سطور من الذاكرة\العدد السادس والثلاثون - جمادى الثانية 1427 هـ
أبو يزيد الخارجي
الأربعاء 28 يونيو 2006
 أبو يزيد الخارجي
 
اجتهد علماء أهل السنة وقادتهم، إضافة إلى عوامهم، بمقاومة الدولة العبيدية الفاطمية، التي نشأت في أواخر القرن الثالث الهجري، وسيطرت على المغرب العربي في أول أمرها ومن ثم مصر والحجاز وبلاد الشام واليمن.
وقد كانت تلك الدولة الشيعية الإسماعيلية مثالاً على فساد المعتقد والمسلك، ونشر الشرك والبدع، ومحاربة الحق وأهله، حتى هيّأ الله لهذه الأمة، القائد صلاح الدين الأيوبي الذي تمكن من القضاء على دولتهم سنة 567 هـ (1171م).
وقد تعددت الثورات التي اندلعت ضدها، كما تعددت دوافعها ومنطلقاتها. وفي هذه السطور، نشير إلى واحدة من الثورات التي قامت على الدولة العبيدية في المغرب العربي في القرن الرابع الهجري، وهي ثورة أبي يزيد، الذي كان ينتمي إلى الإباضية الخوارج، وبمقدار ما عانى العبيديون من ثورته عانى أهل السنة أيضاً برغم الدعم الذي قدّموه لثورته.
وأبو يزيد هو: مخلِّد بن كيداد اليفرني، وهو بربري من قبائل بني يفرن الزناتية، وقد عاش فقيراً، وكان في أول أمره معلماً للقرآن، وعرف عنه الزهد والتقشف، واشتهر بأنه كان يتنقل بين القبائل بالحمار، فسمي بـ "صاحب الحمار".
وكان عام 323هـ (935م) عاماً بارزاً في تاريخ أبي يزيد، ففي هذا العام بدأ أبو يزيد ثورته على دولة بني عبيد التي لم يكن قد مضى على تأسيسها سوى عقدين ونصف،وكان يحكمها آنذاك القائم بأمر الله، وهو ثاني الأئمة الإسماعيليين في عهد الظهور، بعد أبيه عبيد الله المهدي.
وكغيره من أئمة الدولة العبيدية، عُرف القائم بفساد العقيدة، وتعصبه لمذهبه حتى قال فيه القاضي عبد الجبار الهمذاني: "وزاد شرّه على شرّ أبيه أضعافاً مضاعفة، وجاهر بشتم الأنبياء، فكان (منادي) ينادي في أسواق إفريقية والمهدية... العنوا عائشة وبعلها، العنوا الغار ومن حوى، وقتل الفقهاء والعلماء القتل الذريع، واستولى من بلدان المغرب على أكثر ما استولى أبوه.."([1])
وإذا كان هذا هو حال العبيديين، فإنه من الطبيعي أن يجتهد المسلمون في مقاومتهم، ومن هؤلاء أبو يزيد اليفرني، مستفيداً من عدة عوامل منها:
1ـ أن القائم العبيدي، كان قد استلم الحكم حديثاً، ولم يكن بحزم أبيه وقوته.
2ـ عداء قبيلة زناتة التي ينحدر منها أبو يزيد للعبيديين، وقبيلة صنهاجة التي ساندتهم([2]).
3ـ وقوف أهل السنة في صف أبي يزيد ضد العبيديين، رغم علمهم بانتمائه إلى الخوارج، وتحديداً إلى الإباضية النكّارية([3])، الذين دأبوا على توجيه سهامهم إلى المسلمين.
وكان بعض علماء أهل السنة يرون أن خطر الخوارج أقل من خطر العبيديين الإسماعيليين، وقال أحدهم، وهو أبو بكر المالكي: "إن الخروج مع أبي يزيد الخارجي، وقطع دولة بني عبيد فرض، لأن الخوارج من أهل القبلة، لا يزول عنهم الإسلام ويرثون ويورثون. وبنو عبيد ليسوا كذلك لأنهم مجوس زال عنهم اسم المسلمين، فلا يتوارثون معهم، ولا ينتسبون إليهم"([4]). وقال آخر، وهو أبو إسحاق الفقيه:هم أهل القبلة (أي الأباضيين) وأولئك (العبيديون) ليسوا أهل القبلة، وهم بنو عدو الله، فإن ظفرنا بهم لم ندخل تحت طاعة أبي يزيد لأنه خارجي"([5]).
وهكذا تهيّأت الظروف لأبي يزيد لقتال العبيديين، وكان عمره قد جاوز الستين، وسارع أهل السنة لمساعدته ودعمه "وتسارع الفقهاء والعبّاد في أهبة كاملة بالطبول والبنود، وخطبهم في الجمعة أحمد بن أبي الوليد، وحرضهم، وقال: جاهدوا من كفر بالله، وزعم أنه رب من دون الله، وغيّر أحكام الله، وسبّ نبيه. فبكى الناس بكاءً شديداً، وقال: اللهم إن هذا القرمطي الكافر المعروف بابن عبيد الله المدعي الربوبية جاحد لنعمتك، كافر بربوبيتك، طاعن على رسلك، مكذب بمحمد نبيك، سافك للدماء، فالعنه لعناً وبيلا، واخزه خزياً طويلاً، واغضب عليه بكرة وأصيلاً، ثم نزل، فصلى بهم الجمعة"([6]) .
