دراسات\العدد السادس والثلاثون - جمادى الثانية 1427 هـ
مواجهة تحدي العراق الممزق:رؤية سعودية (1/2
الأربعاء 28 يونيو 2006
 مواجهة تحدي العراق الممزق:رؤية سعودية (1/2)
 
هذه دراسة للباحث السعودي نواف عبيد ، مستشار الأمن والطاقة الخاص للأمير تركي الفيصل و مدير مشروع تقييم الأمن القومي السعودي ، وقد نشرها مركز الدراسات السياسية والدولية بواشنطن دي سي، وقد ترجمها إلى العربية محمد عباس ناجي ، ونشرتها مجلة مختارات إيرانية   العدد 70 ـ مايو 2006 .
وفيما يلي نص الجزء الأول من الدراسة :
خلال زيارة رسمية إلى واشنطن دي سي في 20 سبتمبر 2005، صرح وزير الخارجية السعودي الأمير سعود الفيصل قائلاً: "إن السياسة الأمريكية في العراق تعمل من أجل تغذية الصراعات العرقية للدرجة التي تمنح الهيمنة لإيران. لقد حاربنا معاً من أجل إخراج إيران من العراق، والآن نمنح السيطرة لإيران بدون أسباب.. إن العراق، يتفكك". وتحاول الدراسة شرح الرؤية السعودية للتطورات السياسية التي تطرأ على الساحة العراقية، وتداعياتها على الأمن القومي السعودي، كما تحاول رسم صورة اعتماداً على آراء المسئولين في العراق ودول الجوار التي تمارس دوراً في تطورات العراق.
وتعتمد هذه الدراسة في الأساس على آراء ومقابلات مع مسئولي المخابرات والمسئولين العسكريين في المنطقة، إلى جانب التحاور مع المسئولين الإيرانيين... ولأسباب أمنية وسياسية فضل هؤلاء المسئولون والضباط عدم ذكر أسمائهم، من الأهمية بمكان، ذكر أن هدف الدراسة ليس نقد السياسة الأمريكية في العراق. ونأمل أن تقدم خدمة للحكومة السعودية، كتحليل مستقل للموقف الحالي في العراق، واحتمال نشوب حرب أهلية، الذي يتزايد يومياً، وينبغي على السعودية أن تستعد لمثل هذا الاحتمال.
إن العراق على مفترق طرق، حيث يواجه العديد من التحديات، منها الاقتصادية والاجتماعية والأمنية. فقد أخرج الاحتلال الأمريكي للعراق في عام 2003 الصراعات العرقية المتجذرة المتشابكة المصالح من مكمنها. كما هيأ المناخ لنشر العنف الذي أصبح عصياً على الاحتواء أو حتى تقليص حدة تأثيره.
أيضاً، لا تبدو الدولة على شفا التخلص من العنف، الذي يستهدف القوات الأمريكية والعراقية والمواطنين بعمليات يومية واغتيالات واختطافات وقنص. وربما تصبح الحرب الأهلية حتمية في هذه الحالة، هذه التطورّات سوف يكون لها انعكاسات إقليمية على دول الجوار خاصة السعودية، التي تمتلك أطوال حدود مع العراق.
إن أهمية استقرار وتكامل العراق بالنسبة للسعودية أمر غير قابل للإنكار. فالسعودية لها مصلحة حيوية في وحدة العراق، وحماية حقوق السنة في دولة يسيطر عليها الشيعة. وبالرغم من أن انتخابات 15 ديسمبر 2005، مثلت دفعة نحو الديمقراطية، إلا أنها لم تستطع تأجيل الإحساس بالوحدة بين الأكراد، والسنة والشيعة وهم القوميات الرئيسية في العراق.
على العكس من ذلك، عكست الانتخابات التشريعية التباينات العرقية، وقد بدت الحكومة العراقية الجديدة غير قادرة أو غير مهتمة بحل هذه التباينات، لكن هذه الموقف يجب تغييره إذا قدر للعملية السياسية أن تتحرك باتجاه الشرعية، حتى لو استطاعت الحكومة الجديدة مواجهة هذه الاختيار أولا.
إن الأكراد الذي يتمتعون بالحكم الذاتي، لا يبدو أنهم يرغبون في المشاركة في الحكومة التي، حين تشكيلها، يمكن أن تقلص من الامتيازات التي حصلوا عليها. فمنذ الاحتلال الأمريكي للعراق، أصبح لدى الأكراد الرغبة في استغلال سيطرتهم على المنطقة الكردية من أجل تحقيق تميز طائفي عن أية جماعة عرقية أخرى في المنطقة. ويمثل التطهير العرقي الجاري الآن في كركوك نموذجاً واضحاً في هذا الصدد. إلى جانب ذلك، يضيف تدخل إيران تعقيدات جديدة للموقف. إن التأثير الإيراني على القوى السياسية العراقية ليس خفياً على أحد كما أن معظم القوي الشيعية الرئيسية في العراق حظيت بدعم جاد من جانب إيران. إن التأثير الإيراني يتضمن شبكة قوية من الدعم العسكري واللوجستي للقوى العسكرية ومؤسسات الرفاهية الاجتماعية.
الأهم من ذلك، أن إيران تحاول التأثير في العملية السياسية العراقية من خلال دعم الائتلافات الجديدة خاصة الائتلاف العراقي الموحد.
وفي هذا السياق، فإن السنة، الذين سيطروا على الحكم في عهد البعث، ربما يجدوا أنه من الصعوبة، إن لم يكن من المستحيل، التوافق مع وضعهم الثانوي في العراق الجديد.
إن القضايا الأساسية في الحكم، مثل طبيعة الدولة المركزية ودور الإسلام، سوف تصبح أهم نقاط الخلاف لعدة سنوات قادمة. وأخيراً، فإن بالرغم من أن السنة كونوا جزءاً من التمرد، إلا أن المقاتلين الأجانب سوف يستمروا في تكوين قوة مستقرة في العراق.
