كتاب الشهر\العدد السابع و العشرين - رمضان 1426هـ
أخبار القرامطة
الأحد 14 مايو 2006
أخبار القرامطة

 أخبار القرامطة

في الإحساء ـ الشام ـ العراق ـ اليمن

تأليف: الدكتور سهيل زكار

"لاقى تاريخ القرامطة في العصر الحديث، وما زال يلاقي عناية كبيرة من قبل عدد كبير من الباحثين... وتتفاوت دوافع الباحثين: فبعض المستشرقين قد بحث تفتيشاً عن التناقضات في تاريخ العرب والإسلام، وبعض آخر استهدف التعرف إلى حقائق تاريخية وقعت، أما بالنسبة للعرب فبعضهم بحث انطلاقاً من قاعدة الأوائل في الملل والنحل، ولم يخرج عن نطاق الكفر والإيمان والحلال والحرام إلاّ قليلاً، وبعضهم الآخر آمن بالاشتراكية فأخذ يبحث في التراث عن السوابق".

هكذا يبدأ د. سهيل زكار التقديم لكتابه (أخبار القرامطة في الإحساء ـ الشام ـ العراق ـ اليمن) الصادر عن دار الكوثر في الرياض سنة 1410هـ (1989م) في حين صدرت طبعته الأولى قبل ذلك بأربع سنوات.

وينبه المؤلف في مقدمته إلى أن هذا الاهتمام بالقرامطة يبعث على الارتياح، لكنه في الوقت نفسه يثير شيئاً من القلق والارتياب، وعلى حد تعبير المؤلف، فإن بعض الكتاب العرب أراد "عصرنة حركة القرامطة"  بجعلها تشبه بعض ما شهده عصرنا من حركات، ويشير إلى أن جل الباحثين ركز جهوده على قرامطة العراق والإحساء، وأهمل قرامطة اليمن، وقرامطة الشام، فأراد د. زكار أن يجعل كتابه الذي تجاوزت عدد صفحاته الـ 700، موسوعة مختصة بالقرامطة تراعي الحقائق الموضوعية والرؤى التحليلية ـ على حد قوله ـ .

الفصل الأول: الدعوة الإسماعيلية وقيام الدولة الفاطمية

وقبل الشروع بلُبّ الموضوع، وهو "القرامطة"، قدّم المؤلف بتمهيد من عدة مباحث عن تاريخ الخلفاء الراشدين، والأمويين، والعباسيين، ثم تحدث عن الدعوة الإسماعيلية المبكرة، وقيام الدولة العبيدية الفاطيمة، في الشمال الأفريقي في بادئ الأمر، ثم في مصر، وهي الدولة التي خرج القرامطة الإسماعيلية من عباءتها، مخصصاً لذلك الفصل الأول من كتابه.

لكن المؤلف لم يكن موفّقاً في بداية تمهيده (ص 13) عند تناوله للفترة التي شهدت مرض النبي صلى الله عليه وسلم، ووفاته، واجتماع الصحابة في سقيفة بني ساعدة لاختيار خليفة المسلمين، إذا ادّعى "أن الأمة الإسلامية واجهت أولى أزماتها السياسية الصعبة داخلياً يوم مرض النبي صلى الله عليه وسلم مرضه الأخير، وساعة وفاته، ونشأت أصول الأزمة حول مسألة زعامة المسلمين بعد النبي"، ولا شك أن ذلك تصور غير صحيح لتلك الفترة، وقد تحدثنا في العدد السادس من الراصد عن حادثة السقيفة/ زاوية سطور من الذاكرة، فيمكن الرجوع إليها.

وتكمن الخطورة فيما تناوله المؤلف في تصوير حادثة السقيفة كأول نشوء للحزبية في الإسلام، الأمر الذي أدّى ـ بحسب المؤلف ـ إلى اختلاف المسلمين حول شخص الإمام أو الخليفة بعد النبي صلى الله عليه وسلم مما سبّب ظهور الفرق والجماعات، ومنها الشيعة الاثنى عشرية، والإسماعيلية التي ينتمي إليها القرامطة.

