كتاب الشهر\العدد السابع - محرم 1425هـ
إيران في ظل الإسلام
الثلاثاء 29 أغسطس 2006
إيران في ظل الإسلام
في العصور السنية والشيعية
الدكتور عبد النعيم حسنين
مقدمة
إيران دولة مسلمة, عرفت الإسلام منذ وقت مبكر عندما أرسل النبي محمد صلى الله عليه وسلم رسالة إلى كسرى ملك فارس يدعوه فيها إلى الدخول في الإسلام لكنه أبى واستكبر.
غيرأن شمس الإسلام وصلت إيران بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم, فقد بدأ الفتح الإسلامي لهذه البلاد سنة 13هـ في أواخر عهد أبي بكر الصديق رضي الله عنه, واستمرت عملية الفتح في عهد خليفته عمر بن الخطاب رضي الله عنه, وحقق المسلمون نصراً مبيناً في موقعة نهاوند سنة 21هـ, فسميت هذه الموقعة "فتح الفتوح" لأن دولة الساسانيين لم تقم لها قائمة بعدها, فاستكمل المسلمون فتح سائر أرجاء إيران في عهد الخليفة الثالث عثمان بن عفان رضي الله عنه, وقتل يزدجر آخر ملوك الساسانيين سنة 31هـ, فطويت صفحة الساسانيين وأصبحت إيران من ديار المسلمين.
والدارس لتاريخ إيران منذ الفتح الإسلامي إلى يومنا هذا يتبين له مرحلتين مختلفتين اختلافاً بيناً:
فالمرحلة الأولى غلبت عليها الصبغة السنيّة منذ الفتح الإسلامي حتى قيام الدولة الصفوية سنة 906هـ.
والمرحلة الثانية غلبت عليها الصبغة الشيعية منذ أن حكم الصفويون إيران ثم أعلنوا المذهب الشيعي مذهباً رسمياً للدولة سنة 907هـ وحتى يومنا هذا.
وهاتان المرحلتان المتباينتان في تاريخ إيران هما محور كتابنا لهذا الشهر المعنون بـ "إيران في ظل الإسلام في العصور السنيّة والشيعية" حيث أجاد مؤلفه الدكتور عبد النعيم حسنين في وصف هذين العهدين والتحول الكبيرالذي طرأ على إيران باستلام الشيعة الصفويين الحكم, وصبغهم كافة جوانب الحياة السياسية والثقافية والاجتماعية بمذهبهم الشيعي, وكيف أن استيلاء الصفويين المشؤوم على الحكم في إيران جرّ على المسلمين الويلات في إيران وكذلك العالم الإسلامي, حيث تفرّغ الصفويون لمحاربة الخلافة العثمانية السنيّة الأمر الذي أدّى إلى تفتيت الجبهة الإسلامية, وإلى أن يوقف العثمانيون فتوحاتهم في أوربا, ويتفرغوا لرد الاعتداءات الصفوية.
لقد جاء الحكم الصفوي الشيعي إلى إيران بعد أن ساهمت إيران في عصرها السني في بناء صرح الحضارة الإسلامية الراقية, التي أنجبت كثير من علماء المسلمين في مختلف الفنون([1]) , لكن هذا الوضع سرعان ما تلاشى إذ تحولت إيران في عهد الشيعة الصفويين إلى بؤرة للنزاع والصدام مع العالم الإسلامي, ولم تعد إيران حينئذ مركز رفد وإمداد للحضارة الإسلامية, وهو ما سعى المؤلف إلى بيانه في كتابه في بابين مستقلين تناول الأول إيران في العصور السنية, والآخر في العصور الشيعية, وتحت كل باب عدد من الفصول.
ويقع الكتاب في 128 صفحة من الحجم المتوسط, وصدرت طبعته الأولى سنة 1988 عن دار الوفاء في مصر.
وللمؤلف, إضافة إلى هذا الكتاب, مؤلفات أخرى, مثل "وماذا بعد البصرة" و"إيران ماضيها وحاضرها".

