كتاب الشهر\العدد الرابع - شوال 1424هـ
تاريخ إيران السياسي بين ثورتين
الأثنين 28 أغسطس 2006
تاريخ إيران السياسي بين ثورتين
(1906 – 1979)
تأليف: د. آمال السُّبكي
 عن سلسلة عالم المعرفة الصادرة في الكويت, تتعرض د. آمال السّبكي في كتابها (تاريخ إيران السياسي بين ثورتين 1906-1979) إلى جانب من تاريخ إيران الحديث, حيث كانت تلك الفترة مليئة بالأحداث الجسام, داخلياً وخارجياً, وكانت إيران تؤثر وتتأثر بها.
وكانت الكثير من الأحداث في إيران انعكاساً للمشهد العالمي وسياسة الاستقطاب من القوى الكبيرة, وشهدت الفترة المشار إليها أحداثاً عالمية كبرى كالحرب العالمية الأولى سنة 1914-1918, والثانية سنة 1939-1945, والثورة الشيوعية في روسيا سنة 1917, حيث تأثرت إيران بهذه الأحداث وغيرها تأثراً كبيراً.
في بداية الكتاب تتحدث المؤلفة عن الأوضاع من سنة 1906 إلى سنة 1914, أي من الثورة الدستورية إلى اندلاع الحرب العالمية الأولى, وكان يحكم إيران –آنذاك- الدولة القاجارية التي فتحت الباب على مصراعيه للنفوذ الأجنبي والاستثمارات الأجنبية وخاصة البريطاني والروسي, الأمر الذي أثار الطبقة الوسطى([1]) في إيران الساعية لبناء اقتصاد رأسمالي, وعطّل طموحاتها في المشاركة في النفوذ والثراء.
وتعد هذه الطبقة مصدر التمويل الأساسي للمؤسسة الدينية الشيعية, من خلال ما تمنحه لرجال الدين من رواتب, وما توقفه على مساجدهم ومدارسهم من أوقاف, وما تمنحه إيّاهم من الخمس([2]) , لذلك ارتطبت هذه الطبقة برجال الدين ارتباطاً وثيقاً, وصار من الصعب فصل السوق أو البازار عن المسجد.
العداء الشيعي للقاجاريين:
وتوجهت سهام العداء إلى الأسرة القاجارية, خاصة أن الآثار السلبية لسياسة الاستدانة والامتيازات الاقتصادية للأجانب انعكست على مصالح الرأسمالية الإيرانية, ممّا قلل من عائدات الخُمس والتكايا, والأوقاف الموجهة من الأغنياء للإنفاق على المدارس والحوزة العلمية في "قم" وغيرها.
وذهب أئمة الشيعة بعيداً في عدائهم للقاجاريين, فروّجوا بأن القاجاريين كانوا منخرطين في الجيش الأموي في معركة كربلاء, وادّعوا وجود الخنجر الذي استخدم في قطع رأس الإمام الحسين بحوزة حاكم طهران! ومن أجل تحقيق ذلك, كان أئمة الشيعة يستغلون المناسبات العديدة كالتعزية([3]) لتوجيه الرأي العام نحو أهدافهم, ومنها إقناع الناس بعدم جواز ولاية الإمام الظالم.
وعن هذا المسلك لرجال الدين الشيعة تقول المؤلفة ص23: "إن بنية العقيدة الشيعية الإثنى عشرية تخلق لدى المجتمع المتشيع –طبقاً لمفاهيم أئمة الدين وكذا تحريضاتهم- نوعاً من العداء العملي تجاه الدولة المدنية, وتترك فراغاً نفسيّاً لدى المتدينين يقوم بملئه رجال الدين خصوصاً وهم المسؤولون عن الفتوى في القضايا الشرعية والمسائل الدينية, مما أتاح لهم فرصة إصدار فتاوى وبيانات قد تتعارض مع صلاحيات السلطة الحاكمة عمليّاً".
واندلعت في عهد القاجار سنة 1906 ثورة أطلق عليها "الثورة الدستورية" كانت تطالب بإصلاحات سياسية, وفي سنة 1925 انتهت هذه الدولة على يد رضا بهلوي الذي كان قائداً للجيش ورئيساً للوزراء, وأسس على انقاض القاجار نظاماً ملكيّاً جديداً.
البهلويون:

وفي عهد الدولة البهلوية (1925-1979) كانت إيران مسرحاً للتدخلات الخارجية والتنافس الغربي, خاصة من قبل الاتحاد السوفييتي وبريطانيا وألمانيا والولايات المتحدة.

