سطور من الذاكرة\العدد السابع - محرم 1425هـ
فدك وخيبر
الجمعة 1 سبتمبر 2006
فدك وخيبر
سنة 11 هـ
فدك قرية بخيبر, فيها عين ماء ونخل, وهي مما أفاء الله به على نبيه محمد صلى الله عليه وسلم, و"فدك" هي إحدى القضايا التي استغلها البعض للطعن في أبي بكر الصديق رضي الله عنه, والإساءة إلى صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم.
تقول التفاصيل أنه بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم جاءت فاطمة رضي الله عنها إلى خليفة المسلمين أبي بكر الصديق رضي الله عنه تطلب ميراثها الذي تركه والدها رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو أرض فدك, فما كان من الصديق رضي الله عنه إلا أن ذكّرها بحديث النبي صلى الله عليه وسلم: (لا نورث, ما تركناه صدقة)([1]) وكان ممّا قاله الصديق لفاطمة رضي الله عنها: والذي نفسي بيده لقرابة رسول الله صلى الله عليه وسلم أحب إليّ من أن أصل قرابتي.
وتفهمت فاطمة رضي الله عنها ذلك, كيف لا وهي سيدة نساء العالمين, ثم طلبت فاطمة من أبي بكر أن يعيّن زوجها علي بن أبي طالب مسؤولاً عن هذا الوقف فلم يجبها وفسر ذلك بأنه لا يريد إلا ما عمل به النبي صلى الله عليه وسلم. وأكّد الصّدّيق لفاطمة أنه لا يفعل ذلك إلا ابتغاء مرضاة الله, واتباعاً لسنة أبيها صلى الله عليه وسلم فقال: (وإني والله لا أغير شيئاً من صدقات النبي التي كانت عليها في عهد النبي صلى الله عليه وسلم, ولأعملن فيها بما عمل فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم).
وكان مما قاله لها: (... وأما المال فإن تريديه فخذي من مالي ما شئت).

وكذلك فعل الصديق مع العباس عمّ النبي صلى الله عليه وسلم بل وكذلك كان التعامل مع بقية الورثة كزوجات النبي صلى الله عليه وسلم, ومنهن عائشة زوج النبي صلى الله عليه وسلم وابنة أبي بكر, لم تحصل على الإرث رغم أنها من الذين يرثون شأنها شأن فاطمة. بل تقول السيدة عائشة في هذا الشأن: "إن أزواج النبي صلى الله عليه وسلم حين توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم أردن أن يبعثن عثمان إلى أبي بكر ليسألنه ميراثهن, فقالت عائشة: أليس قد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا نورث, ما تركناه صدقة".

وهكذا كان أبو بكر يقتدي بعمل رسول الله صلى الله عليه وسلم, ويعامل الجميع بالعدل, ومنهم ابنته عائشة, وهكذا كان الصديق رضي الله عنه يعطي من فدك إلى آل النبي صلى الله عليه وسلم ما يكفيهم ويقسّم الباقي متآسياً بقول النبي صلى الله عليه وسلم (لا يقتسم ورثتي دينار, ما تركت بعد نفقة نسائي ومؤنة عاملي فهو صدقة)([2]) .
وبعد الصديق جاء الفاروق عمر, واقتدى بالنبي صلى الله عليه وسلم والصديق وأوكلها إلى علي والعباس ليعملا فيها ما عمل رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر وعمر. ثم تركها العباس إلى علي, بإشارة ابنه عبد الله بين يدي عثمان, كما رواه أحمد في مسنده. ولم يفضل عمر ابنته حفصة على غيرها وهي زوج النبي صلى الله عليه وسلم وإحدى الورثة.
وكذا في عهد عثمان, ولمّا جاء عهد علي رضي الله عنه لم يكن تعامله في هذه القضية يختلف عن تعامل الخلفاء قبله, بل إنه قال: (إني لأستحي من الله أن أرد شيئاً منع منه أبو بكر وأمضاه عمر).
والمتتبع لهذه القضية يلمس كم كانت قضية صغيرة هامشية, سرعان ما تم تجاوز آثارها, على عكس ما يشيعه الحاقدون على الإسلام, من اضطهاد الخلفاء لآل البيت, وحرمانهم من حقوقهم.
حتى ادّعوا بأن عمر بن الخطاب رضي الله عنه ضرب فاطمة رضي الله عنها وأسقط جنيناً كان ببطنها اسمه محسن! وأن الصحابة أحرقوا دارها, ووصل الأمر ببعض هؤلاء من السخافة والتجني إلى أن يرفع أحد المواطنين الإيرانيين الشيعة قضية في إحدى محاكم مدينة سبزوار الإيرانية على أبي بكر في سنوات الستينات من القرن الماضي, ويدّعي هذا المواطن واسمه حسين الواعظي أنه من الورثة القانونيين لفاطمة الزهراء, ويطالب أبا بكر –بعد موته- بإعادة بساتين فدك مع مبالغ تأجيرها لمدة 1380 عاماً!.([3])