الباب الأول: إيران في المرحلة السنية

غلبت الصبغة السنيّة على إيران المسلمة ما يقرب من تسعة قرون من الزمان – من 21هـ إلى 907هـ, وكانت موقعة نهاوند سنة 21هـ, معركة حاسمة, فتحت بعدها أبواب إيران على مصاريعها أمام جند المسلمين, فأخذوا يسيطرون على الأقاليم الإيرانية المختلفة, إقليماً في إثر إقليم, واستغرقت السيطرة على مختلف أنحاء إيران عشر سنوات, منذ انتصار المسلمين في نهاوند سنة 21هـ وحتى مقتل يزدجر الثالث آخر ملوك الساسانيين سنة 31هـ.
الفصل الأول: الفتح الإسلامي لإيران
كانت إيران قبل الفتح الإسلامي تحت حكم الساسانيين وكانت تعاني فساد نظامهم الإقطاعي, والشعب كان مقسماً إلى طبقات, وكل فرد من أفراد الشعب يؤدي ضريبة سنوية تسمى ضريبة الرؤوس, ويؤمن بأن الملك ظل الله في الأرض, لأنه يدين بالمجوسية, التي رفع رايتها زرادشت منذ القرن السادس قبل الميلاد, وصارت الدين الرسمي لإيران حتى الفتح الإسلامي.
وكانت إيران آنذاك, هي ودولة الروم أعظم قوتين في العالم, وفي حين كان الروم يشكلون قوة الغرب, كان الفرس يشكلون قوة الشرق, ويبسطون نفوذهم على إقليم الحيرة وهو جزء من شبه الجزيرة العربية, وكانت توجد فيه دولة المناذرة, التي كان حكامها يدينون بالطاعة والولاء للملك الفارسي, ويؤدون له ضريبة سنوية ويتولون حراسة قوافل التجارة الإيرانية.
بدأ الفتح الإسلامي لإيران في عهد الخليفة أبي بكر عندما استطاع المثنى بن حارثة سنة 13هـ فتح بعض الأراضي المجاورة لمنطقة السواد, وفي عهد الفاروق عمر, حاول أبو عبيدة الثقفي غزو إيران من الجنوب الغربي عن طريق عربستان, والتقى بالفرس في موقعة الجسر سنة 13هـ, وكانت قوة الفرس كبيرة مما أدّى إلى هزيمة المسلمين وقتل قائدهم.
أكمل المسلمون فتح إيران بقيادة سعد بن أبي وقاص سنة 14هـ, إذ ألحق جيش المسلمين بالفرس هزيمة نكراء في موقعة القادسية التي كانت إحدى معارك المسلمين الكبرى.

ثم واصل المسلمون تقدمهم في الأراضي الإيرانية, وتمكنوا من فتح الجزء الجنوبي من إيران, بينما تقهقر ملكهم يزدجر الثالث إلى منطقة أصفهان في وسط إيران, وأخذ يجمع الجند في محاولة لاسترداد ما ضاع منه, وتقابل المسلمين وجند يزدجر في معركة جلولاء سنة 18هـ انتهت باندحار يزدجر وجيشه وتقهقره صوب أصفهان, وظل يزدجر يحشد جيشاً جرّاراً التقى بالمسلمين في موقعة نهاوند الفاصلة سنة 21هـ, حيث انتصر المسلمون انتصاراً مبيناً, ولم تقم للساسانيين قائمة بعدها, وغنم المسلمون مغانم كثيرة مما جعلهم يسمون هذه الموقعة "فتح الفتوح".

واستغرقت سيطرة المسلمين على جميع الأراضي الإيرانية عشر سنوات بسبب اتساع البلاد ووعورتها, وليس نتيجة لوجود مقاومة من يزدجر الثالث الذي أفل نجمه بعد هزيمة جيشه في نهاوند, وظل هائماً على وجهه إلى أن قتل سنة 31هـ.
وينبه المؤلف إلى ضرورة وصف هذا الفتح بـ "الإسلامي" لأن المستشرقين وتلاميذهم يصرون على تسمية هذا الفتح بالفتح العربي, وهي تسمية تثير الإيرانيين ضد العرب, وتجعلهم كارهين للعرب الذين فتحوا بلادهم وأذلوا كبرياءهم, وحوّلوا بلادهم من قوة عظمى إلى ولاية تابعة للحكم الإسلامي, وجعلهم تابعين للعرب بعد أن كان العرب أقل شأناً منهم.
وإذا كان فتح إيران تم على أيدي المسلمين من العرب, فإن بلاداً أخرى كبلاد التركستان والهند وآسيا الصغرى تم فتحها بجنود من المسلمين الإيرانيين والأتراك.
 
