كتاب الشهر\العدد الثالث - غرّة رمضان/ 1424هـ
الحاكم بأمر الله وأسرار الدعوة الفاطمية
الأثنين 28 أغسطس 2006
الحاكم بأمر الله وأسرار الدعوة الفاطمية
                                تاليف: د. محمد عبد الله عنان.                               
 الدولة الفاطمية التي حكمت مصر حينا من الزمن (358هـ-567هـ) جديرة بالدراسة بسبب ما أحيطت به من غموض, وما يحيق بأصولها وإمامتها من الريب, ويعتبر عصر الحاكم بأمر الله الفاطمي أغرب فترة في هذه الدولة وأعجبها, وهذا ما شجّع المؤلف الدكتور محمد عبد الله عنان للبحث في هذه الدولة التي نسبت نفسها إلى فاطمة بنت الرسول صلى الله عليه وسلم وسميت بـ (الفاطمية) في حين أنها تبنت عقائد الإسماعيلية الباطنية.
في الفصل الأول يبين د. عنان الأهمية التي كانت تتمير بها مصر من بين الولايات التي كانت تتبع الخلافة سواءً الراشدة أو الأموية أو العباسية, بسبب موقعها الجغرافي وثرواتها الطبيعية, وأهميتها العمرانية, وهذا ما جعلها مطمع الزعماء المتغلبين. ولما اضمحل سلطان الدولة العباسية, وضعفت قبضتها في النواحي, غدت مصر طعمة لطائفة من الحكام الأقوياء يحكمونها باسم الخلافة ولكن ينشئون بها دولاً مستقلة, كما ظهر ذلك من خلال قيام الدولة الطولونية, ثم الدولة الأخشيدية.
احتلال الفاطميين لمصر:
ولم تكن المقومات والميزات التي تتمتع بها مصر والتي تجعلها صالحة لتكون مركز دولة مستقلة, خافية على الفاطميين الذين كانوا يحكمون أجزاء في الشمال الأفريقي, ويقيمون فيها دولتهم التي أقاموها على أنقاض ملك الأغالبة, ومن ثم اتجهت أنظارهم إلى مصر.
وكانت للفاطميين في عهد حاكمها الأول عبيد الله المهدي ثم القائم بأمر الله محاولات عديدة لاحتلال مصر لكنها باءت بالفشل في أول الأمر, وكانت الدولة الأخشيدية الفتية تحكم مصر آنذاك, ولما ضعفت الدولة الأخشيدية, وساءت الأحوال بمصر, كانت الفرصة سانحة للفاطميين, فدخلوا مصر سنة 358هـ, وفي الحال أمر القائد الفاطمي جوهر الصقلي الذي احتل مصر بقطع الدعاء للخليفة العباسي, وبدأت الدعوة (للخليفة) الفاطمي, وأمر بتغيير الآذان وإضافة حي على خير العمل.

ولم تكن مصر للفاطميين غنماً سياسياً فقط, ولكنها غدت أيضاً معقلاً للدعوة الشيعية, وقد كان الفاطميون الذين يدّعون نسبتهم إلى فاطمة الزهراء يختصون إمامتهم بالصفة الشرعية, ويعتبرون الدولة العباسية على هذا النحو غاصبة للإمامة والخلافة, ويتخذون من هذه الدعوى دعامة لإمامتهم الدينية وملكهم السياسي, فهم طبقاً لدعواهم أبناء فاطمة, وهم ورثة علي وبنيه, وهم الشرعيون في إمامة المسلمين ورياسة العالم الإسلامي.