ثمة بعض المؤشرات التي ربما تساعد على تحليل الوضع الجديد الذي بدأ يتخلق في العراق. هذه المؤشرات تتضمن تطور الاستراتيجية الشاملة للأمن التي سوف تأخذ في الاعتبار احتمال نشوب حرب أهلية، وتحسين العلاقات مع السعودية والعالم العربي والولايات المتحدة الأمريكية، بالنظر إلى اتساع وقوة التمرد، ثم تحليل التدخل الإيراني في العراق، وعندما يسمح الموقف الأمني، فإنه يجب على القيادة السعودية العمل على تقوية علاقاتها الدبلوماسية مع العراق، وإقامة علاقات مع القادة السياسيين والدينيين.
الأكراد:
تتمثل المشكلة الأهم التي تواجه مرحلة ما بعد صدام حسين في مسألة الوحدة الوطنية، بمعنى آخر، كيف يمكن للجماعات العرقية العمل سوياً من أجل إيجاد قاعدة مشتركة لتكوين دولة وطنية موحدة. إن أهم تحديات هذه المرحلة تتمثل في تردد الأكراد (الذين يشكلون ما بين 18 ـ 20% من السكان) في الموافقة على تغيير حكمهم الذاتي. إن عقد ونصف العقد من الحكم الذاتي، ومصادر تمويل من تهريب البضائع، وبرنامج النفط مقابل الغذاء، كلها عوامل منحت الأكراد الإحساس بالهوية الإثنية والاستقلال، ومن المؤكد أنهم سيحتفظون بقوة الجيش من أجل توفيق أوضاعهم داخل الدولة في ظل مستقبل غير مستقر وغير واضح. ولكل هذه الأهداف تعمل منطقة كردستان كدولة حكم ذاتي. وربما تتقدم حدودها، من خلال قوات البشمرجة. وربما يتبنى الأكراد فكرة الأمة العراقية، لكن هذه الوحدة في الاسم فقط، ورغم الجهود الأمريكية، ربما يثبت الدستور العراقي أنه ليس أكثر من كونه ورقاً.
نظرة تاريخية:
في 10 أغسطس 1920، وقع الحلفاء والحكومة التركية على معاهدة سيفرس، هذه المعاهدة، التي كرست حق الأكراد في الاستقلال السياسي، سمحت أيضاً بإمكانية إقامة دولة مستقلة في الجزء الغربي من تركيا وإقليم الموصل العراقي. وجاءت اتفاقية لوسانه الموقعة في عام 1923، لتلغي معاهدة سيفرس، ومن ثم ألغت عملياً الامتيازات التي حصل عليها الأكراد. ونتيجة لذلك لم تبرز المسألة الكردية على الساحة الدولية لمدة سبعين عاماً أخرى.
ورغم أن نظام البعث منح منطقة حكم ذاتي وحقوق للأكراد، إلا أنه جعلهم هدفاً للانتهاك. وخلال حملة الأنفال عام 1988، ارتكب النظام العراقي انتهاكات حقوق الإنسان ضد السكان الأكراد بسبب دعمهم لإيران في حرب الخليج الأولى (الحرب العراقية ـ الإيرانية). وقد تضمن ذلك النفي، والاعتقالات، والاختطافات، وهجمات بالأسلحة الكيماوية ضد القرى الكردية، خاصة في حلبجة. ومع قرب نهاية حرب الخليج الثانية في مارس 1991، اقتحم الحرس الجمهوري العراقي شمال العراق (كردستان)، وقد وضع تدفق اللاجئين من الإقليم المسألة الكردية على الواجهة مرة أخرى.
واستجابة للنداء الدولي، أصدر مجلس الأمن الدولي القرار 688 في إبريل 1991، دعا إلى إنهاء قمع الأكراد على يد نظام صدام حسين. كما نادى بإنشاء منطقة حظر جوي على مساحة 36 كيلو، وهي المنطقة التي تغطي نصف مساحة المنطقة الكردية في شمال العراق. ورغم أن هذا العمل سهل الانكسار، إلا أنه مهد السبيل لاستقرار الأكراد العراقيين.
وفي 9 مايو 1992، نظمت الجبهة الكردستانية أول انتخابات حرة لاختيار 105 أعضاء في المجلس الوطني في منطقة الحكم الذاتي بكردستان العراق. وقد تكونت الجبهة التي تضم ائتلاف من 8 أحزاب سياسية، في عام 1988، وعملت باعتبارها السلطة الرسمية منذ انسحاب الجيش العراقي في عام 1991 ولم تؤد انتخاب 1992 إلى تشكيل حكومة مستقرة، بل أدت إلى تشكيل حكومتين إقليميتين متصارعتين.
وقد سيطر الحزب الديمقراطي الكردستاني بزعامة مسعود برزاني على المنطقة الشمالية المتاخمة للحدود التركية، فيما سيطر حزب الاتحاد الوطني الكردستاني بزعامة جلال طالباني على المنطقة الجنوبية المتاخمة للحدود الإيرانية.
وفي عام 1994، تم وقف الصدمات العسكرية بين الحزبين الرئيسيين للسيطرة على الإقليم. وقد كان التدخل الدولي ضرورياً لسنوات عدة من أجل منع الصدمات العسكرية.
وفي عام 1998، وتحت ضغط من الولايات المتحدة الأمريكية، انتهت أربع سنوات من الحرب الأهلية، وتم الاتفاق على تأسيس إدارة مستقلة للمنطقة و قسمت كردستان إلى منطقتين شرقية وغربية، وسيطر مسعود برزاني على المنطقة الغربية وكانت أربيل عاصمة لها، بينما سيطر طالباني على المنطقة الشرقية وكانت السليمانية عاصمة لها. وكل من المنطقتين له حكومة ورئيس وزراء وبرلمان منتخب.