كما أنه تم في بداية عهدهم احتلال إمارة عربستان([4]) وضمها إلى إيران نهائياً تحت اسم "خوزستان", وهو الإسم الذي ما زالت تطلقه إيران على هذه المنطقة العربية.
وقاد رضا بهلوي جملة من الاصلاحات الاقتصادية وأطلق العديد من المشروعات, إلا أنها لم تؤثر بشكل كبير على محاربة الفقر والأمّيّة.
واصطدم بهلوي بالمؤسسة الدينية عندما سمح بخلع الحجاب, وأنشأ محاكم مدنية لسحب البساط من تحت أقدام رجال الدين في القضاء الذي منعهم من ممارسته إلا بعد الحصول على شهادة الحقوق من جامعة طهران أو أي جامعة أوروبية.
كما أنه فرض الملابس الغربية على الرجال, وألغى بعض المناسبات الدينية الشيعية, وأصبح الذهاب للحج بتصريح خاص, وقلّص عدد المدارس الدينية, وصادر ممتلكات وأوقاف المؤسسة الدينية.

وتميز عهد بهلوي بطمس هوية القوميات غير الفارسية, وإذابة هويتهم داخل إطار القومية الفارسية, وانصبت الجهود بشكل أساسي على منطقة عربستان التي تقطنها عناصر عربية, فقد ألغى بهلوي تداول اللغة العربية في المعاملات الرسمية, ومنع الغناء العربي في المقاهي, وأطلق على المحلات العربية أسماء فارسية, واستبدل الملابس العربية بالفارسية, وجرد القبائل العربية من السلاح, والأمر نفسه تم تطبيقه على المناطق الكردية([5]) حيث تم منع تداول اللغة الكردية, وتحريم ارتداء الأزياء الخاصة بهم, وتحويل أسماء القرى والمدن إلى أسماء فارسية, وتهجير عدد كبير من القبائل الكردية في كردستان إلى مناطق أخرى سنة 1935, حيث تعرضت أعداد غفيرة للموت في الطريق, كما أن المناطق الكردية لم تحصل على نصيب معقول من مراكز التصنيع التي تم إنشاؤها.

وفي عام 1941 تم عزل رضا بهلوي من قبل القوات الأجنبية المتواجدة في إيران ونفيه, وتنصيب ابنه محمد مكانه.
واستمر محمد رضا بهلوي في سياسة والده من حيث هدر ثروات البلاد وقمع المعارضين واضطهاد علماء الدين, رغم بعض الفترات التي كانت تشهد انفراجاً محدوداً, وكان من الطبيعي أن تزداد القوى المعارضة لحكم الشاه بهلوي, سواء تلك التي كانت تطالب بإلغاء الملكية وإقامة نظام جمهوري, أو تلك التي كانت تفضل ملكية دستورية وصلاحيات أوسع لمجلس النوّاب.
وشهد العامان السابقان لثورة الخميني (1977-1979) جهوداً محمومة لإسقاط نظام الشاه اشترك فيها غالبية الأحزاب والقوى في المجتمع الإيراني, حيث اندلعت المظاهرات في عموم إيران, وازدادت المعارضة له في الداخل والخارج على حدّ سواء.
ثورة الخميني:

وتشير د. السّبكي إلى ما صاحب الثورة الإيرانية سنة 1979 من ضجّة إعلامية ضخّمت من قدرتها, وأضفت هالة من التقديس والقدرة التنظيمية الفائقة على قياداتها والقائمين عليها, كما تفنّد المؤلفة وجود تكاتف وتلاحم بين عناصر المؤسسة الدينية بكل درجاتهم مع زعامة الثورة, حيث أن واقع الحال قد كشف عن وجود تباين واضح وخلاف جوهري بين أعضاء المؤسسة الدينية في إيران من جهة, وأعضاء المؤسسة ورموز الثورة الدينية من جهة أخرى, كما أنه بدا على السطح أن التحالف بين رموز الثورة كان مؤقتاً, لأن خطوط الالتقاء لهذا التحالف كان اسقاط الحكم الملكي, فما لبثت الخلافات أن تفجرت بإلغاء الملكية, وتسلمهم الحكم في إيران مع مطلع سنة 1979, وهكذا هو شأن الثورات, تساهم فيها تيارات عديدة, ثم يطغى تيار على التيارات الأخرى, ويفرض نفسه ويبدأ بإقصاء الآخرين.

وبلغ الاختلاف مداه بين رجال الدين, وتركزت في المقام الأول حول مفهوم ولاية الفقيه([6]) التي كان الخميني من أهم الذين نظروا لها وتبنوها, وهو أوّل من جسّدها عمليّاً, واعتبرت تلك الولاية الأولى من نوعها في تاريخ إيران الحديث, وثارت التساؤلات حول مدى التلاقي والخلاف حول حدود الولاية من الوجهة الدينية والسياسية, ومدى صلاحية الإمام لقيادة الدولة سياسياً.
وظهرت بين مختلف التيارات الدينية في الثورة الإيرانية خلافات سياسية, ودينية واجتماعية شديدة الحدة في الشارع الإيراني, ولم تكن الخلافات التي برزت مقتصرة على الجانب الفكري والنظري فحسب, بل تعدته إلى وسائل وتفاعلات الممارسة العملية وسط الجماهير الإيرانية, لأن الثورة استعانت بأجهزة الدولة المدنية وأجهزة الثورة المستحدثة أيضاً.
ولم يكن يخطر على بال مراجع "قم" أن ينجح الخميني في تفجير الثورة وقيادة الدولة في آن واحد, وعليه نشأت حساسية شخصية وعلمية بينه وبين المراجع الآخرين, وخصوصاً أن ولاية الخميني السياسية تؤدي إلى صيغة المرجع الأوحد, كما ستؤدي إلى سيادته المرجعية عليهم, إضافة إلى عدم إيمان الكثير منهم بولاية الفقيه, وفضل هؤلاء انتظار الإمام الغائب!.
واصطبغت الثورة بالصبغة الدينية بعد عامين من الصراع وتحديداً سنة 1981, تم فيها تصفية المعارضة بأجنحتها المختلفة.
المواقف الغربية:

وإزاء الاحتضار الذي كان يعيشه نظام الشاه, أعلنت الخارجية الأمريكية أنها لن تتدخل في شؤون إيران, وحرصت الولايات المتحدة على إبعاد الجيش عن التدخل في الصراع الدائر أو الانحياز لنظام الشاه.

أما في بريطانيا, فقد ساندت هيئة الإذاعة البريطانية الخميني بشدّة, وكانت تبث الدعوة لقلب نظام الشاه بصورة مباشرة, إضافة إلى إذاعة بيانات الخميني وخطبه لتحريض الشعب ضد الشاه.