وحيث أن الفاطميين هم من الشيعة الإسماعيليين, فقد كان عليهم أن ينسبوا أنفسهم إلى آل البيت طبقاً لنظرية الإمامة المعتمدة لدى الشيعة, التي تقول لا يجوز أن يحكم من ليس من آل بيت النبي صلى الله عليه وسلم. وقبل الدخول في التفاصيل المتعلقة بالدولة الفاطمية وبعصر الحاكم بأمر الله فقد رأى المؤلف أن يتناول هذه المسألة الخطيرة (الإمامة) ويناقش مسألة انتساب الخلفاء أو الحكام الفاطميين إلى آل البيت, وهي التي تعتبر دعامة إمامتهم الدينية ورياستهم السياسية.
الإمامة:
وفيما يتعلق بنظرية الإمامة الشيعية يقول د. عنان أن فقهاء الشيعة ودعاتها منذ عصر مبكر حاولوا أن يخلقوا جواً قدسياً حول الإمامة, ومن هؤلاء فقيه الدولة الفاطمية الأول, وصديق المعز لدين الله وداعيه الأكبر القاضي أبو حنيفة النعمان القيرواني في كتابيه (دعائم الإسلام) و (الهمة في آداب اتباع الأئمة) وادّعى فيهما أن الولاية أو الإمامة خصّت بعلي وبأبنائه من آل البيت, وأنه يجب التسليم لهم في جميع الأمور, وذكر فيهما الحث على تعظيمهم, وأن السجود لهم ليس بمنكر.
وعلى منوال القيرواني سار العديد من فقهاء الدولة الفاطمية الشيعية كالداعي حميد الدين الكرماني في كتابه (راحة العقل) وكالداعي ثقة الإمام في (المجالس المستنصرية).
وللشيعة على اختلاف فرقهم كتب عديدة أخرى في مسألة الإمامة, والولاية على أهميتها, واعتبارها أساساً من أسس العقيدة الدينية, وانحصارها في علي وبنيه من آل البيت, ويبدو منها جميعاً أن الإمامة هي دعامة الدعوة الشيعية كلها ودعامة دعاويهم في الرياسة الدينية والزمنية.
وقد قامت الدولة الفاطمية متسمة بسمة الإمامة قبل كل شيء, وكان المعز لما قدم مصر سنة 362هـ يحرص أشد ما يحرص عليه الإمامة, وكان الحكام الفاطميون يوسمون في الدعاء على المنابر بما يقرب من النبوة, بل إن الإمامة لتقرن في بعض المصادر الإسماعيلية بمرتبة النبوة ذاتها.

ودأب فقهاء الفاطمية على أن ينسبوا إلى خلفائهم المعجزات والكرامات, ومن ذلك ما رواه الداعي عماد الدين إدريس في كتابه (زهر المعاني) واصفاً المهدي " بأنه ولي الأمر صاحب المعجزات ومبين الآيات, المهدي بالله صلوات الله عليه الذي طلع من الغرب وقام قيام النبي صلى الله عليه وسلم مهلكاً لمن ناصبه الحرب." وما رواه في (عيون الأخبار) عن الحاكم: " وظهرت لأمير المؤمنين الحاكم بأمر الله عليه السلام فضائل لم يسمع بمثلها, ودلائل ظاهر بيان فضلها ومعجزات بهرت الألباب,وآيات لا يشك فيها إلا أهل الزيغ والارتياب ".

نسب الخلفاء الفاطميين:
بعد بيان مسألة الإمامة لدى الشيعة والفاطميين, استعرض المؤلف الأقوال المختلفة في حقيقة نسب الخلفاء الفاطميين, وهذا الأمر أساسي وجوهري, تبنى عليه أحكام أخرى تتعلق بشرعية حكم الفاطميين وفقاً لمنظورهم هم, فإذا كانوا لا ينتسبون لآل البيت فهم –وفقاً لمبادئهم- غاصبون غير جديرين بالحكم.
ويتساءل المؤلف في بداية هذا الفصل عن أولئك الفاطميين, وهل يرجع أصلهم حقاً إلى علي وفاطمة ؟ وهو لا ينكر أن هذه المسألة يحيط بها الخفاء والغموض, وموضع خلاف وجدل, ففريق من المؤرخين يؤيد الفاطميين في دعواهم وفي شرعية إمامهم, ويرجع نسبة إمامهم, ومؤسس دولتهم عبيد الله المهدي إلى الحسين بن علي وفاطمة بنت الرسول, وهذا الفريق هو القلة, ولكن فريقاً آخر ينكر عليهم هذه الدعوى, ويرى أنهم أدعياء لا يمدون بصلة إلى علي وهذا الفريق هو الأغلبية.
وهذا الفريق من العلماء والمؤرخين يرجع نسبة الفاطميين إلى عبيد الله بن ميمون القدّاح بن ديصان البوني, وكان ابن ميمون هذا يرجع إلى أصل مجوسي من الأهواز, وكان يدعو سراً إلى مذهب فلسفي إلحادي لإنكار الأديان والنبوة, صاغه في تسع مراتب سرية, تنتهي بإنكار جميع العقائد والشرائع, ومن دعوته هذه صنعت دعوة القرامطة, وبعثت ثورتهم الإباحية المروّعة, وكان يتستر بالتشيع.
وممن قال بهذا الرأي وهو أن هؤلاء الفاطميين يرجعون إلى عبيد الله بن ميمون القداح, القاضي أبو بكر الباقلاني, وأبو حامد الأسفرايني وأبو الحسين القدوري, والأبيوردي, وعبد القاهر البغدادي وابن شداد وابن خلكان والنويري وابن حجر العسقلاني وابن حزم الأندلسي, وقد فصّل المؤلف في فصل خاص قوة هذا الرأي (انظر صفحة 7 من موضوعنا هذا).