في عام 2002، وقبيل الاحتلال الأمريكي للعراق، عقد الحزبان الرئيسيان اجتماعاً لأول مرة في إشارة إلى التضامن السياسي، وقد أكد القادة على أن الاجتماع لم يكن خطوة للاستقلال، بل خطوة نحو تكوين منطقة حكم ذاتي. الهدف الأساسي للاجتماع حسب قول برزاني "ليس من أجل كردستان حرة، بل من أجل عراق حر".
وفي انتخابات الجمعية الوطنية العراقية التي أجريت في 30 يناير 2005، شارك الحزبان الكرديان بقائمة واحدة وحصلا على أكثر من 25% من التصويت، مكنتهم من تبوءأ 75 مقعداً من مقاعد الجمعية الوطنية البالغة 275، وهو ما يعني أن الأكراد أصبحوا ثاني أكبر قوة في الجمعية الوطنية، وقد احتل الائتلاف العراقي الموحد المرتبة الأولى بحصوله على 140 مقعداً. خلال انتخابات يناير 2005، تم إجراء استفتاء غير رسمي في كردستان حول هل تصبح كردستان دولة مستقلة أم جزاء من العراق. وقد أبدى المشاركون تأييداً للاستقلال. وفي حين يعتبر الاستفتاء مبادرة شخصية، فإن العديد من المسئولين الحكوميين الشباب يعتقدون أن الجيل القديم من القادة الأكراد يقدم تنازلات كثيرة من أجل توحيد العراق. وفي الاستفتاء الأخير الذي أجرته الحكومة الكردستانية فإن أكثر من 90% من الشباب الأكراد يأملون في استقلال كردستان، وهو ما يعني أن هذا الجيل الجدير لا يريد أن يكون جزءاً من العراق.
التطورات الجديدة في كردستان العراق:
خلال التصديق على دستور العراق في 25 أكتوبر 2005، تمت الدعوة إلى انتخابات عامة في 15 ديسمبر لانتخاب 275 عضواً في الجمعية الوطنية. وعموماً فقد صوت العراقيون للمرشحين الممثلين لطوائفهم. وقد حصل التحالف الكردي المكون من الحزبين الرئيسيين بقيادة طالباني وبرزاني، على 53 مقعداً، فيما حصل الحزب الإسلامي الكردي على 5 مقاعد أخرى.
في 7يناير 2006، اتفق الحزبان الرئيسيان على تكوين إدارة مشتركة لحكومة كردستان. ورغم أن الحزبين لازالا يحتفظان بنفس الإدارات منذ عام 1988، فإن أعضاء الحزب الدميقراطي الكردستاني سوف يرأسون وزارات الزراعة، والكهرباء، والموارد المائية، والشئون الخارجية، والتعليم العالي، والطيران والمجالس البلدية. بينما يرأس أعضاء الاتحاد الوطني الكردستاني وزارات التعليم، والداخلية، وحقوق الإنسان، والعدل، والتخطيط، والإسكان، والشئون الاجتماعية، والنقل، وقد احتفظ برزاني بمنصبه كرئيس مؤقت للعامين القادمين، بينما سيرأس طالباني البرلمان. وبعد انتهاء العامين، سوف يتم الاحتكام إلى القانون.
وقد اتفق الحزبان على أن يرأس طالباني الدولة، ولم يتخذ قرار بشأن أي حزب سوف يسيطر على وزارة شئون الخارجية، التي تضم أكثر من 160 ألف مقاتل.
الأكراد والدستور العراقي:
قاتل القادة الأكراد من أجل الحصول على امتيازات في دستور العراق، لكن في مواجهة الضغوط المكثفة التي فرضتها الولايات المتحدة، بدأ هؤلاء القادة في تعديل مطالبهم التي تضمنت: إضافة مادة تسمح بالتصويت على الاستقلال خلال ثماني سنوات، توسيع حدود الإقليم لتشمل مناطق النفط في كركوك، تضمين قوات البشمرجة في الجيش العراقي، والأهم، إن أي نظام فيدرالي سوف يتم العمل به يجب أن يضمن السيادة الكردية في كل المجالات.
وبينما وافقت كل القوى السياسية على أن الشكل الفيدرالي للحكومة يجب أن يتم دستورياً، فإن الأغلبية العراقية غير الكردية تعتبر الطابع الوحدوي للفيدرالية يمكن أن يفيد استقلال المناطق العراقية الـ 18، مع صلاحيات مركزية أكبر للحكومة المركزية.
ومنذ أن أصبحت معظم المناطق، خصوصاً في الشمال، تضم خليط من المجموعات العرقية، فإن ذلك قيد من سيطرة الأكراد على منطقة الحكم الذاتي في السليمانية، وأربيل، ودهوك.
وقد أراد الأكراد، من ناحية أخرى، إقامة فيدرالية إقليمية أو إثنية تستطيع استيعاب السكان الأكراد في منطقة واحدة تحت هيكل سياسي واحد، هذه المنطقة تشمل مدينة كركرك. وطبقاً لطالباني، فإن فيدرالية المقاطعات غير مقبولة لأنه "عبر التاريخ" قاتل الأكراد من أجل إثبات تميز المقاطعات الكردية عن أي مقاطعة أخرى، ومن أجل حماية الحدود الكردية التاريخية".