الفصل الثاني: غلبة الصبغة السنية على إيران
أقبل الإيرانيون على الدخول في الإسلام أفواجاً, فقد أعجبوا بما فيه من عدل ورحمة ويسر يعكس ما كانوا عليه في ظل المجوسية, فحرصوا على الاهتداء بنوره ونشره.
وانتشر الإسلام هناك انتشاراً كبيراً, وخاصة في غرب إيران, إلا أن هذا التأثر كان يقل كلما اتجهنا شرقاً, فكانت منطقة خراسان وما وراء النهر أقل جهات إيران تأثراً بالصبغة الإسلامية.
هجرة العرب إلى إيران:
ومما ساهم في انتشار الإسلام في إيران هجرة كثير من القبائل العربية إلى الأراضي الإيرانية والإقامة فيها, واختلاطهم بالإيرانيين.
وكان استقرار القبائل العربية واضحاً في القسم الجنوبي الشرقي من إيران, لأن هذه القبائل المهاجرة على ظهور الدواب لم يكن بمقدورها مواصلة السير في أراضي الهضبة الإيرانية ذات الجبال العالية والمسالك الوعرة.

لذلك ظهر التأثير الإسلامي في هذا الجزء من إيران, واستقرت القبائل العربية في منطقة الخليج حتى سميت هذه المنطقة "عربستان" أي بلاد العرب أو المنطقة التي يسكن فيها العرب, وظلت معروفة بهذا الإسم حتى وقت قريب إلى أن غيّر الإيرانيون اسمها إلى خوزستان.

وأقبل الإيرانيون على تعلم العربية لغة القرآن والحديث, فبرز النفوذ العربي في إيران وأصبح كثير من علماء العربية في اللغة والنحو والفقه والتفسير والتاريخ من أصل فارسي, وكان من نتيجة ذلك إهمال اللغة الفارسية قرنين من الزمان, وتحولت إلى لغة عامّية في القرى والأماكن النائية شرق البلاد.
وكان الإيرانيون يحبون آل بيت النبي صلى الله عليه وسلم, لأن الحسين بن علي رضي الله عنهما تزوج شهربانو بنت يزدجر وانجب منها علي زين العابدين, وكان الإيرانيون يعتبرون أنفسهم أخوال زين العابدين الذي تجري في عروقه دماء عربية وإيرانية, وبالغوا في الحب لدرجة العصبية, فكان لهذا التعصب أثر واضح في تاريخهم الإسلامي قديماً وحديثاً.
وأدّى ذلك إلى كرههم للأمويين وإلى أن ينضموا إلى المختار الثقفي حين ثار في الكوفة سنة 65هـ على الأمويين مطالباً بدم الحسين.
كما انضموا إلى أعداء الأمويين, وكان لأبي مسلم الخراساني القائد الإيراني المعروف دور واضح مشهور في القضاء على الدولة الأموية ونقل الخلافة الإسلامية إلى العباسيين.
وأدّى ظهور النفوذ الإيراني في فترات من حكم العباسيين إلى حدوث امتزاج حضاري بين المسلمين من عرب وإيرانيين, وتبادلت اللغتان كثيراً من الألفاظ والمصطلحات, لكن تأثير العربية في الفارسية كان أكثر قوة ووضوحاً.
الفصل الثالث: قيام دول شبه مستقلة في إيران السنيّة
ظلت إيران تابعة تبعية كاملة للخلافة العباسية السنيّة إلى بداية القرن الثالث الهجري، لكن النفوذ العربي في الأماكن البعيدة عن مقر الخلافة العباسية كان ضعيفاً مما جعلها مركزاً لحركات التمرد ضد النفوذ العربي والدعوة إلى الاستقلال والانفصال عن جسم الخلافة العباسية.
1- الدولة الطاهرية:

وظهرت نزعة الاستقلال عن العرب في إيران منذ أوائل القرن الثالث الهجري, في إقليم خراسان سنة 205هـ عندما أسند الخليفة المأمون أمر هذا الإقليم إلى قائده طاهر بن الحسين مكافأة له على انتصاره على أخيه المأمون فانتهز طاهر هذه الفرصة فأسس دولة سمّاها الدولة الطاهرية ظلت حاكمة أكثر من خمسين عاماً في إقليم خراسان من سنة 205هـ إلى سنة 259هـ.

وازدادت نزعة الاستقلال بعد الدولة الطاهرية, إذ شملت الدول الصفارية والسامانية والغزنوية، وظلت الصبغة السنيّة غالبة على مظاهر النشاط البشري في إيران طوال حكم العباسيين.
وكان حكام هذه الدول يدينون من الناحية الشكلية بالولاء للخليفة العباسي باعتباره أمير المؤمنين وكانوا يعتقدون أن موافقة الخليفة على توليهم السلطة يعطي حكمهم صفة شرعية أمام الناس.
2- الدولة الصفارية
وبعد الدولة الطاهرية التي سبق إليها الإشارة جاءت الدولة الصفارية التي أسسها يعقوب بن الليث الصفاري وأنهى حكم الدولة الطاهرية، وتمكن يعقوب من بسط نفوذ الصفاريين على كرمان وفارس وأصفهان, وحاول أن يغزو دار الخلافة بغداد.
3- الدولة السامانية:
ثم هُزم الصفاريون سنة 279هـ على يد السامانيين بقيادة إسماعيل الساماني لتقوم دولة جديدة تضم خراسان وما وراء النهر، أكثر من قرن من الزمان (من سنة 279هـ إلى سنة 389هـ) وهذه الدولة الجديدة هي السامانية.
وكان السامانيون أسرة تجري في عروقهم دماء إيرانية لأنهم كانوا ينتسبون إلى بهرام جوبين قائد الجيش في عصر الملك خسرو برويز،وهو الملك الذي بعث إليه النبي محمد صلى الله عليه وسلم يدعوه فيها للدخول في الإسلام، لكنه أبى.
وكان تولي السامانيين حكم إيران فرصة لظهور بعض مظاهر الحضارة الإيرانية قبل الإسلام في نظم الحكم وترتيب الديوان واستعمال اللغة الفارسية وتحويلها من لغة عامية إلى لغة مكتوبة، فظهرت على مسرح الاستعمال وكتب بها الأدب الفارسي وألفت بها الكتب في مختلف العلوم والفنون، ولكن ظهر الأدب العربي فيها واضحاً فدخلتها كلمات واصطلاحات عربية كثيرة، فأصبح ثوبها عربياً وما زالت في هذه الصورة حتى يومنا هذا.

وسيطرت هذه الدولة على أقاليم ما وراء النهر وخراسان وسجستان وطبرستان والري وكرمان.

وبالرغم من أن السامانيين أحيوا كثيراً من مظاهر الحضارة الإيرانية القديمة إلا أنهم كانوا يتبعون المذهب السني ويعترفون بالسيادة الروحية للخليفة العباسي.
ويتعصب الإيرانيون لهذه الدولة رغم أنها وجدت أثناء غلبة الصبغة السنّية للبلاد، لأنها أحيت مظاهر الحضارة الإيرانية وقوّت الشعور الوطني.
4- الأتراك
وأدّت الحروب التي قام بها السامانيون في بلاد التركستان إلى أسر الكثير من الأتراك, واستخدامهم في خدمة الوزراء والقواد، ولم يلبث هؤلاء الأتراك أن وصلوا إلى مرتبة الحُجاب والمربين للأمراء وقواد الجيش ومناصب الدولة العالية, فظهر نفوذهم وصارت لهم الكلمة العليا. وتمكنوا في النهاية من إسقاط الدولة السامانية، فبدأ عهد جديد هو عصر نفوذ العناصر التركية في إيران الإسلامية، وأخذ الأتراك يكوّنون دولاً قوية كان لها شأن عظيم وبلغت الصبغة السنّية في عصرهم أزهى درجاتها في إيران, كما سيبينه الفصل القادم.
 