وفي الفصل الرابع من الكتاب يذكر المؤلف المعارك المتتالية بين الفاطميين الذين احتلوا مصر للتو وبين القرامطة بقيادة الحسن الأعصم الذين يطمحون للسيطرة على مصر, وكيف أن المعز الفاطمي بعث بكتاب إلى الأعصم ذكّره فيه بمكانته ومكانة بيته, وأن دعوة القرامطة نشأت في الأصل عنهم, وأن الدعوة واحدة, ويعاتبه على انشقاقه, وينصحه بالعودة إلى رشده, وينذره بسوء المصير.

 عصر الحاكم بأمر الله:
وفي الفصل الخامس اختار د. عنان أن يتحدث بالتفصيل عن عهد أحد الحكام الفاطميين والذي جاء بعد المعز والعزيز, ألا وهو الحاكم بأمر الله, وعن اختياره لشخصية الحاكم يقول المؤلف: "... وإذا كان للعصر الفاطمي سحره الخاص, فإن عصر الحاكم بأمر الله هو بلا ريب أغرب مراحله وأعجبها, وقد غاض بها العصر الفاطمي في تلك الفترة نوعاً, ولكن ما تمتاز به تلك الفترة من الأحداث العجيبة, والنوادر الشائقة وما يمازجها من الخفاء والغموض, وما تمتاز به شخصية الحاكم من الأطوار والخواص المدهشة, والنزعات والأهواء المروّعة, والنواحي الفلسفية والإنسانية أحياناً... ".
ولي الحاكم بأمر الله (ابن العزيز) الخلافة حدثاً دون الثانية عشرة, وكانت أمه جارية روميّة نصرانية, وكان لها أيام العزيز نفوذ كبير في الدولة, وكان لهذا النفوذ أثره بلا ريب في سياسة التسامح الواضح التي اتبعها العزيز تجاه النصارى, وفي تقوية جانبهم ونفوذهم.
وتنقل المصادر التاريخية لنا أن الحاكم كان سيء الإعتقاد, كثير التنقل من حال إلى حال, وكان مؤاخِذاً بيسير الذنب, حاداً, لا يملك نفسه عن الغضب, فأفنى أمماً وأجيالاً, وأقام هيبة عظيمة وناموساً.
وكان رديء السيرة, فاسد العقيدة مضطرباً في جميع أموره, يأمر بالشيء ويبالغ فيه ثم يرجع عنه فيبالغ في نقضه.
وكانت خلافته متضادة بين شجاعة وإقدام وجبن وإحجام, ومحبة للعلم وانتقام من العلماء, وميل إلى الصلاح وقتل الصلحاء.
افتتح عهد حكمه بقتل وصيّه ومدبر دولته برجوان, ثم أمين الدولة السابق الحسن بن عمار وكان يسرف في القتل, فيقتل وزراءه وغلمانه تباعاً, دون حكمة ظاهرة إلا ما كان من نزعة مؤقتة أو سخط فجائي.
وشغف الحاكم بالطواف بمدينة القاهرة وضواحيها, طوال حياته, وكان يصدر الأوامر المدهشة, ففي محرم سنة 395هـ, أصدر سجلاً يمنع الناس من أكل الملوخية والترمس والجرجير, وحرّم ذبح الأبقار السليمة إلا في يوم النحر, وحرّم صيد السمك الذي لا قشر له, وكذلك بيعه, وحرّم دخول الحمام بلا مئزر وحرّم على الناس أن يخرجوا من منازلهم إلى الطرقات من الغروب إلى الفجر, وحرّم بيع الزبيب, وأمر ألا يجتمع الناس في الصحراء, ومنع الاجتماع على شاطىء النيل للتفرج, وركوب النساء مع الرجال, وحرّم لعب الشطرنج.