ويستمر المؤلف في تخبطه عند تناول موضوع الشورى (ص25) التي نتج عنها تولي عثمان بن عفان رضي الله عنه الخلافة بإجماع المسلمين، ثم تناوله لعصر عثمان رضي الله عنه وولاته، وبني أميّة، والفتنة التي أثارها الغوغاء في آخر عصره رضي الله عنه.

وكذلك عند حديثه عن معركتي الجمل وصفين، وعام الجماعة،... إذ أن المؤلف حاول تصوير هذه الأحداث بمثابة العداء لآل بيت النبي صلى الله عليه وسلم، واغتصاباً للخلافة منهم، الأمر الذي نتج عنه ظهور الموالين لعلي، ثم تطورهم من حزب سياسي إلى فرقه دينية، وبدا واضحاً أن المؤلف تأثر بما يشيعه الشيعة إزاء تلك الأحداث.

الدعوة الإسماعيلية:

في هذا المبحث يتناول المؤلف الحركات التي قادها أهل  البيت وأنصارهم ضد الأمويين حتى عصر الإمام جعفر الصادق (80 ـ 148هـ)، الذي يعتبره الشيعة إمامهم السادس، وبوفاته حدث الانشطار الأكبر في صفوف الشيعة إلى:

1ـ الإمامية الإثنى عشرية الذين ساقوا الإمامة بعد جعفر الصادق إلى ابنه موسى الكاظم، انتهاءً بالمهدي المزعوم، وهو إمامهم الثاني عشر.

2ـ الإسماعيلية أو السبعية الذين ساقوا الإمامة بعد جعفر إلى ابنه إسماعيل رغم موته في حياة أبيه، ومن بعده إلى ابنه محمد بن إسماعيل بن جعفر.

وعلى حد تعبير زكار، فقد انشطر الخط الإمامي إلى قسمين: محافظ وراديكالي. والذين تبعوا إسماعيل، شكّلوا بعد عمل سري طويل، فرقة "عرفت بإعدادها المحكم، وتنظميها الدقيق في مجالات الجذب العقلاني والفلسفي والثقافي العالي،مع الإثارة العاطفية، والانفعال ..."

اعتمد الإسماعيليون في بث دعوتهم على الدعاة السريين، ويؤكد المؤلف (ص64) أن الدعوة الإسماعيلية كانت ذات أهداف عالمية، ومقاصد أممية، لذلك أقدمت على تقسيم العالم إلى عدة قطاعات دعوية، دعي كل منها باسم "جزيرة"، وأرسل إلى كل جزيرة أحد الدعاة الكبار، وارتبط دعاة الجزر جميعاً بداعٍ للدعاة يتصل بالإمام مباشرة (على حد زعمهم).

وانتشر دعاة الإسماعيلية في أماكن عديدة، ولم تكد تمر سنوات على بث دعوتهم حتى تمكنوا من إقامة دولة لهم في الشمال الأفريقي هي دولة العبيديين الفاطميين التي سرعان ما احتلت مصر، ونقلت مقرها إليها، وحاولت التوسع شرقاً باتجاه بلاد الشام، والعراق حيث مقر دولة الخلافة العباسية.

قيام الدولة الفاطمية

والدولة العبيدية الفاطمية تمثل الحركة الأصلية للإسماعيلية، وقد تناولها المؤلف بشيء من التفصيل، وقسمها إلى ثلاثة أطوار:

الأول: الطور الأفريقي، ويرجع الاهتمام الإسماعيلي بشمال أفريقيا لبعدها عن بغداد، مقر الخلافة العباسية، وعدم وصول سلطان العباسيين إلى بعض مناطقها.

ويتحدث المؤلف عن الجهود التي بذلها أبو عبد الله الداعي الإسماعيلي لنشر فكرته، واستفادته من جهود من سبقوه في بلاد المغرب العربي، لتوطيد الأمور لأول حكام الفاطميين عبيد الله المهدي، الذي قامت دولته سنة 297هـ.

ويخطئ المؤلف في هذا المبحث عندما يجزم بانتساب الحكام العبيديين إلى آل النبي صلى الله عليه وسلم معتبراً أنهم من أبناء إسماعيل بن جعفر الصادق، وأن التشكيك بنسبهم الحقيقي يعود إلى تكتمهم وخوفهم الشديد من السلطات العباسية.