وحقق أبو يزيد في بادئ الأمر انتصارات كبيرة على العبيديين وجيوشهم في المغرب العربي، وكاد يقضي على دولتهم، حتى أنه لم يبق للعبيديين سوى مدينة المهدية. ومات القائم سنة 334 هـ (946 م)، وأخفى العبيديون خبر موته لئلا يشد ذلك من عزم أبي يزيد، وتولى ابنه إسماعيل الحكم مكانه، وتلقب فيما بعد بلقب "المنصور بنصر الله".
وكان للمنصور العبيدي معارك وحروب عديدة مع أبي يزيد وأنصاره، انتهت بمقتل أبي يزيد سنة 336هـ، بعد أن تخلى عنه كثير من الناس.
وقد ذكر الباحثون أسباباً عديدة لتخلي الناس عن ثورة أبي يزيد الخارجي، الأمر الذي أدّى إلى انتصار العبيديين وبقاء دولتهم، التي كانت على وشك الانهيار منها:
1ـ قوة المنصور وتخطيطه العسكري، خلافاً لوالده القائم.
2ـ ضجر سكان بعض المناطق بممارسات أتباع أبي يزيد، من حيث القتل والسلب.
3ـ انضمام بعض القبائل إلى العبيديين، خاصة وأنهم كانوا يعلنون منحهم الأمان.
4ـ عقيدة الخوارج التي كانت متأصلة في نفس أبي يزيد، وكان يعامل أهل السنة بموجبها.
5ـ أنه لم تكن لثورته أهداف وخطة واضحة، ولم تسعَ إلى تكوين دولة.
وبالرغم من وجاهة الأسباب السابقة، إلاّ أن "النزعة الخارجية" لأبي يزيد، جعلت أهل السنة يضيقون به ذرعاً، وينكشفون عنه، فقد كان أبو يزيد يضمر لأهل السنة أشد العداوة، ويستحل أموالهم ونساءهم، وأخفى عليهم عقيدته، وأظهر لهم صداقته، ولمّا رأى القدرة من نفسه، غدر بأهل السنة وخلّى بينهم وبين العبيديين، يقتلونهم ويستبيحون نساءهم"([7]) .
يقول الشيخ طاهر الزاوي عن أبي يزيد "دخل القيروان بعد أن خرب البلاد، وقتل الرجال، وسبى النساء، وشق فروجهنّ، وبقر بطون الحوامل، والتجأ الناس إلى القيروان حُفاة عراة، ومات كثير منهم عطشاً وجوعاً"([8]) .
وفي هذا درس لمن يعقل من أهل السنة أن أهل البدع درجات في العداء فالعبيديون كانوا أضل وأعدى من الخوارج ولكن الانضمام تحت قيادة فريق من أهل البدع خطأ سرعان ما ظهرت آثاره حين انتصر الخوارج في بعض المعارك. فعلى أهل السنة التعاون مع أهل البدع الصغرى ضد أهل البدع لكبرى دون الدخول في جماعتهم، بل يكونون قوة مستقلة تحمي نفسها وحقها.
للاستزادة:
1ـ تاريخ الفاطميين في شمالي إفريقية ومصر وبلاد الشام ـ د. محمد سهيل طقّوش.
2ـ الإسماعيلية تاريخ وعقائد ـ الشيخ إحسان إلهي ظهير.
3ـ الدولة العبيدية الفاطيمة ـ د. علي محمد الصّلابي.
4ـ الخوارج قديماً وحديثاً ـ الشيخ سلميان المنيعي.
5ـ أخبار ملوك بني عبيد وسيرتهم ـ أبو عبد الله محمد بن علي بن حماد.
6ـ سير أعلام النبلاء ـ الإمام شمس الدين الذهبي.
7ـ دراسات عن الإباضية ـ د. عمرو النامي.
 
 

[1]) ـ تثبيت دلائل النبوة.
[2]) ـ يحاول بعض الباحثين، خاصة المعاصرين منهم، حصر الثورات التي قامت على العبيديين بالأسباب القبلية، متناسين أثر فساد العبيديين، وفساد معتقدهم في ذلك.
[3]) ـ النكارية إحدى فرق الإباضية، وقد نشأت سنة 171هـ في المغرب العربي، على أسس سياسية وعسكرية وأطلق عليها اسم النكارية، بسبب إنكارها إمامة عبد الوهاب بن عبد الرحمن بن رستم بعد وفاة أبيه. وتسمى أيضاً النجوية.
[4]) ـ الإسماعيلية ص 125، نقلاً عن معالم الإيمان.
[5]) ـ أعلام النبلاء 15/155.
[6]) ـ المصدر السابق.
[7]) ـ الدولة العبيدية للصلابي ص 61ـ 62.
[8]) ـ المصدر السابق ص 62، نقلاً عن تاريخ الفتح العربي في ليبيا.
 
 
 
 
الاسم:  
عنوان التعليق: 
نص التعليق: 
خانة التحقق