وأصدر الحاكم أوامره بهدم كنائس النصارى, وطارد أتباعها, ثم أعطاهم الأمان وأعطاهم الحرية في إقامة شعائرهم و إعادة بناء كنائسهم.

ولم تقتصر سياسة الحاكم الدينية على هذه الناحية من اضطهاد النصارى واليهود, ولكنها كانت تتناول الناحية الإسلامية أيضاً بكثير من الأحكام والأوامر الشاذة, وقد كان الفاطميون يحكمون في مصر شعباً لا يتبعهم من الوجهة المذهبية فأهل مصر هم على مذهب أهل السنة بينما الفاطميون شيعة إسماعيلية, وكان العمل على تدعيم هذه الصبغة المذهبية أهم عناصر سياستها الدينية, وقد حذا الحاكم حذو أبيه العزيز وجده المعز, وعمل لبث الدعوة الفاطمية في قوة وجرأة, ففي سنة 395هـ, أمر بسب السلف (أبي بكر وعمر وعثمان وعائشة ومعاوية وغيرهم من الصحابة) وكتب ذلك على أبواب الجوامع والمساجد, ولا سيما جامع عمرو وعلى أبواب الحوانيت والمقابر والدور وأرغم الناس على المجاهرة به ونقشه في سائر الأماكن, وكان يصدر الأوامر الغريبة, ففي رجب سنة 394هـ, منع الناس من صلاة الضحى والتراويح, وقبض بالفعل على أناس وضربوا وشهروا, وفي المحرم سنة 395هـ, قرىء سجل بأن يؤذن لصلاة الظهر في الساعة السابعة, ويؤذن لصلاة العصر في الساعة التاسعة, لكنه عاد وأباح صلاة الضحى وصلاة التراويح في رمضان سنة 398هـ أو سنة 399هـ, لكن في أواسط سنة 401هـ, صدر سجل جديد بترك " الصلاة خير من النوم " من آذان الفجر, وأن يؤذن بـ " حي على خير العمل " وأن تمنع صلاة الضحى والتراويح.
وجاء في بعض الروايات أن الحاكم حاول أن يعدّل بعض الأحكام الجوهرية كالصلاة والصوم والحج, ولقد كان الحاكم في أواخر عصره يذهب إلى أبعد مدى من الغلو والإنحراف, فيؤيد الدعوة السرية إلى فسخ أحكام الإسلام, وإلى الدعوة بألوهيته وقيامه.
 
الدعوة السرية الفاطمية:
تعتبر الدعوة السرية الفاطمية من أخطر نواحي عصر الحاكم, وأخطر نواحي العصر الفاطمي كله, فقد قامت الدولة الفاطمية على أسس الدعوة الشيعية في ظروف غامضة, واتشح الخلفاء الفاطميون بثوب الإمامة الدينية, وردّوا بنسبتهم إلى علي بن أبي طالب, وفاطمة ابنة النبي صلى الله عليه وسلم, ومساق إمامتهم إلى إسماعيل بن جعفر الصادق, ومن ثم كانت تسميتهم أيضاً بالإسماعيلية.

وكان الخلفاء الفاطميون يحرصون كل الحرص على صفة الإمامة وعلى توطيدها ونشر لوائها بمختلف الوسائل, إذ هي شعارهم الأسمى, وعماد سلطانهم الروحي, ومعقد مطامعهم السياسية, وقد استطاع الفاطميون أن يجنوا ثمار كفاحهم, فبسطت الدولة ظلها بعد شمال أفريقيا على مصر والشام والحرمين, وكان هذا الانضواء تحت لواء الخلافة الفاطمية يتخذ قبل كل شيء لون الظفر السياسي, بَيْد أنها كانت تحرص على أن تحقق ظفرها المعنوي إلى جانب ظفرها المادي, وأن تغزو عقائد المجتمعات التي يدفعها أو تحملها السياسة على الانضواء تحت لوائها ومن ثم كان نشاط الفاطميين في بث دعوتهم المذهبية, وفي العمل على توطيد دعائمها.