الثاني: الطور المصري الأول،  ويبدأ هذا الطور من قيام المعز، رابع الحكام العبيديين، بإرسال حملة بقيادة جوهر الصقلي لاحتلال مصر، مستغلاً تدهور أحوال الدولة الإخشيدية في مصر، وقد استطاع العبيديون احتلال مصر سنة 358هـ، ومنها انطلقوا محاولين احتلال الشام والعراق، وإسقاط دولة الخلافة العباسية.

وظل هذا الطور مستمراً إلى نهاية عهد العزيز بالله، خامس حكام العبيديين سنة 386هـ، وقدوم ابنه الملقب بالحاكم بأمر الله، وكان حينها طفلاً صغيراً لا يعقل.

الثالث: الطور المصري الثاني،  الذي بدأ بتولي الحاكم مقاليد الحكم، وقد اتسمت أعمال هذا الحاكم بالتناقض الشديد، الأمر الذي جعل الآراء تختلف حوله اختلافاً كبيراً. ويعزو د. زكار ذلك (ص99) إلى أن "الحاكم اتبع سياسة دينية خاصة، وكان باعثه هو محاولة إنشاء عقيدة جديدة، أو بالأحرى تحقيق ما استهدفته الحركة الإسماعيلية في الوصول إلى إعلان قيامة عظمى تلغي جميع الديانات والشرائع القائمة، وتحرر الإنسان من ربقتها، وتكشف للإنسان صور حقائق العلوم والمعارف، إنما الآن ليس بوساطة "الإمام القائم عليه السلام سابع النطقاء" ذوي العزم، بل بوساطة "الإله الواحد" الذي ينزل من عليائه إلى الأرض فتجلى لبعض الوقت ناسوتياً في شخصية عرفها الناس باسم الإمام الحاكم".

ويقدم المؤلف المزيد من المعلومات حول تأليه الحاكم، وهي العقيدة التي تمحورت حولها عقيدة الدروز، التي خرجت هي الأخرى من رحم الإسماعيلية، فيقول: "ومهما يكن الحال يبدو أن الحاكم أراد أن يجمع الناس على عقيدة واحدة طوعاً أو كرهاً، وأنه بالنظر للمعارضة الشديدة التي لقيها، ثم في سبيل نجاح حركته أراد أن يزلزل أركان دولته في مصر ومجتمعه، فكان يصدر الأوامر الغريبة ثم يلغيها ويصدر غيرها وهكذا، فلعله استهدف إقناع الناس أنه وحده فعال لما يريد".

من أجل إعلان ألوهيته ـ عياذاً بالله ـ عمد الحاكم بأمر الله إلى البطش، ذلك أن هذه الفكرة الشيطانية لا يمكن أن تصمد أمام منطق العقل. يقول د. زكار:

"ولم يكتف الحاكم بالأخذ بهذه الوسيلة (التناقض في إصدار الأوامر) بل عمد إلى الإكثار من سفك الدماء، خاصة دماء كبار رجالات الدولة، ولعلّه أراد من وراء ذلك إزالة رجال العقيدة القائمة لإحلال أتباع العقيدة الجديدة محلهم، ثم الإيحاء أنه هو وحده قادر على أخذ الحياة ممن يشاء ساعة يشاء، له الحق في ذلك كاملاً دون اعتراض..".

وعودة إلى الدروز الذين قام مذهبهم أساساً على الاعتقاد بألوهية الحاكم، فإنه لما قتل الحاكم على يد أخته ست الملك بالتعاون مع عدد من قادة الجيش ورجالات الدولة،اعتقد الدروز أن الحاكم لم يمت، إنما "ارتفع من الأرض وعاد إلى طبيعته اللاهوتية في حين توحي بعض الكتابات الدرزية المبكرة أنه تغيب بفعل رغبته ومحض إرادته..".

