الأئمة الطاهرين آباء أمير المؤمنين المعز لدين الله". كما أضاف جوهر إلى الأذان عبارة "حي على خير العمل".

ثم صار الأزهر أشبه بخلية نحل، تنتشر فيه الحلقات والدروس التي تروج لمذهب الإسماعيليين، والتي كان يشرف عليها ويحضرها المعز الفاطمي وكبار رجالات الدولة، وصار يفد إلى الأزهر الطلاب من مختلف أنحاء العالم.

ومع تطور الدعوة الفاطمية، في عهد الحاكم بأمر الله، الذي دعا الناس إلى تأليهه تم إنشاء (دار الحكمة) لتكون أكثر تخصصاً في إعداد الدعاة للمذهب الإسماعيلي، وكان الطلاب يدرسون بها بعد أن يتموا علومهم في الأزهر، بحيث غدت هذه الدار أشبه بكلية أو جامعة للدراسات العليا، ولا يقبل بها إلاّ من أوتي حظا كبيراً في علوم الدعوة الجديدة، أي تأليه الحاكم بأمر الله.

قاهرة الدنيا

وهنا يتحدث المؤلف عن ظروف إنشاء مدينة القاهرة على يد جوهر الصقلي، على رغم وجود أماكن كانت صالحة ليقيم بها الفاطميون، كالإسكندرية، والجيزة، والفسطاط، لكن إحدى الروايات التي عرضها المؤلف تقول أن التنجيم والمنجمين لعبوا دوراً في اختيار المكان، بحيث لا يخرج البلد من نسل الفاطميين أبدا!!

إلا أنه يطالب القارئ بأن لا تصرفه مثل هذه "الأساطير" عن رؤية الهدف الحقيقي من بناء القاهرة، وهي "أن تكون عشّاً للدولة الجديدة التي اعتزمت البقاء في مصر إلى الأبد"، وبذلك ينطلق الفاطميون من مصر ليثبوا نحو المشرق الإسلامي، وتحديداً نحو بغداد عاصمة الخلافة العباسية، ولعل رغبة الفاطميين في أن تكون مصر ركيزة إمبراطوريتهم في مرحلتها الثانية، بعد أن شهدت المغرب مرحلة النشوء، تقتضي بأن تكون لهم في مصر مدينة عسكرية ملكية مستقلة عن المدن والحواضر الإسلامية التي قامت في مصر منذ دخلها الإسلام.

وبدأ الحكام العبيديون يشيدون قصوراً لا مثيل لها، فقد أقيم قصر المعز على مساحة سبعين فدّاناً، وأمامه من الناحية الغربية أنشأ العزيز ابن المعز القصر الغربي أو القصر الصغير، وعندما زار الرحالة الفارسي ناصر خسرو القاهرة سنة 438هـ هاله منظر القصر الكبير ووصفه بأنه "قصر شاسع تراه من خارج المدينة كأنه جبل نظراً لضخامة مبانيه وارتفاعها، ولا يمكن أن تراه من داخل المدينة إذ تحيط به أسوار شاهقة الارتفاع، ويقال إن هذا القصر يضم من الحشم إثنى عشر ألف نفس".

واتسعت القاهرة، وانتشرت فيها القصور والمباني الشاهقة، وافتتن الناس بما صنع الفاطميون، لكن المؤلف يحذرنا من أن "هذا البذخ إنما كان ستاراً لتغطية المبادئ والأفكار التي قامت عليها الدولة الفاطمية، وأرادت أن تصوغ حياة المصريين وفقاً لهذه الأيديولوجية، وأن تجعل من النعيم والترف وسيلة لإغراء أهل مصر على اعتناق المذهب الإسماعيلي".

كما تفنن العبيديون بإقامة الحفلات والليالي والأعياد، بحيث غدا عصرهم أشبه بليالي ألف ليلة وليلة، لكن المصريين برغم ذلك كانوا ينظرون إلى هؤلاء نظرة الريب والشك، لاسيما وأنهم زعموا أنهم ينتسبون إلى أهل البيت دون أن يكون لديهم ما يؤكد صحة هذا النسب، كما كانوا يدّعون معرفة الغيب ومكنونات الصدور. ويروى في هذا الصدد أن العزيز الفاطمي صعد يوماً المنبر ليخطب الجمعة، فوجد رقعة كتب فيها:

             بالظلم والجور قـد رضينا        وليس بالكفر والحماقة

إن كنتَ أعطيتَ علم غيب        فقل لنا كاتب البطـاقة

يا أهلاً بالفواطم!

وفي هذه المحطة، يقرر المؤلف أن المصريين رحّبوا بالجيش الفاطمي، رغم أنهم كانوا من معارضي التيار الشيعي منذ أحداث الفتنة التي وقعت بعد اغتيال أمير المؤمنين عثمان بن عفان رضي الله عنه، ويتساءل "كيف حدث هذا التحول الجذري"؟

ويعتبر أن سبب ذلك الواقع البائس الذي كان يعيشه المصريون اقتصادياً واجتماعياً في ظل دولة الإخشيديين، التي ضعفت بعد وفاة كافور، كما أن الدعوة الفاطمية تعتمد اعتماداً كبيراً على الدعاية... ولذلك بعثت إلى مصر قبل احتلالها عددا من عيونها ودعاتها وجواسيسها، كانت مهمتهم أن يضعفوا الروح المعنوية للمصريين، ويبشروهم بالخلاص مما هم فيه من ضنك.