وفي أغسطس 2005، وافق البرلمان الكردستاني على الدستور. لكن السؤال الذي مازال مثاراً يتعلق مدى قدرة الدستور على تصنيف السكان الذين لا يمتلكون تمايزاً عرقياً أو لغة مشتركة (يتحدث عدد قليل من الشباب الأكراد العربية، فيما تأتي الإنجليزية في المرتبة الثانية في كردستان)، وهي مسألة تحظى بأهمية لدى العديد من الأفراد المنتمين إلى قوات البشمرجة. بالطبع فإن الكردية هي اللغة الرسمية في التجارة والحكومة الإقليمية رغم وجود صحافة باللغة الإنجليزية في الشمال الكردي، وتعتبر العربية لغة ميتة، حيث رفضها السكان الأكراد الذين لا يزالوا يتذكرون قمع الدولة العربية العراقية.
الأكثر من ذلك، أن معظم الأكراد لديهم تحفظات على الدستور مثل مكانة الدين في الحياة السياسية، ونتيجة لذلك يركز الأكراد على استقلال الدولة والدين.
تناقض المصالح الوطنية: كردستان× العراق:
على المعبر الرئيسي للحدود بين العراق وإيران وضعت صورة للإمام الخميني والعلم الإيراني، وعلى الجانب الكردي وضعت صورة لبرزاني والعلم الكردي، فيما لا توجد صورة للعلم العراقي، وهو ما يؤشر إلى رؤية بعض الأكراد لمسألة وحدة العراق.
وعلى عكس حدود السنة غير المدافع عنها، وحدود الشيعة المفتوحة بالكامل، فإن الحدود بين كردستان وإيران تتم حمايتها بواسطة قوات البشمرجة.
إن النقطة التي تمثل أكثر من كونها مصلحة تتمثل في أنه في الدولة الواحدة فإن الحدود الثلاثة يجب أن تدار بثلاث طرق مختلفة. إن الولايات المتحدة عاجزة عن معالجة هذا الوضع منذ أن أصبحت هذه الحدود طويلة جداً، ومنذ أن أصبحت التداعيات السياسية للوجود الأمريكي مكلفة جداً أيضاً.
وتتركز كثير من الصراعات الداخلية حول النفط، ولذا، يمكن القول إن العامل الأكثر أهمية في تحديد قدرة العراق على تحقيق وحدة وطنية ربما يتصل بالجانب الاقتصادي أكثر منه أيديولوجي أو ديني.
وتوجد ثروة العراق البالغة 115 مليار برميل نفط في مناطق الشيعة والأكراد. وإذا تبنى الشيعة النموذج الكردي وكونوا حكومتهم الإقليمية، فإن العرب السنة ربما يتجهوا أيضاً إلى تأسيس حكومة إقليمية في مناطق الأغلبية السنية في ديالي، وصلاح الدين، والأنبار.
وقد بدأت الحكومة الكردية في التنقيب عن النفط بالقرب من مدينة دهوك في شمال كردستان. هذا التطور يوجه تحدياً مباشراً لسيطرة الحكومة المركزية على كل مصادر الطاقة. ورغم أنها أكدت أن حقول النفط في كردستان أكثر أهمية من نظيرتها في جنوب العراق وكركوك تؤكد الحكومة الإقليمية أن مصادر النفط بها تقدر بنحو 45 مليون برميل.
وبالرغم من أن عقود التنقيب عن النفط وإنتاجه بدون موافقة الحكومة المؤقتة تعتبر لاغية، إلا أن المسئولين الأكراد يؤكدون أن الدستور الجديد يضمن للإقليم الكردي التنقيب عن النفط وإنتاجه.
ولذا يعتبر صراع النفط عاملاً آخر في الحملة طويلة المدى التي تقودها الحكومة الإقليمية لدعم الاستقلال. وطبقا لقول لعدنان مفتي المتحدث باسم المجلس الإقليمي الكردستاني: "إن هذا يجب أن ينظم بالقانون... قانون تسوية هذا النزاع مطروح حالياً للنقاش في الجمعية الوطنية. وتبعاً لمسئول رفيع المستوى، فإن حقائق العراق الجديد جعل حلم كردستان الكبرى" أثر من الماضي الرومانسي. وكما أكد هذا المسئول نفسه فإن الطموح إلى "كردستان الكبرى" ليس فقط غير عملي وإنما خطير ايضاً.
إن دول الجوار مثل تركيا وإيران وسوريا بما لها من مصالح قومية وعلاقة حساسة مع السكان الأكراد لن ترحب بهذه الخطة وسوف تعمل ضدها. الأكثر من ذلك أن الولايات المتحدة لن تقدم أي دعم لمثل تلك التوجهات.
ويعتقد مسئول رفيع في كردستان أن كركوك جزء من كردستان ولن يتنازلوا أبداً عما اعتبروه حقوقاً تاريخية في هذه المنطقة، وهو ما بدا جلياً في رفض برزاني، في عام 1974، لعرض إقامة حكم ذاتي في كردستان لا يتضمن مدينة كركوك، إن مسألة استبعاد مدينة كركوك يعني إلغاء 30 عاماً من السياسة والصراع الكردي، وهو ما لن يفعله القادة الأكراد. ومع الوضع في الاعتبار تناقض المصالح، فإن مستقبل إدارة المدينة مرشح لكي يصبح محور أزمة. وبالطبع فقد بدأت خطة "تكريد" كركوك. فالعرب الذين قدموا إلى كركوك عن طريق نظام صدام حسين، بدأوا في العودة إلى بغداد. كما أن ثمة سياسة نشطة لإعادة الأكراد الذين غادروا كركوك عن طريق نظام صدام حسين.
وطبقاً لوزير سابق في الحكومة الانتقالية العراقية، ويعمل حالياً مستشاراً لطالباني، فإنه ليس هناك أية مفاوضات حول مستقبل المدينة. كما صرح مسئول في قوات البشمرجة بأه تم وضع خطط للسيطرة العسكرية على المدينة في أسرع وقت. إن كركوك، التي تخضع حالياً لسيطرة الحكومة المركزية العراقية، مرشحة لكي تكون محدداً اقتصادياً مهماً لمستقبل الدولة الكردية. ويأتي العراق في المرتبة الثانية من حيث مصادر البترول بعد السعودية عن طريق كركوك التي تنتج مليون برميل يومياً تقريباً.