وفيما يتعلق باختفاء الحاكم أو غيبته التي يؤمن بها الدروز، فإن فكرة "الغيبة" تعد قاسماً مشتركاً عند الشيعة عموماً، وعند الإسماعيلية على وجه الخصوص يقول المؤلف: "هذا ولعقيدة الغيبة ـ على أنواعها ـ مكانة خاصة في الفكر الشيعي عامة والإسماعيلي خاصة".

وكان لانحراف الحاكم الذي تجاوز كل الحدود أثر في إضعاف الدولة العبيدية الفاطمية، وانهيار هذا الطور، بل وانهيار الدولة الذي أعلنه السلطان صلاح الدين الأيوبي رحمه الله سنة 567هـ.

الفصل الثاني: القرامطة

بالرغم من أن هذا الفصل لا يتجاوز الـ 50 صفحة من أصل أكثر من 700 صفحة إلاّ أنه يعتبر لب الموضوع، إذ يعرض فيها أخبار القرامطة في مناطق أربع هي: العراق، الشام، اليمن، الإحساء والبحرين.

ويؤكد المؤلف أن موضوع ظهور القرامطة يكتنفه بعض الغموض، إضافة إلى الخلاف حول مدى علاقتهم بالحركات الإسماعيلية، ففي حين يذهب معظم الباحثين والمؤرخين إلى اعتبار القرامطة جزءاً من الإسماعيلية، شذ بعضهم معتبراً القرامطة تنظيماً مستقلاً بذاته، كالمستشرق ايفانوف، الذي ارتبط بجماعة الأغاخانية الإسماعيلية بأمتن الروابط إلى حد يمكن القول فيه بأنه كان يعمل لحسابها، ولعلّ أكبر دليل يثبت انتساب القرامطة إلى الإسماعيلية وحركتها الأصلية الممثلة بالدولة العبيدية، الرسالة التي أرسلها المعز لدين الله العبيدي إلى زعيم القرامطة الحسن الأعصم، لمّا حدث الاحتكاك بين الجماعتين، وجاء فيها: "فأما أنت أيها الغادر الخائن، الناكث المباين عن هدي آبائه وأجداده، المنسلخ عن دين أسلافه وأنداده.. أما كان لك بجدك أبي سعيد (الجنابي) أسوة حسنة، وبعمل أبي طاهر قدوة، أما نظرت في كتبهم وأخبارهم، ولا قرأت وصاياهم وأشعارهم؟ أكنت غائباً عن ديارهم، وما كان من آثارهم، ألم تعلم أنهم كانوا " عباداً لنا أولي بأس شديد" وعزم سديد، وأمر رشيد، وفعل حميد، تفيض إليهم موادنا، وتنشر عليهم بركاتنا، حتى ظهروا على الأعمال، ودان لهم كل أمير ووال، ولقبوا بالسّادة فسادوا منحة منا واسما من أسمائنا".

ويستعرض المؤلف، الأقوال الكثيرة في أصل كلمة "قرامطة" والتي يشير أحدها إلى "أن بعض دعاتهم نزل برجل يقال كرميته، فلما رحل تسمى قرمط بن الأشعث، ثم أدخله في مذهب" في حين يقال أنهم، "لقبوا بهذا نسبة إلى رجل من دعاتهم يقال له حمدان بن قرمط. وكان حمدان من أهل الكوفة..".

أما ظهور القرامطة للمرة الأولى، فقد كان في سواد الكوفة في العراق،ويرجع د. زكار تمركز القرامطة في الكوفة واختيارها دون سواها "للتفجير العسكري" فيعود إلى أنها تميزت دوماً بطابعها الشيعي، منذ أن كانت عاصمة لعلي بن أبي طالب رضي الله عنه، كذلك فإن القرامطة استفادوا من الظروف التي خلفتها ثورة الزنج في جنوب العراق، التي كانت نشطة خلال تلك الفترة، وقد أدت ثورة الزنج هذه إلى إضعاف الدولة العباسية واستنزاف جهودها، وتسببت في حالة استياء عام عند الناس.