كما أن فرنسا استقبلت الخميني سنة 1978 بعد خروجه من العراق, حيث رغبت فرنسا في استثمار مرحلة ما بعد الشاه لصالحها اقتصادياً.
أما الاتحاد السوفييتي فقد اعترف على الفور بالخميني زعيم الثورة الإيرانية وبالنظام الجديد.
وجاء التطبيق العملي لمنهج الثورة في إدارة الحكم والسياسة ليفرز على الساحة الإيرانية ست مجموعات دينية متميزة, وكان لكل مجموعة مصالحها الخاصة, وأيديولوجيتها ورؤاها المستقلة, وهذه المجموعات هي:
أولاً: الثوريون الراديكاليون:
وكان الخميني على رأس هذه الجماعة التي ضمّت أعداداً غفيرة من تلاميذه السابقين الذين تحركوا بصورة فاعلة بعد أن هدأت الثورة بين أوساط صغار التجار ورجال الدين البسطاء, وكانوا ينشرون خطب الخميني, وقد شكلوا لجاناً من الشباب المسلح لتعقب المعارضين, وكانت الجماعة تهدف إلى إقامة حكم رجال الدين بدلاً من نظام الشاه.
ثانياً: المتدينون المعتدلون:
وعلى رأسها رجل الدين الشيعي شريعتمداري, وكان لا يرى بولاية الفقيه كما أصّلها الخميني حيث كان يرى ضرورة عدم تدخل رجال الدين في إدارة الأمور المدنية إلا عند الضرورة كحالة عدم وجود حكومة.
وكانت الجماعة تطالب بالإبقاء على نظام الشاه مع تحويله إلى ملكية دستورية, وقيل أن مطلبها هذا كان من باب "التقية"([7]) , وكان الكثير من رجال الدين الشيعة يؤيدون شريعتمدراي سرّاً خوفاً من بطش الخميني وأنصاره.
ثالثاً: المثقفون الليبراليون:
وعلى رأس هذه الجماعة مهدي بازركان رئيس الوزراء الذي عينه الخميني فور وصوله, وقد تشكلت هذه الجماعة بعد استقالة بازركان من رئاسة الحكومة التي شغلها تسعة أشهر قضاها في شقاق مستمر مع رجال الدين وعلى رأسهم الخميني, حيث صرّح ذات مرّة بأن إيران سائرة نحو الخراب, وأن الخميني يتخذ قراراته دون علم أحد, كما ندد بازركان بالمحاكمات السرية التي كانت تعقدها الثورة وطريقة معاملة السجناء, وبممارسات اللجان الثورية التي كانت منتشرة في طول البلاد وعرضها.
رابعاً: الإصلاحيون:
وهم بالأساس من المتأثرين بالمفكر الشيعي علي شريعتي الذي كان دائم الانتقاد لممارسات رجال الدين الشيعة وممارستهم للكهنوت ومحاولة الحجر على عقول الناس.
خامساً: الوطنيون التقليديون:
وتمثل هذا التيار الجبهة الوطنية وهي من أقدم الأحزاب السياسية في إيران, وبرز منها محمد مصدّق الذي تولى رئاسة الحكومة في الخمسينات, وقام بتأميم صناعة النفط الإيراني.

سادساً: اليسار الإيراني:

وعلى رأسها حزب توده الشيوعي وجماعات الفدائيين: "فدائي خلق" و "مجاهدي خلق" وكانت تتبنى الأفكار الشيوعية والاشتراكية كالمطالبة بتأميم الصناعات الثقيلة ومصادرة أموال الأغنياء وتوزيع الأراضي الزراعية على الفلاحين, كما أنها طالبت بقطع صلات إيران بدول الغرب عدا الاتحاد السوفييتي.
وتستخلص المؤلفة مما سبق أن زعامة الخميني لم تكن زعامة للشعب بلا منازع, بل إن معارضة رجال الدين الشيعة لولاية الفقيه كانت أكبر مما تصوره الباحثون, ناهيك عن المعارضين لمبدأ ولاية الفقيه من الجماهير الإيرانية المثقفة.
وبالرغم من أن المواطنين رحّبوا بالثورة, إلا أن ذلك لم يكن حباً في رجال الدين أو ثقة في قدرتهم على إدارة الدولة بقدر ما كان ترحيباً بالقوى التي استطاعت تخليصهم من النظام البهلوي, إضافة إلى غياب الزعامة السياسية المناظرة للخميني, حيث تلوثت سمعة السياسيين الإيرانيين بسبب تعاونهم مع الشاه.
وتضع د. السّبكي أسباباً خمسة لتفوق تيار الخميني على التيارات الأخرى وبالتالي إقصائه لهم:
1-  إهمال الشاه لقوة رجال الدين, فكانت الفرصة مواتية له لشحن أنصاره ضد الشاه علىعكس الأحزاب السياسية والنقابات والجمعيات التي قام الشاه بحلّها.
2- تأجيج الشاه للميول الثورية من خلال استعماله القوة لإخماد التظاهرات, فساهم ذلك في رفع أسهم الخميني, الذي اشتهر برفضه للحلول الوسط, كما أن بطش الشاه ساهم في دفع المعارضة المعتدلة إلى الانضمام إلى الخميني.