إن كركوك لن تكون مغلقة على باقي أنحاء العراق أكثر مما هي الآن، وأصبحت لعبة النهاية هي الاستقلال الذي سوف يتحقق عبر مزيج من النشاط السياسي والصبر. وبعد القوات الأمريكية، تأتي قوات البشمرجة في المرتبة الثانية في العراق. وطبقاً لقائد الجيش الكردي، فإن القوات الأمريكية هي القوة الوحيدة التي تسيطر على الدولة، وهناك اعتقاد بأنه كلما أصبح الوجود الأمريكي ضعيفاً كلما أصبحوا هم في مركز قوة.
وخلال المؤتمر الصحفي الذي عقد أثناء انتخابات 2005، صرح برزاني قائلا إنه متأكد من أنه سوف يشاهد كردستان المستقلة" خلال حياته. وفي لقاء مع التليفزيون التركي، أكد أيضاً أن الأكراد العراقيين ليس لديهم خيار، لكنهم سوف يستعملوا حقهم في الاستقلال في حالة نشوب حرب أهلية. ورغم أن استقلال كردستان ليس سياسة رسمية حكومية، إلا أن مثل هذه التصريحات تؤشر إلى عدم بقاء العراق موحداً.
إن العلاقات بين الحكومة في بغداد والأكراد محدودة. والأهم أن الحكومة المركزية تفتقد السيطرة، حيث يتم تجاهل التعليمات الصادرة من بغداد. إن العراق يصبح رويداً رويداً مثل نموذج يوغسلافيا قبيل التفكيك عندما كانت الحكومة المركزية تصدر تعليماتها التي سرعان ما تذهب طي النسيان.
وعموماً، فإن ثمة إمكانية لوضع استراتيجية فعالة لمكافحة الإرهاب، والأكثر من هذا أنه بدا واضحاً أن الأكراد لديهم رؤية واضحة إزاء ما هي كردستان وما هو العراق.
إن لدى الأكراد ارتياباً قوياً من الشيعة بصفة عامة والشيعة العراقيين على سبيل الخصوص، وهذه حقيقية يؤكدها القادة الأكراد وقادة البشمرجة، حيث يعتقدون أن التمايز الشيعي في الحكومة سوف يجعل الدولة نموذجاً جديداً من طهران. وهذا هو أحد أسباب اهتمامهم بحماية حدودهم مع إيران.
ويبدو اتساع الارتياب الكردي من الشيعة جلياً على ضوء حقيقة أنهم يستقبلون مستشارين أجانب، ويقيمون مراكز تدريب لقوات البشمرجة للتعامل مع تكتيكات مكافحة الإرهاب ووسائل المخابرات. ويتم النظر إلى المجلس الأعلى للثورة الإسلامية في العراق على أنه عدو، ولا يخفى الأكراد سراً أنهم يعتقدون في ذلك. ويعتقد قادة البشمرجة أن القوات الأمريكية هي الوحيدة التي يمكن العمل معها للسيطرة على الدولة. كما يعبر مسئولون في الحكومة الكردية، ومن بينهم قادة بشمرجة،عن فقدانهم الثقة في قدرة الولايات المتحدة على احتواء التمرد.
الشيعة:
ربما لا تكون التحركات الكردية نحو الاستقلال هي العائق الوحيد أمام وحدة العراق. فبعد عقد من التهميش السياسي، يمتلك الشيعة، المجموعة العرقية الأكبر في العراق حيث تمثل حوالي 65% ( هذا الرقم غير صحيح لكن من كثرة ترداده في وسائل الإعلام أصبح دارج ، راجع الراصد عدد 34 ، الراصد ) من السكان، رؤية لإقامة دولة فيدرالية موحدة، تتضمن إقليما كاملاً في الجنوب لأن ذلك سيمكنهم من امتلاك حقول النفط الغنية، فضلاً عن منفذ إلى البحر، وفرصة لتثبيت مركزهم وتطبيق سياستهم في منطقة يسيطرون عليها. هذا التهديد، بجانب الفوز في الانتخابات والتمدد الإيراني، يضفي مزيداً من الغموض على مستقبل الوحدة والديمقراطية في العراق.
الأحزاب والسياسات الشيعية الرئيسية:
تسيطر على السياسات الشيعية ثلاثة أحزاب شكلت الائتلاف العراقي الموحد في انتخابات 15 ديسمبر 2005 ويرأسه عبد العزيز الحكيم زعيم المجلس الأعلى للثورة الإسلامية في العراق.
الأحزاب الثلاثة الرئيسية هي: المجلس الأعلى للثورة الإسلامية، ورساليون (حزب مقتدى الصدر)، وحزب الدعوة. ويعتبر حزب المجلس الأعلى للثورة الإسلامية الأكبر، والأكثر تنظيماً، والأكثر تمويلاً، كما يمتلك ميليشيا خاصة، منظمة بدر للتعمير والتنمية، ويلقي دعماً من إيران. ويتراوح عدد مؤيديه ما بين 2.5ـ 3 ملايين نسمة. فيما يتراوح عدد مؤيدي حزب مقتدى الصدر المناهض للأمريكيين ما بين 1ـ 1.5 مليون نسمة في كافة أنحاء الدولة خصوصاً في مدينة الصدر في بغداد، إلى جانب النجف. ويسيطر الصدر على جيش المهدي، الذي دخل في مواجهة مع قوات الحلفاء والقوات العراقية في بداية الاحتلال. ورغم عدم وجود معلومات بشأنه، إلا أن عدد قوات جيش المهدي لا يقل عن 10 آلاف جندي.
