كتاب الشهر\ العدد الخامس والثلاثون - جمادي الأولى 1427هـ
تركيب المجتمع السوري
الأحد 18 يونيو 2006
تركيب المجتمع السوري

 تركيب المجتمع السوري

" رؤية إسلامية مبكرة لحل الإشكال ، العرقي ، الطائفي ، الحزبي في سوريا "
تأليف الدكتور محمد المبارك
 
هذا الكتاب في الأصل دراسة أنجزها المؤلف سنة 1958م ، وقدمها للقيادة السياسية لدولة الوحدة السورية – المصرية ، ولم ينشرها المؤلف في حياته وأذن بذلك الورثة مؤخراً .
وقد اعتنى بها ونشرها باسل الرفاعي ، والذي قدم لها بمقدمة تحليلية جيدة ، ونبذة عن المؤلف جاء فيها : أن الدكتور محمد المبارك هو من مؤسسي جماعة الإخوان في سوريا ، وهو قد جمع بين الدراسة النظامية والشرعية ، فتخرج من كلية الحقوق ومن مدرسة الآداب العليا عام 1935م ومن ثم ابتعث لجامعة السوربون في فرنسا ، وفي نفس الوقت تلقي العلم عن كبار علماء سوريا .
وكان نائباً في أول مجلس للبرلمان السوري ، وتجدد انتخابه مرتين ، ومن ثم عين وزيراً أربع مرات ، وله العديد من المؤلفات القيمة .
والكتاب صدر عام 2003م عن دار عمار – الأردن و يقع في 116 صفحة من القطع المتوسط .
 
ينطلق المؤلف في كتابه هذا من قناعته أن الوصول لفهم صحيح لأي مجتمع يبدأ من معرفة العناصر التي يتكون منها ، ولذلك درس تركيبة المجتمع السوري وقسمها إلى :
1-   العناصر القومية . 2- الأديان والطوائف . 3- العقائد والتيارات الفكرية والحزبية .
 
أولاً : القوميات :
1-العرب : وهم الأكثرية الساحقة في سوريا ، وأكثرهم متحضرون وقليل منهم بدو رحل ، يرى المؤلف أنه يمكن توجيههم للتوطن في المناطق ذات الوجود العربي الضعيف ، حتى نفشل خطط المستعمرين في جلب لاجئين غير عرب لهذه المناطق .
2-الأكراد : وهم أهم العناصر غير العربية شأناً لكثرتهم ، وهم يتمركزون في منطقة الحدود العراقية التركية ، وهم قابلون لأي أفكار منحرفة في حال شعورهم بتميز العرب عليهم أو ضعف الرابطة الدينية ، وعددهم يبلغ 350 ألفاً ، وكلهم مسلمون سنيون ، وانتشرت بينهم الحركة القومية الكردية بدعم من فرنسا ، وكذلك الحزب الشيوعي .
3-   الجركس والداغستان والشاشان : وهم المهاجرون من أواسط آسيا بعد الثورة الشيوعية ، وهم مسلمون سنيون .
4-التركمان : ويتمركزون في اللاذقية وتواجدهم هو بسبب ترسيم الحدود مع تركيا ، وهناك مجموعات مبعثرة في أماكن أخري ،  وهم مسلمون سنيون .
5-الأرمن : وهم أبرز القوميات غير المسلمة عددا ً، هاجروا لسوريا خلال الحرب العالمية الأولي ، بسبب تهجير الأتراك لهم ، وشعورهم القومي قوي وهم نشيطون في الصناعة والمهن الحرة ، ولهم مؤسساتهم الفاعلة في أوساطهم ، وينقسمون إلى كاثوليك وهم الأكثرية و أرثوذكس ، وسياسياً يتوزعون بين : يمينيين معادين للشيوعية الطاشناق ، و ديمقراطيين يساريين ، وشيوعيين ، وهم من أقدم من تقبل الشيوعية .
6-السريان : وهم الذين هاجروا من تركيا في عهد الانتداب الفرنسي ، ويسكنون في الجزيرة وعددهم 30 ألفاً ، وأكثريتهم من الأرثوذكس أما الكاثوليك فأقلية ، ويمكن أن يلحق بهم طائفتي الكلدانيون والآشوريون ، الذين هاجروا من العراق إثر الحرب العالمية الأولي .
 