3-  لم يجد العلمانيون والليبراليون فرصة لنشر أفكارهم في ظل احتكار رجال الدين للمنابر, الذين كانوا يهاجمون العلمانيين ويصفونهم باتباع الغرب.

4-    حياة الخميني في المنفى جعله يبتعد عن البازارات والأموال التي كانت تلوث رجال الدين.
5-    ذكاء الخميني وقدرته على جذب المستمعين.
 
توطيد الحكومة الدينية:
يتحدث الفصل الأخير من الكتاب عن الحكومة التي شكلها مهدي بازركان في بداية الثورة التي كانت تعد ائتلافاً جمع الكثير من الرموز السياسية الموجودة على الساحة الإيرانية, حيث كان الخميني يحرص على عدم كشف أوراقه دفعة واحدة.
ولم يكن رئيس الوزراء بازركان ورفاقه يتمتعون بالسلطة المطلقة لإدارة الدولة, لأن الخميني عمل على وجود سلطتين متوازيتين منذ اللحظة الأولى: سلطة رسمية تمثل واجهة مقبولة للنظام أمام العالم وهي الحكومة, وسلطة فعلية تباشر شؤون الدولة مكونة من اللجان الثورية المحلية, ومحاكم الثورة, واللجنة المركزية لرجال الدين, والمجلس الثوري, ومجلس الخبراء الذي أسندت إليه مهمة إعداد الدستور.
أما الوزارات والوكالات المركزية للإعلام, والإدارات التابعة لمناطق الريف والجيش وشرطة الريف وشرطة المدن فكانت تتبع فعلياً اللجان الثورية, أما رسمياً تتبع رئاسة الوزراء.
ولذلك شعر بازركان ورفاقه بمأساوية الأوضاع والخطر على حياتهم, وعدم القدرة على إنجاز أعمالهم, الأمر الذي جعل بازركان يردد مقولته الشهيرة: "لقد أعطوني سكيناً بلا نصل بينما وضع النصل في أيدي الآخرين".

واستمر الخميني في سياسته الداعمة لثنائية السلطة, فأخذ يشكل اللجان الثورية ومحاكم الثورة, ومصادرة ممتلكات الأسرة البهلوية والأثرياء, ويعين أئمة الشيعة لإلقاء خطب الجمعة في المدن الرئيسة, وكي يراقبوا في الوقت نفسه أعمال محافظي الأقاليم, ثم أنشأ مجلس قيادة الثورة الذي كانت مهمته الرئيسة الإشراف على الحكومة المؤقتة نفسها.