أقسام القرامطة:

1ـ قرامطة العراق

وهم يشكلون نواة القرامطة، وأول دعاتهم الذين نشطوا في سواد الكوفة هو الحسين الأهوازي، الذي أرسله عبد الله بن ميمون القداح، وسرعان ما استدرج الأهوازي حمدان قرمط، وضمه إلى مذهبه، ليبدأ عملاً دؤوباً لهذه الدعوة الجديدة مستفيدين من انشغال الخلافة بأوضاعها، والثورات التي تحدث ضدها هنا وهناك.

2ـ قرامطة الشام

ويعود وجودهم إلى انتشار دعاة الإسماعيلية بين صفوف قبيلة كلب، التي كانت تسيطر فعلياً على جنوب بلاد الشام زمن الدولة العباسية التي أهملت بلاد الشام.

ويعود نشاطهم الأول في بلاد الشام إلى توجه أبي القاسم محمد بن زكرويه من السلمية نحو كلب في منطقة دمشق ولقائه بزعماء بني العليص وقد اتفق معهم على الثورة، وتفجير الحركة في مزة كلب، وكانت تهدف إلى الاستيلاء على مدينة دمشق التي كانت فعلياً تحت سيطرة الطولونيين، الذين استقلوا بمصر وأجزاء من بلاد الشام عن الدولة العباسية.

بدأت ثورة الإسماعيلية وبعض القبائل سنة 298هـ، وأعلن أبو القاسم عن نفسه إماماً إسماعيلياً باسم "محمد بن عبد الله بن يحيى" وادّعى أنه من ولد إسماعيل بن جعفر الصادق.

ثم تابع المهمة من بعده أخوه أحمد الملقب "بصاحب الخال"، الذي سعى للاستيلاء علي المناطق المحيطة بدمشق، ثم توجه نحو وسط بلاد الشام، فأخذ حمص وزحف من هناك إلى السلمية فدمرها وأباد كل من كان فيها.

عندها أرسلت الدولة العباسية حملة لتأديبهم لكن القرامطة اعترضوها قبل وصولها إلى حلب وهزموها، وحاولوا الاستيلاء على حلب لكنهم فشلوا وبعد هذا احتلوا معرة النعمان، وحاول صاحب الخال إقامة دولة قرمطية في وسط الشام، حيث بث ولاته في أعمال حمص، وضرب الدنانير والدراهم وكتب عليها: المهدي. المنصور. أمير المؤمنين (نسبة إلى الحكام العبيديين).

وشعر الخليفة العباسي المكتفي بجسيم ما وقع بالشام، وبعجز السلطات الطولونية، فقرر حشد قوات دولته، والتوجه على رأسها نحو بلاد الشام لتأديب القرامطة، وبحلول سنة 291هـ، التقت جيوش العباسيين بالقرامطة شمال مدينة حماة، وأوقعت بهم ضربة ماحقة "قتل منهم وأسر أكثر من عشرة آلاف رجل، وشرد الباقون في البوادي".

ثم قبض على صاحب الخال عند هربه، وأعدم مع عدد من أصحابه.

ويشير المؤلف في ختام حديثه عن قرامطة الشام، إلى أن نشاطهم في الشام كان هامشياً، كونهم اعتمدوا على القوة المسلحة، وأهملوا أعمال الدعوة السلمية والتبشير بأفكارهم، وأنهم اقتصروا على المناطق المتطرفة والنائية.

3ـ قرامطة اليمن

ويعود وجودهم إلى نشاط اثنين من دعاة الإسماعيلية في اليمن، هما: علي بن الفضل، والحسن بن فرج بن حوشب المعروف باسم (منصور اليمن)، وقد حققا نجاحات كبيرة، واستطاعا الاستيلاء على عدد من الحصون، والانتصار في بعض المعارك، ومنذ عام 270هـ دخل في دعوتهما باليمن خلق كثير، وشجعت هذه النجاحات الإسماعيلية في دول أخرى للهجرة إلى اليمن.