الحاكم بأمر الشيطان

وهو اللقب الذي أطلقه المؤلف على الحاكم الذي ادّعى الألوهية، وأمعن في القتل والبطش، واتسمت سياسته بالتناقض الشديد، وتسمى باسم "الحاكم بأمر الله"، إذ لا يمكن لمن كان هذا وصفه أن يكون حاكماً بأمر الله، إنما هو حاكم بأمر الشيطان.

ويعيدنا المؤلف في بداية هذه المحطة إلى سنة 386 هـ (996م)، وهو العام الذي مات فيه العزيز الفاطمي، وبحسب نظام الوراثة في العقيدة الإسماعيلية، فقد آل الحكم إلى ابنه الحاكم بأمر الله، وكان حينها طفلاً لم يتجاوز الحادية عشرة من عمره، فتولى الوصاية عليه أستاذه ومعلمه "برجوان" مدة 4 سنوات، انتهت بفاجعة تمثلت بانقلاب التلميذ ذي الأعوام الخمسة عشر على أستاذه، وقتله غيلة كي ينفرد بالحكم دون وصاية أو إرشاد من أحد.

يقول المؤلف: "وفي رأي كثير من المؤرخين أن هذا الحادث كان بداية تحول الحاكم بأمر الله إلى طاغية جبار لم يشهد التاريخ له نظيراً في غرابة الأطوار، والاستهانة بالدماء".

ثم يشير بدوي إلى أن هذا العام (390هـ) شهد أيضاً حادثاً أشد هولاً وأفدح أثراً من اغتيال برجوان، ذلك هو عزم الحاكم بأمر الله على نقل مناسك الحج إلى مصر، ونقل جسد النبي صلى الله عليه وسلم، وصاحبيه أبي بكر وعمر رضي الله عنهما من المدينة المنورة إلى القاهرة، وهي الحادثة التي أشار إليها الجغرافي الأندلسي أبو عبيد البكري المتوفى سنة 487هـ. ولكن الله أحبط مسعاه وحمى رسوله وصاحبيه من عدوانهم .

ويسرد المؤلف أقوال المؤرخين في فساد عقيدة الحاكم وبطشه وظلمه وتعطشه للدماء، وتناقضه، حتى أن جميع وزرائه قتلوا على يديه بأبشع وسائل القتل "وهكذا هبت على المجتمع القاهري ريح من الرهبة والفزع، وأصبح اسم هذا الخليفة الفتى مثار الرعب في نفوس الناس".

و بعد بيان شيء من جرائمه، يؤكد المؤلف أن جريمة كبيرة اقترفها هذا الحاكم تمثلت في ادعائه الألوهية، و "رعايته للدعوات الإلحادية التي هبت على مصر من جانب دعاة الفرس الإسماعيليين الذين وجدوا في شخصية الحاكم  واضطرابه العقلي، فرصة سانحة للكشف عن أغراضهم الخبيثة في هدم الإسلام، وصارت مصر مهداً خصباً لطائفة من الدعاة السريين".

مولد الدرزية

والإشارة إلى جريمة تأليه الحاكم من دون الله، أتبعها المؤلف بقصة مولد المذهب أو الدين الدرزي، الذي تمحور حول ألوهية الحاكم، وتولى كبره حمزة بن علي الزوزني، وهو الأمر الذي تحدثنا عنه في الراصد عدة مرات.

عهد المستنصر

وأطلق عليه المؤلف "بداية النهاية" إذ شكل عصر المستنصر الفاطمي نقطة تحول في تاريخ الدولة العبيدية الفاطمية، والانتقال بها من عصر القوة والازدهار إلى عصر الضعف والاحتضار.

وقد آلت "الإمامة" إلى المستنصر سنة 427هـ، بعد أبيه "الظاهر"،وكان عمره سبع سنوات، فتولت الأم الحكم نيابة عن طفلها. و"كانت مصر في ذلك الوقت تعاني من الصراع الدموي بين طوائف الجند الذين جلبهم الخلفاء الفاطميون من شتى الأجناس، وجعلوا منهم قوام الجيش.... وكانت أم المستنصر تعمل على تغيير الوزراء و استبعادهم أو تقريبهم بصورة لم يسبق لها مثيل حتى بلغ عدد الوزراء الذين تولوا السلطة التنفيذية أربعة وخمسين وزيرا خلال فترة زمنية لا تزيد على ستة عشر عاما  ".

المسمار الأخير: تواطؤ الفاطمية مع الصليبية

والمؤلف هنا يتحدث عن الحملة الصليبية الأولى على بلاد المسلمين في ختام القرن الحادي عشر الميلادي، ويؤكد أن تلك الحملة قذفت آخر مسمار في نعش تلك الدولة، إذ أن الفاطميون لم يكتفوا بلعب دور العاجز عن الدفاع عن أراضي المسلمين، إنما تواطأوا مع الصليبيين، وشجعوهم على التوغل في بلاد الشام، من أجل القضاء على الدولة السلجوقية السنية، بل وعقد الفاطميون والصليبيون اتفاقا بينهم لاقتسام بلاد الشام سرعان ما نقضه الصليبيون ليشقوا طريقهم نحو احتلال القدس وفلسطين.

 

وفي الكتاب الذي صدر في 152 صفحة، فصول أخرى قيمة عن هذه الدولة ، كنا قد تناولناها في زوايا أخرى من الراصد مثل انقسام الدعوة الإسماعيلية بعد وفاة المستنصر،ونشأة فرقة الحشاشين من رحمها، وهي التي أخذت توجه سهامها نحو علماء المسلمين وحكامهم حيث قتلوا وزير دولة السلاجقة الفذ نظام الملك، وحاولوا قتل السلطان صلاح الدين .

 

 

 
 
 
 
الاسم:  
عنوان التعليق: 
نص التعليق: 
خانة التحقق