بني صدر في الرئاسة:
في يناير من سنة 1980 تولى رئاسة الجمهورية أبو الحسن بني صدر, ولم يكن بعيداً في معاناته عن بازركان الذي منذ اللحظة الأولى لتوليه مهامه بأنه قد جرّد من صلاحياته, بعد أن أعطى الدستور الجديد الخميني صلاحيات إقالة رئيس الجمهورية وإعلان الحرب.
وتمحورت الخلافات بين بني صدر والمؤسسة الدينية في الأمور التالية:
1-       الرهائن الأمريكيين المحتجزين في إيران حيث كان يرفض بني صدر استمرار احتجازهم.
2-       استمرار الحرب العراقية الإيرانية.
3-       الاقتصاد المنهار, وزيادة الاسعار 50% خلال عام واحد, وزيادة عدد العاطلين عن العمل إلى أربعة ملايين.
4-       التزايد السريع للمنظمات الماركسية مثل المنظمة الإسلامية للفدائيين التي تعتبر وريثاً لحزب توده الشيوعي([8]) .
 ختاماً
ارتبط التاريخ الحديث لإيران بالثورات ارتباطاً وثيقاً, ذلك أن الأوضاع المتردية سياسياً واقتصادياً وأمنيّاً دعت الناس للتفكير بالخروج من أوضاعهم الحالية والبحث عن حكم جديد أو على الأقل إصلاح الحكم الموجود دون الدعوة إلى إسقاط ذلك الحكم.
ولم تكن ثورة الخميني سنة 1979 وهي الفترة التي انتهى عندها الكتاب استثناءً من الثورات التي اندلعت في مختلف أنحاء العالم, وادّعت أنها جاءت لخير البشرية, في حين أنها مارست شتى صنوف الظلم والقهر بعد نجاحها.
فثورة الخميني التي ادّعت أنها جاءت لإقامة الإسلام أو الدولة الإسلامية وحماية المستضعفين في العالم, وانخدع بها البسطاء من المسلمين كشفت عن وجهها الحقيقي من خلال ما مارسته من ظلم للإيرانيين واضطهاد الأقليات غير الشيعية وغير الفارسية, كما أن الاعتقالات والإعدامات الجماعية سمة ميزت هذه الثورة خاصة في بدايتها, وكذلك إهدار موارد الدولة والدخول في حرب مدمرة مع العراق, كان الخميني يرفض خلال سنواتها الثمان كل النداءات لوقفها.
كما أن تصدير الثورة الذي تبنته إيران الخمينية وهو يعني أن تنشر تجربتها ومذهبها بالقوة, حيث كان العراق أولى محطات هذا التصدير. كان لهذا التصدير الأثر السيء في توتر علاقات إيران بجاراتها ومختلف دول العالم, ذلك أن تصدير الثورة طال دولاً عديدة -وإن كان بنسب متفاوتة- وبخاصة الكويت والسعودية والبحرين والعراق ولبنان.
وبالرغم من أن حكماً جديداً حلّ في إيران سنة 1979, إلا أن السياسات الإيرانية في الداخل والخارج لم تختلف اختلافاً جوهرياً, وظلت إيران الثورة تمشي على هدى البهلويين والقاجار في كثير من الجوانب والسياسات.
فعلى الصعيد الداخلي استمرت إيران في ظل الخميني في إعلائها للعنصر الفارسي والحط من شأن بقية القوميات, بالرغم من كونها مسلمة, كما أنها قصرت الحكم والسياسة والمجتمع على المذهب الشيعي الاثني عشري, وترافق ذلك مع حملة منظمة لاضطهاد وتهميش أهل السنة في إيران, وهو الأمر الذي لم يكن بهذا السوء خلال حكم القاجار والبهلويين.
وعلى الصعيد الخارجي استمرت إيران الخميني في عدائها للعرب والمسلمين ومحاولة السيطرة على أراضيهم كما قام رضا خان من قبل واحتل منطقة عربستان, فقد قامت إيران باحتلال جزر إماراتية سنة 1992, وحتى الآن ترفض إيران إعادتها أو التفاوض بشأنها مدّعية ملكيتها لها.
وحيث أن ثورة الخميني سنة 1979 أو تلك الثورات المحدودة التي نشأت قبل ذلك كانت تندلع بسبب الظلم والفساد والفقر, فإن المتابع للأحداث في إيران يجد أن الظروف التي استدعت قيامها ما زالت قائمة, فالاضطهاد الفكري ما زال قائماً, فقد حُكِم على الأستاذ الجامعي هاشم آغاجاري بالإعدام لأنه انتقد سلطة رجال الدين في إيران, والأمثلة بهذا الصدد كثيرة, وإغلاق الصحف وتكميم الأفواه والاعتداء على الصحافيين والمثقفين أمور يومية لا تخفى على أحد.
كما أن إيران –بالرغم من ثرواتها وخيراتها- تئن من الوضع الاقتصادي السيء حيث انتشار الفقر والبطالة مما أدى لانتشار البغاء والتفكك الاجتماعي.
وما زالت ثورات الطلاب في إيران ماثلة أمامنا, حيث الجامعات في إيران هي الوقود والمحرك والمعوّل عليها في التغيير.
بقي أن نشير إلى أن مؤلفة الكتاب الدكتورة آمال كامل السّبكي من مواليد مصر وهي حاصلة على الدكتوراة في التاريخ من جامعة القاهرة سنة 1969, وتعمل رئيساً لقسم التاريخ بكلية آداب بنها, ولها العديد من المؤلفات عن التيارات السياسية في مصر والعلاقات الأمريكية العراقية والوجود السوفييتي في أفغانستان, وغيرها.