ولما استقر الفاطميون بمصر, شعروا بالحاجة إلى مضاعفة جهودهم لنشر مذهبهم الإسماعيلي الباطني وذلك أنها لم تجد في مصر مهداً خصباً لدعوتها, فكان عليها أن تتوسل لغزوها بكافة السبل, واعتمدت على الدعاية السرية وغزو الأذهان بطريقة منظمة, وكان لهم دعاة في سائر الأقطار.
وليس أدل على ما كانت ترتبه الفاطمية من عظيم الأهمية على بث دعوتها المذهبية, واتخاذها وسيلة نافذة لحشد المؤمنين والكافة تحت لوائها مما ورد في كتاب المعز الفاطمي إلى الحسن الأعصم أو الأعظم زعيم القرامطة من تلك العبارة القوية التي يشير فيها المعز إلى عناية الدولة الفاطمية ببث دعوتها في مختلف الأقطار: " فما من جزيرة في الأرض ولا إقليم إلا ولنا فيه حجيج ودعاة يدعون إلينا, ويدلون علينا, ويأخذون تبعتنا, ويذكرون رجعتنا, وينشرون علمنا وينذرون بأسنا, ويبشرون بأيامنا... "
وعيّن لهذا الغرض عالم كبير عندهم كان يطلق عليه (داعي الدعاة) .
مراتب الدعوة
نستطيع القول أن الدولة الفاطمية كان لها دعوة مذهبية خاصة, وقد أولتها الدولة عناية فائقة, ومن الطبيعي أن تكون مادتها الأولى ما تقوم عليه الدعوة الشيعية الفاطمية من الأصول والمباديء وكانت الدعوة تجري على نسق الجمعيات السرية, في مراتب متدرجة من الأهمية والخطورة, ومراتبها تسع, يعرضها الدعاة بالتعاقب, طبقاً لاستعداد التلاميذ وأهليتهم لتلقيها, فلا يصل إلى مراتبها العليا إلا من كان موضع الثقة والإفضاء, حريصاً على السر, وفيما يلي ملخصاً لهذه الدعوات التسع:
الأولى: يسأل الداعي المدعو عن بعض المسائل الدينية والشرعية, فإذا كان عارفاً بما سُئل أقرّه الداعي, وإلا فإنه يعرضها عليه للبحث والتأمل, ثم يلقنه أن الدين أمر مكتوم يجهله السواد والكافة, وأن انصراف الناس عن أئمتهم هو أصل الشر والخلاف.
الثانية: إذا وثق الداعي بالمدعو وأنس فيه قبولاً, ووثق بحرصه وكتمانه, عندئذ يلقنه أن الله لا يقبل أن يأخذ الناس الدين والشريعة إلا عن طريق أئمة نصبهم الناس.

الثالثة: يلقنه أن الأئمة سبعة رتبهم الله كما رتب السماوات والأراضين, وأن السابع هو القائم صاحب الزمان وهو محمد بن إسماعيل بن جعفر الصادق, ويلقي إليه أن عند الإمام علم المستور وبواطن الأمور.