ويفيد حزب المجلس الأعلى للثورة الإسلامية وجيش المهدي القوتين الشيعيتين الوحيدتين اللتين تمتلكان ميليشيا. ويأتي حزب الدعوة بزعامة إبراهيم الجعفري في المرتبة الثانية بعد حزب المجلس الأعلى للثورة الإسلامية. وقد كونت الأحزاب الثلاثة الائتلاف العراقي الموحد الذي دعا إلى تطبيق الدستور العراقي و دعم الوحدة الوطنية. كما يدعو إلى إعادة تأسيس المؤسسات الحكومية وإنشاء حكومات إقليمية والتحقيق في جرائم البعث، وتطوير الاقتصاد عن طريق الاستثمار وخلق فرص عمل، وتحسين مستوى المعيشة، وضمان حرية التعبير، وتبني نظام ضمان اجتماعي وتعليم مجاني. كما يعتبر الائتلاف أن الإسلام دين الدولة.
وقد فاز الائتلاف العراقي الموحد بـ 128 مقعداً في انتخابات ديسمبر2005 كما حصل رساليون على مقعدين إضافيين. ورغم أن هذه النتيجة مؤثرة، إلا أنها حققت أغلبية بسيطة مما دفع الشيعة إلى البحث عن شركاء لتشكيل الحكومة. وطبقاً للدستور العراقي، فإن التحالف الذي حصل على أكبر عدد من مقاعد الجمعية الوطنية له الحق في تسمية رئيس الحكومة الذي يكلف بتشكيل حكومة أغلبية. وبعد الحصول على دعم مقتدى الصدر تمت إعادة انتخاب إبراهيم الجعفري لرئاسة حكومة جديدة في 12 فبراير 2006، لكن مع تزايد حدة الانتقادات السنية والكردية لسياسة إبراهيم الجعفري والتي تسببت في إعاقة تشكيل الحكومة الجديدة، تخلى الجعفري عن منصبه لصالح نوري المالكي المسئول في حزب الدعوة الإسلامي.
وقد أكد عبد العزيز الحكيم زعيم المجلس الأعلى للثورة الإسلامية على أن الشيعة ليس لديهم النية في التفاوض حول ما يعتبرونه "مبادئ رئيسية" تضمنها الدستور العراقي الجديد. وفي خطاب حديث لأتباعه، أكد الحكيم أن أية جماعة سياسية تأمل في المشاركة في حكومة الوحدة الوطينة يجب أن تبدى تأييدها لبعض الشروط وهي: اجتثاث البعث، ورفض الأنشطة الإرهابية، والموافقة على الدستور. وقد أبدى السنة، خصوصاً الحزب الإسلامي العراقي، بعض التحفظات على الدستور في شكله الجديد. وقد تمثلت القضيتان محور الارتكاز في اجتثاث البعث، والفيدرالية. ولم تتغير المطالب التي وضعها الحكيم في أغسطس 2005 قبل وضع الدستور، حيث قال في هذا الصدد: "بالنسبة للفيدرالية، نحن نعتقد أنه من الضروري إقامة إقليم في الجنوب". كما قال هادي العامر الضابط في منظمة بدر: "يجب تطبيق الفيدرالية في كل أنحاء العراق، فهم يحاولون منع الشيعة من التمتع بفيدراليتهم". لكن ثمة بعض القوى الشيعية، مثل مقتدى الصدر، يبدون قلقهم من الفيدرالية ويعتبرونها السبيل لتفكيك العراق. وخلال زيارته الأخيرة للسعودية العربية صرح الصدر قائلاً: "إن لدىَّ شعور قلق تجاه مستقبل العراق ولا أعتقد أنه سوف يبقى موحداً".
وفي التحليل الأخير، فإن كل هذه القوى الشيعية لها علاقات أمنية واستخباراتية مع إيران.
التدخل الإيراني في العراق:
بعد سقوط النظام البعثي، اتجهت الأنظار إلى الشيعة: هل يحاولون تطبيق النموذج الثيوقراطي الإيراني في العراق، أم سيدخلون في شراكة مع عرقيات أخرى في العراق، وطبقاً للتحليلات الاستخباراتية، فإن ثمة مؤشرات قوية على أن إيران تتدخل من أجل المشاركة في تقرير مستقبل العراق، وتكريس التوجه الإسلامي الإيراني، والعداء للعلمانية، وتوسيع قاعدة التأثير الإسلام الشيعي، كل هذه التطورات سوف تفرز تداعيات مباشرة على استقرار ووحدة العراق. وفي حين يواجه الأمريكيون التمرد في العراق، يعمل الملالي في طهران على تحقيق مصالحهم في العراق من خلال النفاذ داخل الحكومة العراقية، وتقديم الدعم المادي واللوجستي للميليشيات وتكوين شبكة مخابرات.
وسيبقى الوجود الإيراني مصدراً للقلق من جانب السعودية، التي لديها مصلحة حيوية في تأسيس عراق مستقر وموحد. إن الملالي لديهم القدرة على ضرب العملية السياسية، وخلق التناقض، وتهديد ظهور الدولة العراقية. وطبقاً لاستطلاعات الرأي، فإن لدى العراقيين قابلية أقل لتطبيق النموذج الإسلامي الإيراني في العراق، فقد استنتج استطلاع أجراه مركز بحوث اكسفورد Abc Time، أنه لا يوجد تأييد قوي بين العراقيين للحكومة الإسلامية فقد أيد 75% من العينة التي شملها الاستطلاع إقامة حكومة ديمقراطية، بينما أيد 14% فكرة إقامة حكومة دينية.