وعندما التقى علي بن الفضل بداعي الدعاة الإسماعيليين فيروز، أعلن عن "قيامة كبرى" وقال لأصحابه: "أنا الإمام المهدي الذي كنت دعوتكم إليه، فاحلقوا رؤوسكم" فحلق منهم قدر مائة ألف نفس يظنون أن ذلك شيء من الدين، وأباح لهم ما حرم عليهم، وقال: "إنما الجنة التي ذكرها الله في كتابه هي الدخول في اللذات المكتومات عن هذا الخلق المنكود... وقد أبحت لكم إظهارها" فصدقوه، وانتهكوا المحارم، ونسخ لهم الشرائع وادّعى بعد ذلك أنه نبي نسخ الله تعالى به نبوة محمد صلى الله عليه وسلم.

وقد أمر علي بن الفضل الجواري أن يضربن بالدفوف على المنبر، ويغنين بشعر قاله، منه:

خذي الدف يا هذه واضربي       وغني هزاريك ثم اطربي

تولى نبي بني هــاشــم         وهذا نبـي بنـي يعرب

لكن نبي مضى شــرعة        وهذى شرائــع هذا النبي

فقد حط عنا فروض الصلاة       وحط الصيــام فلم تتعب

إذا الناس صلوا فلا تنهضي       وإن صوموا فكلي واشربي

ولا تطلبي السعي عند الصفا      ولا زورة القبر في يثـرب

 

ويتساءل المؤلف في نهاية حديثة عن قرامطة اليمن عن السبب الذي يجعل دعاة القرامطة يلقون استجابة عالية من الناس في الوقت الذي لا يقدمون لهم أية برامج اقتصادية أو اجتماعية، ومن وجهة نظر المؤلف فإن الإجابة على هذا التساؤل هي اتقان القرامطة والإسماعيلية "لفن استغلال الصراع الطبقي"، مستشهداً بشعر علي بن الفضل الذي بدت منه ريح العصبية القبلية بشكل واضح.

ويحدثنا د. زكار عن نهاية القرامطة في اليمن، فبعدما أعلن علي بن الفضل ما أعلنه، دخل في صراع مع ابن حوشب، استغله حكام اليمن، واستولوا على حصونهما، ومات ابن الفضل بعد عدة شهور من موت ابن حوشب سنة 303هـ، "وهكذا طويت هذه الصفحة من تاريخ القرامطة دون أن تترك أية آثار لها صفة الديمومة الإيجابية النافعة، أو الملهمة".

4ـ قرامطة الإحساء والبحرين

يقرر المؤلف في البداية أن تاريخهم حظي بعناية كبيرة من قبل الباحثين، حتى أن تاريخ القرامطة بات بالنسبة لبعض الباحثين هو تاريخ قرامطة البحرين، ولهذا أهملوا تاريخ قرامطة الشام واليمن، وجاء البحث في قرامطة العراق بمثابة مقدمة لتاريخ طائفة الإحساء والبحرين.

وترتبط بدايات الدعوة القرمطية بالبحرين بالحركة القرمطية في سواد الكوفة أيام حمدان بن الأشعث، فقد جرى إرسال داعية إلى منطقة هجر في البحرين يدعو بين قبائلها سنة 281هـ. هذا الداعية يعتقد أنه أبو زكريا يحيى بن علي الطمامي.

وسرعان ما تم إرسال داعية آخر هو أبو سعيد الحسن بن بهرام الجنابي، ثم مالبث الجنابي أن قام بتصفية الطمامي، وقد اعتبر د. زكار أن هذا القتل يشكل بداية تمرد على دعوة العراق.

بدأ أبو سعيد نشاطه في بلدة هجر قصبة البحرين، ولقي مساعدة إحدى القبائل وسرعان ما استطاع تأسيس دولة هناك، ثم توسع نحو الإحساء، واهتم بتوجيه الأطفال وتعليمهم دعوته، إذ جمع صبيان أتباعه "في دور وأقام عليهم ما يحتاجون إليه، ووسمهم لئلا يختلطون بغيرهم، ونصب لهم عرفاء، وأخذ يعلمهم ركوب الخيل والطعان، فنشأوا لا يعرفون غير الحرب، وقد صارت دعوته طبعاً له". وبوساطة هؤلاء عندما غدوا رجالاً أمّن الجنابي العمود الفقري لدولته.