الرابعة: يلقن الداعي المدعو أن الأنبياء المعتبرين الناسخين للشرائع سبعة كعدد الأئمة, وكل منهم لا بد له من صاحب يأخذ عنه دعوته, ويحفظها على أمته, ويكون له ظهيراً في حياته ثم يخلفه بعد وفاته.
الخامسة: أنه لا بد مع كل إمام في كل عصر حجج متفرقون في الأرض, وعددهم إثنا عشر رجلاً في كل زمان.
السادسة: يحدثه عن شرائع الإسلام وفرائضه كالصلاة والصيام والزكاة, وأن لها معانٍ باطنة غير ظاهرة, وأنها وضعت على سبيل الرموز لمصلحة عامة. وينتقل به إلى ميدان الفلسفة ونظريات الفلاسفة مثل أفلاطون وأرسطو, ويعلمه أن منطق العقل هو المعوّل عليه في الأمور, لا الأخبار والأشياء المنقولة. 
السابعة: أن صاحب الشريعة لا يستغني بنفسه, وأنه لا بد من صاحب معه يعبر عنه ليكون أحدهما الأصل, والآخر يصدر عنه, وهذا إنما هو إشارة العالم السفلي لما يحويه العالم العلوي.
الثامنة: أن مدبر الوجود والصادر عنه, إنما هو تقدم السابق على اللاحق, والسابق عندهم (الله عز وجل) لا اسم له ولا صفة, ولا يعبر عنه ولا يحدد, فلا يقال هو موجود ولا معدوم, ولا عالم ولا جاهل.
التاسعة: الانتقال إلى ميدان العلوم الفلسفية والطبيعية, وما بعد الطبيعة, وأن ما ذكر من الحدوث والأصول, إنما هي رموز إلى معاني المباديء وتقلب الجواهر, وأن الوحي إنما هو صفاء النفس, فيجد النبي في فهمه ما يلقى إليه ويتنزل عليه, فيبرزه إلى الناس, ويعبر عنه بكلام الله, الذي ينظم به النبي شريعته حسبما يرى من المصلحة في سياسة الكافة, ولا يجب العمل بهذه الشريعة إلا بحسب الحاجة في رعاية مصالح الدهماء, وليس على العارف المستنير أن يعمل بها.
وفي تعليقه على عناصر الدعوة المذهبية الفاطمية, ومراتبها السرية يقول     د. عنان: " إننا نجد أنفسنا أمام دعوة فلسفية حرة, ترمي إلى هدم العقيدة الدينية العادية", ويقول في موضع آخر من كتابه: " من المسلم به إذاً أن الدعوة الفاطمية, كانت لها ناحية سرية, يُضنّ بها على الكافة, ولا يُفضى بها إلا إلى الصفوة من الناس, وأن هذه الدعوة السرية كانت تتضمن مبادىء فلسفية إلحادية ".

نشأة الدعوة وتطوراتها

وفي فصل خاصٍ من الكتاب, يتحدث المؤلف عن أصل الدعوة السرية الفاطمية التي نشأت ونظمت مبادؤها على يد جماعة من الثوريين الملاحدة بزعامة أبي شاكر ميمون بن ديصان البوني المعروف بالقداح. وكان ميمون القداح هذا داعية ملحداً تفقه في دروس الأساطير الدينية, والبحوث الكلامية والجدل الفلسفي, ومتآمراً وافر الإقدام والجرأة, وكان فارسياً مجوسياً من سبي الأهواز, ثم تظاهر بالإسلام والتشيع.
وقد بدأ ميمون حياته مولى لجعفر بن محمد الصادق, وسُجن في عهد المنصور, وفي السجن وضع ميمون وأصحابه دعوتهم, ولمّا خرج من السجن, انضم إليه كثير من غلاة الرافضة والحلولية وادّعى أنه من ولد محمد بن إسماعيل بن جعفر الصادق, وانتشرت دعوته في جنوب فارس وفي جنوب العراق والبحرين, وانبث دعاته في كل مكان يتسترون ظاهراً بالتشيع, ويعملون في الخفاء لبث مبادئهم الإلحادية, وكانوا يتوسلون للتأثير في الناس بأعمال التنجيم والسيمياء, وبعض التجارب الكيميائية التي كانوا يتقنونها.
وحمل الدعوة بعد ميمون ولده عبد الله, وكان مثل أبيه براعة وتبحّراً في المباحث الفقهية والكلامية والنظريات الفلسفية, وكان يدعو لإمامة آل البيت الذين كان يزعم الانتساب إليهم, وكان يدّعي العلم بالغيب والأسرار الروحيّة والعلوم الخفيّة.
وكانت هذه الدعوة الإلحادية ترمي إلى نشر المجوسية بالتأويلات التي يتأول بها دعاتهم على القرآن والسنة, ويستدلون بذلك على أن إمامهم وزعيمهم الأول, ميمون بن ديصان كان مجوسياً, ويستدلون أيضاً بما قاله البرذهي, وهو من زعمائهم في بعض رسائله: " إن المبدع الأول أبدع النفس, ثم إن الأول والثاني دبرا العالم بتدبير الكواكب السبعة والطبائع الأربع, وهذا ما يطابق قول المجوس أن اليزدان خلق أهرمن, وأنه مع أهرمن مدبران للعالم, غير أن اليزدان فاعل الخيرات, وأهرمن فاعل الشرور.
ولم يبحث ابن ميمون عن أنصاره الحقيقيين بين الشيعة الخلّص, ولكن بين الوثنية والوثنيين وطلاب الفلسفة اليونانية, وإليهم وحدهم استطاع أن يفضي بسره وعقيدته وهو أن الأئمة والأديان والأخلاق ليست إلا ضلالاً وسخرية.