وقد صدر كتابها (تاريخ إيران السياسي بين ثورتين: 1906-1979) عن سلسلة عالم المعرفة التي يصدرها المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب في الكويت في جمادى الآخرة 1420هـ, اكتوبر (تشرين الأول) 1999 في 294 صفحة من القطع المتوسط, وقد قسمت الكتاب إلى تسعة فصول تناولت عصري القاجار والبهلويين ثم عصر ثورة الخميني, وما تبع ذلك من توطيد لهذه الثورة أثناء حياة الخميني أو بعد موته سنة 1989.

 


 

([1] ) الطبقة الوسطى تتشكل من تجار المدن, وملاّك الأراضي الصغار, وأصحاب حوانيت البازار والمشاغل الحرفية, وتأتي في المرتبة الثانية بعد الطبقة الارستقراطية الواسعة الثراء.
([2] ) الخمس: ضريبة مالية تعتبر من الأركان والفرائض في المذهب الشيعي تقضي بأن يسلم الشيعي إلى شيخه أو إمامه خمس (20%) ما يملك كل عام.
([3] ) التعزية: المناسبة السنوية لإحياء ذكرى كربلاء واستشهاد الإمام الحسين بن علي بالتمثيليات والأشعار المشجونة بعواطف البكاء على الحسين, ومن ثم توجيه المشاعر الغاضبة الحزينة ضد من يخالفون المذهب الشيعي أو رجال الدين الشيعة.
([4] ) عربستان: المنطقة الواقعة إلى الشرق من شط العرب, وتعد تتمة لمنطقة السواد في العراق, وتصل إلى سفوح جبال زاغروس والتي تحيط بها من الشمال والشرق.
يروي المنطقة نهرا (قارون) و (الكرخة), وتبلغ مساحتها ما يزيد على 185 ألف كيلو متر مربع, ويسكنها ما يزيد على ثلاثة ملايين إنسان, وقد كانت قبيلة (كعب) العربية هي المهيمنة على المنطقة منذ القرن الثاني عشر الهجري.
([5] ) الأكراد كانوا يشكلون اثني عشر مليون كردي يقطنون أذربيجان وهم من المذهب السنّي.
([6] ) ولاية الفقيه: نظرية سياسية شيعية جاءت تعالج خللاً في المعتقد الشيعي, وهو غياب المهدي عندهم, حيث يؤمنون أنه لا يجوز ممارسة الحكم وإقامة الدولة في غيابه, فهذا حق له وحده, وتقضي النظرية بأن يتولى الفقيه جميع مهام الإمام المهدي أثناء غيابه ومن ذلك إقامة الدولة. وكان أول من قال بها النائيني       (1273هـ-1355هـ) ولكن الخميني هو الذي دعا إليها وجسدها عملياً.
([7] ) التقية: إظهار الشيعة لعقائد وأفكار خلاف ما يبطنونه حرصاً في كسب المخالفين أو دفع ضررهم, أو إيهام البسطاء أن عقائد الشيعة لا تخالف عقائد المسلمين, والتقية عند الشيعة تسعة أعشار الدين كما جاء في مصادرهم.
([8] ) وهذه النقطة بحاجة للوقوف عندها مليّاً, حيث من غير الطبيعي أن تنشأ هذه المنظمات الشيوعية في دولة تدّعي أنها إسلامية فضلاً عن تكاثر هذه المنظمات والسماح لها بالعمل والانتشار واصدار صحف خاصة بها دون غيرها, وهذا يدل على الجذور الماركسية للخميني والتي بدأ يتناولها الباحثون حديثاً, انظر مجلة مختارات إيرانية عدد 30 (يناير 2003) ص13, وانظر بحث الثورية الماركسية للخميني في موقع    www.ansar.org/arabic/marksi.htm , كما أننا بحاجة إلى الوقوف على السياسات الاشتراكية التي تبناها الخميني مثل التأميم ومصادرة الأراضي, وتحديد عدد المساكن المملوكة للفرد بالمدن الإيرانية.
 
 
 
 
الاسم:  
عنوان التعليق: 
نص التعليق: 
خانة التحقق