تسرب الميليشيات الشيعية:
استخدمت إيران آليتين لنفاذ إلى العراق. الآلية الأولى، نشاط قوات القدس وهو القسم الخاص للحرس الثوري الإيراني. الآلية الثانية، تمويل وتسليح الميليشيات الشيعية خاصة الجناح العسكري لحزب المجلس الأعلى للثورة الإسلامية وهي منظمة بدر للتعمير والتنمية التي يبلغ عدد أفرادها 25 آلفاً، وتضم كوادر منظمتي القدس وبدر علاقات تنسيقية قوية. وقد أشارت تقارير الاستخبارات إلى أن الضباط الإيرانيين يوجهون عمليات سرية تحت غطاء منظمة بدر، ويستقبل جيش المهدي مساعدات إيرانية أيضاً، لكن أقل نسبياً من بدر والقدس.
الجدير بالذكر أن قائد الحرس الثوري هو الجنرال يحيى رحيم صفوي، فيما يتولى الجنرال محمد باقر ذو الجار منصب نائب القائد. أما الجنرال قاسم سليمان فهو قائد قوات القدس، والجنرال باقر ذو الجار والجنرال سليمان مسئولان عن برنامج إيران السري في العراق، ولهما اتصال مباشر بمكتب المرشد الأعلى.
إضافة إلى ذلك، حددت التقارير الاستخبارية أربعة جنرالات في الحرس الثوري، وتسعة عقداء في الحرس الثوري مسئولين مباشرة عن العمليات العسكرية السرية في العراق.
وتجري قوات القدس بشكل رئيسي عمليات استخباراتية ماهرة في فن الحرب غير المألوفة. وتقدر الاستخبارات قوتها الحالية بـ 5000 فرد، أكثرهم ضباط مدربون. وضمن قوات القدس هناك وحدة صغيرة يطلق عليها "قوات القدس الخاصة" التي تضم ضباطاً محترفين. وتعمل هذه القوات بشكل رئيسي خارج الأراضي الإيرانية، لكن تبقى معظم قواعد التدريب داخل إيران.
وتنقسم العمليات الخارجية لقوات القدس حسب منطقة التأثير. وتعتبر المنطقة الأكثر أهمية العراق والسعودية (شبة الجزيرة العربية) وسوريا ولبنان. أما الأقل أهمية فهي أفغانستان، وباكستان، والهند، وتركيا، والجمهوريات الإسلامية في الاتحاد السوفيتي السابق، وأوروبا، وأمريكا الشمالية، وشمال أفريقيا (مصر، تونس، الجزائر، السودان، والمغرب).
إن هدف إيران هو اختراق كل الميليشيات العراقية من خلال دعم وتدريب أعضائها. جيش المهدي، على سبيل المثال، يقدر عدد أعضائه بـ 10.000 فرد ويتلقي دعماً مادياً ولوجيستيا من إيران، كما يتلقى أعضاؤه تدريباً في معسكرات الحرس الثوري الإيراني. كما دربت معظم قوات منظمة بدر في المعسكرات نفسها، واكتسب كبار الضباط خبرة ومهارة في المعسكرات المتخصصة الخاضعة لقوات القدس.
وتفيد التقارير الاستخبارايتة أن قوات القدس تستخدم ستة معسكرات تدريب في إيران أهمها موجود في جامعة الإمام على في شمال طهران. كما توجد المعسكرات الرئيسية الأخرى في قم، وتبريز ومشهد، كما يوجد معسكران على الحدود السورية ـ اللبنانية.
وطبقاً لقول ضابط كبير في وزارة الدفاع العراقية ومعارض لإيران، فإن الإيرانيين بدأوا في تأسيس شبكة لجمع المعلومات أكثر تطوراً، إلى حد أنهم اخترقوا كل الوزارات السيادية العراقية وأجهزة الأمن.
هناك أيضاً إدارة مخابرات تابعة للحرس الثوري، وتحت قيادة قوات القدس مهمتها رصد التحركات الأمريكية والحلفاء في العراق. وينتمي عدد كبير من المنضمين حديثاً لقوات الشرطة العراقية الخاضعة للضباط الشيعة، بشكل أو بآخر، إلى المجلس الأعلى للثورة الإسلامية والمنظمات الأخرى التي تقيم علاقات قوية مع إيران.
وتشير التقارير الاستخبارايتة إلى أن ضباط الحرس الثوري الإيراني يعملون حالياً في العراق داخل الميليشيا والجيش النظامي ووحدات الشرطة. إن درجة اختراق هذه المنظمات من الصعب تقييمها، ومن المستحيل عملياً التمييز بين الميليشيا الشيعية العراقية، ووحدات البوليس، فكلاهما متأثرين بإيران، وفي بعض الحالات يخضعان للسيطرة الإيرانية، الاختراق الإيراني امتد إلى مستوى الشارع أيضاً. فمعظم ضباط القوات والجيش لديهم ولاء أكبر لمنظمة بدر وجيش المهدي منه إلى وحداتهم الخاصة. وبالطبع، فإن هذه المنظمات تقيم اتصالات واسعة مع إيران. وطبقاً لرئيس استخبارات إحدى دول الجوار للعراق فإن الإيرانيين لم يحققوا اختراقاً فقط في بعض الأماكن، مثل بغداد والبصرة، بل إن السيطرة كاملة.
وطبقاً لمستشار وزير الدفاع العراقي، ليس هناك استقلال لمنظمة بدر عن الحرس الثوري الإيراني. هذا التحليل تدعمه تقارير استخبارات بعض دول الجوار.
إن منظمة بدر تعتبر عربة إيران الرئيسية التي تستخدم لتحقيق أهدافها الأمنية والاستخباراتية. الأكثر من ذلك، أن جيش المهدي رغم أنه أصغر نسبياً، وأقل تهديداً، وأقل تنظيماً مقارنة بمنظمة بدر، إلا أنه مخترق من جانب إيران أيضاً، وهي تطورات لا يمكن إغفالها.