ولعلّ الذين يستغلون قضية فدك للطعن في الصحابة الكرام لا يعلمون أن المذهب الشيعي الجعفري لا يورث المرأة من العقار والأرض شيئاً, وهذا ما ذكره الكليني في الكافي (كتاب المواريث ج7, ص137), وذكره الصدوق في كتابه من لا يحضره الفقيه (كتاب الفرائض والميراث ج4, ص347), وهذا أمر يدعو للاستغراب حيث أن هؤلاء يقيمون الدنيا ولا يقعدونها من أجل عدم إعطاء أبي بكر الصديق فاطمة من ميراث أبيها صلى الله عليه وسلم في الوقت الذي تنص كتبهم على أن المرأة لا ترث من العقار والأرض شيئاً.

وفيما يتعلق بميراث الأنبياء. فإن هؤلاء يستدلون بقول الله تعالى (وورث سليمان داود)([4]) على أن الأنبياء يورثون, والصحيح أن الوراثة في الآية هي وراثة الملك والنبوة, وليست وراثة المال لأن داود عليه السلام كان له أولاد كثيرون, فلم اقتصر القرآن على ذكر سليمان من بينهم لو كان المراد وراثة المال؟ وكذلك في قصة زكريا عندما قال الله تعالى على لسانه (فهب لي من لدنك وليّاً يرثني ويرث من آل يعقوب واجعله ربّ رضياً)([5]) فإن زكريا من الأنبياء الكرام والدنيا أحقر عنده من أن يسأل الله ولداً ليرثه ماله, وإنما سأل الله ولداً صالحاً يرثه في النبوة والقيام بمصالح قومه.
لذا فإن قضية فدك اجتهد فيها أبو بكر واقتدى بما كان يصنعه رسول الله صلى الله عليه وسلم وكان أبو بكر في الوقت ذاته محباً لآل بيت النبي صلى الله عليه وسلم عارفاً لحقهم.
لقد كان أبو بكر يأخذ غلة فدك, فيدفع إلى أهل البيت منها ما يكفيهم, ويقسم الباقي للصدقات كما أوصى النبي صلى الله عليه وسلم ونفذت الوصية في عهد عمر وعثمان وعلي أيضاً.
 
 
 
للاستزادة:
1-العواصم من القواصم – الإمام أبو بكر بن العربي بتحقيق العلامة محب الدين الخطيب ص39.
2-    النسب والمصاهرة بين أهل البيت والصحابة – علاء الدين المدرسي ص316.
3-مختصر منهاج السنة – شيخ الإسلام ابن تيمية – الجزء الأول ص229.
 
 

([1] ) حديث متفق عليه.
([2] ) رواه البخاري ومسلم وأبو داود.
([3] ) انظر التشيع العلوي والتشيع الصفوي للدكتور علي شريعتي ص295.
([4] ) سورة النمل (13)
([5] ) سورة مريم (5-6).
 
 
 
 
الاسم:  
عنوان التعليق: 
نص التعليق: 
خانة التحقق