وينبه الدكتور المبارك إلى أنه يمكن إزالة المشكلات الناشئة عن عدم انصهار الأقليات القومية القاطنة في سوريا بالخطوات التالية :
1-   نشر التعليم باللغة العربية بينهم .
2-   منع ما يغذي العصبيات القومية الخاصة ، من منشورات ومؤسسات .
3-تجزئة المشكلة لجزئين : الأقليات المسلمة حيث يتم هنا التركيز على المشتركات الدينية والتاريخية ، أما الأقليات غير المسلمة فيركز على الوطنية المشتركة .
 
ثانياً : الأديان والمذاهب :
يتواجد في سوريا الأديان السماوية الثلاث ، الإسلام والمسيحية واليهودية .
-   المسلمون بمختلف طوائفهم يشكلون حسب إحصاء 1956م 5,86 % .
1- وأغلبهم من السنيين 71% ، وأغلبهم من العرب وبقيتهم من الأكراد والجركس والتركمان.
2- الفرق الإسلامية : ويقسمها المؤلف إلى :
* فرق شيعية معتدلة كالإمامية وقسم من الإسماعيلية لا يتبعون للآغاخان . وهنا لابد من التعليق على صفة الاعتدال ، فإما أن يكون المؤلف غير بصير بحقيقة معتقد هذه الفرق ، أو أن هذه الفرق كانت تمارس التقية بدرجة كبيرة جداً حتى خدعت مثل المؤلف وهو العالم المتبحر ، أو أن هذه الفرق كانت تعاني من جهل كبير بمذهبها بسبب الضعف الدينى العام مما جعلها تقترب كثيراً من الإسلام وأصبح الاسم شيئاً من التاريخ ، وهذا ما نرجحه ، لكن للأسف لا يوجد من المسلمين من يدرك حقيقة هذا التقارب ويرعاه فجاء الاستعمار فنشر الطائفية من جديد ، وتولاها بعده بعض المتعصبين من هذه الطوائف حتى عادت هذه المذاهب فتية من جديد .
*– شيعة غلاة .
* – فرق ابتعدت عن الإسلام جداً كالآغاخانية و الدروز .
ثم فصلها :
أ – العلويون : يقول المؤلف إن العقيدة العلوية تطورت بشدة نحو الاقتراب من الإسلام في السنين العشرة الأخيرة ( يقصد الأربعينيات من القرن الماضي ) ([1]) ، وذلك بسبب تدريس المنهج الموحد في مناطقهم ، وتحاكمهم إلى محاكم المسلمين ، وأصبح المتدينيين منهم يصلون مع المسلمين ، ويؤكد المؤلف أنه لا توجد صلة بين العلوية وبين الشيعة الإمامية . وحول سبب تسميتهم بالجعفريين يقول المؤلف إن بعض المتعلمين منهم رأوا أن يتخلصوا من العقائد الخرافية والباطنية بالأخذ بمذهب شيعي ، وهناك رأي آخر يورده المؤلف وهو أن الفرنسيين رأوا إلحاقهم بالجعفرية لقطع الطريق على عودتهم للإسلام وذلك بمشورة المستشرقين الفرنسيين .
وهم يتركزون في حمص وحماة ( 60ألفاً في كل منهما ) وفي دمشق 6 آلاف وفي حلب 4 آلاف .
وبسبب بعد المجتمع العلوي عبر التاريخ عن المسلمين ، و ضعف انتمائهم للطائفة بحثوا عن انتماء جديد فكان الانتماء إلى الأحزاب المنحرفة كالحزب القومي السوري ، وهنا ينبه المؤلف لخطورة هذا التوجه بين العلويين مما قد يؤدى " لاتخاذ هذه الأحزاب أو التيارات الفكرية ملجأ والسعي للانحراف بها وإحلال عصبيتها محل العصبية القديمة الموروثة ، وتشويه فكرتها وصياغة الفكرة القومية صياغة يتعمد فيها إقصاء الحضارة الإسلامية والمبادئ التي آمن بها العرب " وهذا ما حصل !!
ب- الإسماعيليون : وهم فئتان في سوريا ، فئة معتدلة تسكن في حماة و حمص واللاذقية ، وفئة من الغلاة ، على اتصال بإخوانهم في باكستان الآغاخانية ، وقد منع الفرنسيون بعض العلماء الذين توجهوا لهذه الفئة بالدعوة و الهداية من دخول مناطق الإسماعيلية ، ويبلغ مجموع الفئتين 40 ألفاً .
ج – الجعفرية : وهم الشيعة الإمامية ، ويبلغ عددهم 15 ألفاً .
د – الدروز : وهم من ناحية العدد يأتون في المرتبة الثانية بعد العلويين ، حيث يبلغ عدد الدروز 125 ألفاً ، ويتركزون في مناطق الحدود بين لبنان والأردن وفلسطين المحتلة ، وهم منفصلون عن المسلمين من القديم ، ويذكر المؤلف أن محاولات الأمير شكيب أرسلان وعارف النكدي لإعادة الدروز للإسلام لم يكتب لها النجاح .
 