أخيراً، من المهم ملاحظة أن الحدود المخترقة بين إيران والعراق سهلت كثيراً على الحرس الثوري ووزارة الاستخبارات والأمن، تنظيم نقل الأسلحة والأجهزة والمال إلى العراق. وتعمل في كثير من الأحيان بمعرفة أعضاء القوات العراقية، وقد تم أسر الجنود البريطانيين الذين اكتشفوا هذه العمليات، بواسطة القوات العراقية، ثم تم تحريرهم بعد ذلك.
المنظمات الخيرية الإيرانية وأنماط أخرى من التدخل: تعتبر الحكومة الدينية الإيرانية المصدر المالي الأكبر للأماكن الشيعية في النجف وكربلاء، مثل نظيرتها في قم ومشهد. وقد تعلم في هذه المؤسسات عشرات الآلاف من العراقيين والعرب في علم الشريعة والفقه الشيعي، وهو ما يعد مصدراً آخر للقوة والتأثير.
وتمارس المنظمات الخيرية الإيرانية دوراً ملحوظاً في تمويل المستشفيات والمؤسسات الاجتماعية، والمساجد ملاجئ الأيتام، وخدمات اجتماعية أخرى، ومن خلال تكوين شبكة رفاهية اجتماعية في العراق ـ عبر استخدام الوكلاء أو بأسمائهم الخاصة ـ تمارس منظمات مثل مؤسسة المستضعفين، ومؤسسة الإمام الرضا، ومؤسسات الشهداء، تأثيراً هائلاً، حيث يبلغ تمويلها حوالي مليون دولار. وثمة منظمات أخرى مثل مؤسسة الرفاهية الاجتماعية، والمؤسسة الاقتصادية الإسلامية، ومؤسسة التعمير والإسكان.
وحتى الهلال الأحمر الإيراني استخدم كواجهة استخدمتها منظمة القدس لتأسيس خلايا مسلحة تحت الأرض في جنوب العراق. كل هذه المنظمات هيأت المجال لزيادة التأثير الإيراني في العراق مستقبلاً.
إن الدعم المقدم إلى المدارس، والمساجد، ومراكز توزيع الطعام والمؤسسات الصحية، وبناء المساكن للفقراء، جذب قطاعاً من المواطنين لهذه المنظمات، وهو ما عاد بالفائدة في النهاية إلى طهران.
واخيراً، فإن الحرس الثوري الإيراني، بمساعدة المنظمات الإيرانية، استطاع أن يجد مكاناً في المؤسسات الاستراتيجية في الإدارة العراقية الجديدة. التي تشمل مكتب رئيس الوزراء، والوزارات، والحكومات المحلية التي تضم الأغلبية الشيعية.
ولذلك، فإن المؤسسة الإدارية الدينية يقطنها المتعاطفون مع إيران، والموالون للجماعات التي تقيم علاقات قوية مع الحرس الثوري الإيراني والوزارات الحكومية في طهران.
على سبيل المثال، فإن وزير الداخلية السابق بيان جبر، كان قائد منظمة بدر، وقد قضى سنوات تأسيسه في معسكرات الحرس الثوري الإيراني في طهران التي كانت تعمل على إسقاط نظام صدام حسين. بالإضافة إلى ذلك، هناك ضابط كبير في وزارة الداخلية العراقية كان يعمل منسقاً لعمليات التهريب السرية بين البلدين. هذه العمليات كانت تزود منظمة بدر، وجيش المهدي، والميليشيات الموالية لإيران بالمال والسلاح.
وطبقاً للتقديرات الاستخابراتية، فإن هذا الضابط نفسه مسئول عن تأسيس "فرق الموت" سيئة السمعة.
المنظمة
الأصول بالمليون دولار
مؤسسة الإمام الرضا
12-14
مؤسسة المستضعفين
10-12
مؤسسة الشهداء
5-7
مؤسسة إنشاء المساكن
4
مؤسسة الإنشاء الإسلامية
2-3
منظمة الرفاهية
غ. م
المنظمة الاقتصادية الإسلامية
غ .م
جدول ( 1 ) المنظمات الخيرية الإيرانية العاملة في العراق
 
ملحوظة : 70-80 % من قيمة هذه الأصول تتمثل في عقارات منحت من جانب الحومة الإيرانية .
فرق الموت:
تتم إدارة فرق الموت من جانب الجنرال، الذي سبقت الإشارة إليه، الذي يقوم بالتنسيق مع عقيد إيراني من قوات القدس (وهو المسئول عن وحدة في قوات القدس مسئولة عن الاغتيالات والهجمات الانتحارية) هذه الوحدة، بالتعاون مع فرق الموت، يعتقد في مسئوليتها عن ارتكاب عمليات اغتيال ضد زعماء وأكاديميين وضباط سنة. وكان أحد أهم أهدافهم هو الجنرال رعد الحمداني، أحد القادة الكبار في الحرس الجمهوري العراقي السابق. وبعد عدة محاولات لاغتياله هو وعائلته من قبل فرق الموت المختلفة (وكذلك من قبل منظمة بدر) اضطر إلى اللجوء إلى بلد مجاور للعراق.
وبينما فشلت محاولاتهم لاغتيال الجنرال الحمداني، فقد نجحت محاولات ضد أهداف أخرى، حيث قتل عدد من مساعدي الجنرال الحمداني، كما تم استهداف المنشقين السياسيين، خاصة الذين لهم علاقات مع هيئة علماء المسلمين. وفي الشهور الأخيرة، تم توسيع عمليات الاغتيال لتشمل المهندسين والمحامين والأكاديميين. وقد تم اغتيال أكثر من 1000 من المهنيين والمثقفين العراقيين منذ أبريل 2005، مثل الدكتور محمد الراوي رئيس جامعة بغداد. 
 
 
 
 
 
الاسم:  
عنوان التعليق: 
نص التعليق: 
خانة التحقق