وفي سنة 301هـ قتل أبو سعيد، وتسلم السيادة بعده ابنه سعيد، وفي عهده ساد الهدوء بين القرامطة والعباسيين، حتى سنة 305هـ، عندما خلع سعيد، وحل محله أخوه أبو طاهر سليمان.

وفي عهد الأخير، نشط القرامطة عسكرياً بشكل كبير، وتركز نشاطهم بصورة خاصة ضد قوافل الحجيج، وجاء هذا متزامناً مع استتاب الأمور للمهدي العبيدي في أفريقيا، وشروعه في إرسال الجيوش إلى مصر لاحتلالها.

يقول د. زكار (ص152): "ويبدو أن الاتصالات قد قامت في هذه الآونة بين الخلافة الفاطمية والقرامطة، ووضعت الخطط للتنسيق في الجهود العسكرية بين الطرفين، والذي طلبته الخلافة الفاطمية من القرامطة هو الضغط على العراق، والضغط أيضاً على السلطات الإخشيدية في الشام وهذا ما حصل".

وقد حفلت الكتب بجرائم أبي طاهر بحق المسلمين، وقد وصلت الذروة في عام 317هـ بمهاجمة مكة في موسم الحج، وقتل الحجاج مع أهل مكة واقتلاع الحجر الأسود من الكعبة، ويروى أن أبا طاهر كان قد وقف أثناء الفتك بالحجاج على باب الكعبة يلعب بسيفه وينشد ويقول:

أنـا بالله وبالله أنـا               يخلق الخلق وأفنيهم أنا

وأنه أنشد إثر انصرافه من مكة:

ولو كان هذا البيت لله ربنـا       لصبّ علينا النار من فوقنا صبّا

لأنا حججنا حجة جاهليــة      مجللة لم نبق شرقا ولا غربـا

وأنا تركنا بني زمزم والصفا       جنائز لا تبغي سوى ربها ربـا

يصف د. زكار ما اقترفه القرامطة في البيت الحرام بـ "حملة بربرية قصدت إلغاء الحج وذلك تمهيداً لإعلان قيامة عظمى". وفي موضع آخر من الكتاب يشرح المؤلف سبب تركيز القرامطة على مهاجمة الحجاج وقوافلهم والإفساد في مكة وذلك يعود إلى ما يؤمن به الفكر الإسماعيلي من أن (الإمام) هو آخر المراحل السبعة، وأنه ناسخ الشرائع، ومعلن الحرب على معارضيه.

وبتفصيل أكثر يقول زكار ص 115: "أراد القرامطة ما أرادته الدعوة الإسماعيلية إيقاف الحج بشكل نهائي بوساطة مهاجمة قوافل الحجيج وقطع طرق الحج... لأن القرامطة اعتقدوا أنه مغناطيس القلوب "يجذب الناس إليه من أطراف العالم".

ويقول: " إن الحج هو شعيرة تميز بها الإسلام، وهي الشعيرة الوحيدة التي تعلن بشكل عالمي ظاهري عن استمرارية الإسلام.. واستمرار الحج معناه إخفاق العمل في سبيل إعلان القيامة، ونجاحها في تعطيل الشريعة، وإحلال دين الكشف الذي سيأتي به القائم محلها".

فيما بعد قام صراع قرمطي عبيدي، وكان في زعامة القرامطة الحسن الأعصم، وكان على رأس الدولة العبيدية المعز لدين الله، واستمر الصراع حتى أيام ابنه العزيز، لكن اتفاقاً تم التوصل إليه بين الطرفين لتهدئة الأمور، وأن يدفع العبيديون للقرامطة أتاوة سنوية قدرت بسبعين ألف دينار وبعد وفاة الأعصم، استمرت دولة القرامطة ما يزيد على قرن إلى أن تم القضاء عليها بثورة العيوني بمساعدة السلطان السلجوتي ملكشاه سنة 469هـ.

الفصل الثالث

وهو أطول فصول الكتاب، وفيه يعرض د. زكار للمراجع التي استقى منها معلومات الكتاب، ويعرف بمصنفيها. وقد احتل هذا القسم من الكتاب أكثر من 470 صفحة.

 

 
 
 
 
الاسم:  
عنوان التعليق: 
نص التعليق: 
خانة التحقق