وهكذا حمل عبد الله دعوة أبيه, ونظمها ببراعة مدهشة, واتخذ بلدة ساباط, جنوب الفرات, مركزاً لدعوته, ولمّا شعرت السلطات العباسية بخطورة هذه الحركة, نشطت إلى إخمادها, وفرّ عبد الله أولاً إلى البصرة, ومعه الحسين الأهوازي من أقطاب شيعته, فلما جدّت السلطات في مطاردته فرّ الحسين إلى الشام, ونزل ببلدة "سلمية" من أعمال حمص, واتخذها مركزاً للدعوة.

وحمل الدعوة من بعده ولده أحمد, وسيّر الحسين إلى العراق, وهناك استطاع أن يمهد لإضرام الشرارة الأولى في تلك الثورة الملحدة, ونعني ثورة القرامطة التي ابتدأت في جنوب العراق سنة 280هـ, على يد الفرج بن عثمان الفاشاني المعروف بذكرويه, وحمدان بن الأشعث المعروف بقرمط, وهو الذي تنسب إليه القرامطة, وكانت الدعوة قد اجتاحت جنوب فارس كله, وانسابت إلى البحرين والإحساء, وعاش القرامطة حيناً في جنوب العراق وغزوا الشام غير مرّة, واستقرت دولتهم بعد ذلك في البحرين في أواخر القرن الثالث الهجري, وعصفت مبادؤهم الإلحادية الإباحية بالعالم الإسلامي.
وخلف أحمد بن عبد الله بن ميمون في حمل الدعوة الباطنية ابنه الحسين ثم أخوه محمد المعروف بأبي الشلعلع, وكانت الدعوة قد ثبتت واستقرت, وقويت شوكة أئمتها ودعاتها, وكثرت أموالهم ورسلهم, وبعث محمد بدعاته إلى المغرب وعلى رأسهم أبو عبد الله الحسين بن أحمد المعروف بالشيعي, فنشر الدعوة هناك, وأخذ يبشر بظهور المهدي المنتظر, ثم قام بالدعوة سعيد بن الحسين, ويقول بعض المنكرين لنسب الفاطميين أن سعيداً هذا ليس ولد الحسين, وإنما هو ولد زوجته اليهودية, ربّاه ولقنه أسرار الدعوة, واختاره للزعامة والإمامة من بعده.
وسعيد هذا هو الذي فرّ إلى المغرب, حينما همّت السلطات بالقبض عليه وإخماد دعوته, ففرّ إلى مصر ومنها إلى إفريقيا, وهناك زعم أنه من ولد إسماعيل بن جعفر الصادق, أو بالأحرى من ولد علي وفاطمة, وتسمى بعبيد الله المهدي أبي محمد, وزعم أنه المهدي المنتظر, وكان أبو عبد الله الشيعي قد مهّد له سبيل الدعوة, واجتذب إليه عدداً من القبائل البربرية القويّة, فاستطاع عبيد الله بعد خطوب وأحداث جمّة أن يجتني لنفسه ملك الأغالبة, وأن يؤسس دولة العبيديين أو الدولة الفاطمية بأفريقيا (296هـ - 909م), وتوطدت دعائم الدولة الجديدة بسرعة, ولم تلبث أن غلبت على المغرب كله, ثم افتتحت مصر, واتخذتها مستقراً ومنزلاً (359هـ - 363هـ).

 

 
 
 
 
الاسم:  
عنوان التعليق: 
نص التعليق: 
خانة التحقق