-   فرقة اليزيدية عبدة الشيطان ليس لهم شأن يذكر .
-   المسيحيون ويشكلون 5,12% من سكان سوريا ، وهم فئات ثلاث :
1-الأرثوذكس وهم غالب المسيحيين ( 70 % منهم ) وهي غير مرتبطة بمركز دينى خارج سوريا . وقد كان لهم مشاركة مع الحركات الوطنية السورية ، وتنتشر الشيوعية في صفوفهم وهم من أبرز الداعين للقومية العربية ولذلك أزاحوا الصبغة الإسلامية عن القومية العربية .
2-   الكاثوليك وهم روم وسريان وأرمن ومارونيون ، وفي الغالب ضد الشيوعية .
3-   البروتستانتية وهم أقلها عدداً ، ويميلون لبريطانيا وأمريكا .
وينبه الدكتور المبارك إلى أنه مع ضعف التدين في وسط المسيحيين ، إلا أن الشعور الطائفي موجود ولعل التصرفات الخاطئة في أواخر العهد العثماني سبب لهذا الشعور . وجمهور المسيحيين يهتم بمصالحه الاقتصادية مع المسلمين مما يفسح المجال للتعايش بسلام .
وهنا يعرض المؤلف لرؤيته في الجمع بين القومية العربية والإسلام من خلال إبعاد التأثير الأجنبي وتحديد القيم الروحية و الأخلاقية المشتركة بين الإسلام والمسيحية لتكون نقطة التقاء بين الطرفين ، وهذه مسألة لا تزال لليوم تحتاج لحلول عملية مثمرة لا تخالف الشرع .
 
ثالثاً : العقائد الفكرية والتيارات الحزبية : و يبين فيها المؤلف أن تيار القومية السورية نشأ حوالي سنة 1932م على يد أرثوذكسي هو أنطوان سعادة ، أما الشيوعية فقد بدأت في الأوساط غير العربية من المسلمين كالأكراد أو غير المسلمين كالأرمن .
 
وختم المؤلف دراسته بالدعوة لتكون القاعدة الشعبية التي يعتمد عليها هي العربية الإسلامية ، وتقريب كل الفئات من المواطنين غير العرب و الطوائف الإسلامية و المسيحيين لهذه القاعدة من خلال الخطوات التالية :
1- تعريب العناصر غير العربية وهي يسيرة على المسلمين منهم ، عبر طريق التثقيف الإسلامي لا عن طريق الاستعلاء العنصري . أما تعريب غير المسلمين فهو يقف عند حدود اللغة و لا يتجاوزها إلى المفاهيم .
2-   صهر الطوائف الإسلامية في بوتقة الإسلام العام ، دون صبغها بالتسنن .
3-   التركيز على إيجاد مشتركات بين المسيحية والإسلام .
 
وهكذا يكون المؤلف قد قدم لنا مشروعاً للتعايش بين مكونات الدولة السورية من وجهة نظر إسلامية ، تستحق الدراسة والتقويم لما تواجهه سوريا وغيرها اليوم من مشكلات طائفية وعرقية .
 
 

1- راجع الراصد عدد 18 ، موضوع كتاب الشهر ( الإسلام في مواجهة الباطنية ) .
 
 
 
 
الاسم:  
عنوان التعليق: 
نص التعليق: 
خانة التحقق