الفصل الربع: وضوح الصبغة السنّية في إيران الإسلامية
كان ظهور العنصر التركي في العالم الإسلامي عاملاً مساعداً على تقوية الصبغة السنّية، لأن الأتراك كانت تغلب عليهم البداوة، فإذا آمنوا بشيء تعصبوا له تعصباً شديداً.
وكان العباسيون يستعينون بالأتراك منذ عهد المعتصم بن المأمون من 218هـ إلى 227هـ، وزادت الاستعانة بالأتراك طيلة القرن الثالث الهجري وفي القرون التالية لهذا القرن.
1- الغزنويون
وبدأت الدول التركية تظهر في إيران المسلمة السنّية منذ القرن الرابع الهجري. وكانت الدولة الغزنوية هي أول دولة تركية قوية مشهورة ظهرت في إيران.
وكان أول حكام الغزنويين وهو البتكين عبداً تركياً من مماليك السامانيين الذين التحقوا بجيشهم ثم استطاع أن يصير من قوادهم وأن يصبح حاكماً على خراسان سنة 349هـ ثم تمكن من بسط نفوذه على إقليم أفغانستان في سنة 351هـ حيث أعلن عن تأسيس دولة تركية جديدة سميت الدولة الغزنوية.

وبلغت هذه الدولة أقصى قوتها في عهد السلطان محمود الغزنوي ثالث حكامها، إذ تمكن من بسط حكم الغزنويين على إقليم أفغانستان وما وراء النهر وخراسان وطبرستان وسجستان, فلم يعد خارج نفوذهم من أقاليم إيران الأصلية غير كرمان وفارس، واستطاع محمود الغزنوي أن يسقط الدولتين السامانية والزيارية([2]) وأن يستولي على كثير من ممتلكات البويهيين([3]) في الهضبة الإيرانية.

وأخذت الصبغة السنّية تظهر بوضوح في هذه الفترة، وكان الاتهام بالتشيع كافياً لإعراض السلطان عن كل من يتهم بهذه التهمة، كما حصل مع الشاعر الفارسي المعروف الفردوسي الطوسي ناظم الشاهنامة. فقد أبلغ الواشون السلطان محمود بأن الفردوسي شيعي رافضي، وبدل من أن يعطيه ستين ألف دينار مكافأة له على نظمة الشاهنامة، أعطاه ستين ألف درهم، لأن السلطان كان سنيّاً شديد التمسك بسنيته كغيره من الحكام الأتراك.
واشتهر عصر محمود الغزنوي بالغزو والجهاد, ويذكر لنا التاريخ أنه هو فاتح الهند. وهو أحد الذين خدموا اللغة الفارسية فقد ساعدت فتوحاته على نشر هذه اللغة في بلاد الهند فأصبحت هذه البلاد منذ القرن الخامس الهجري من بلاد الفارسية مما ساعد على ظهور لغة إسلامية جديدة في بلاد الهند هي اللغة الأوردية.
كما كان بلاط السلطان محمود شاهداً قوياً على ازدهار الحضارة الإسلامية ذات الصبغة السّنية لكثرة من اجتمعوا حوله من العلماء والأدباء والكتاب والشعراء.
ومن أشهر من اتصل بالسلطان من العلماء أبو الريحان البيروني ومن الشعراء الفردوسي الطوسي.

لكن السلطان لم يحظ بحب الإيرانيين كونه سنيّاً متمسكاً بسنيته، ولأنه حاول القضاء على كثير من المظاهر الإيرانية القديمة التي أحياها السامانيون، لذلك حاولوا النيل من إنجازاته وتشويه سيرته وجهاده.

2- السلاجقة
وشهد عصر محمود الغزنوي ظهور قوة تركية جديدة هم السلاجقة، الذين ظهروا في بلاد ما وراء النهر بعد سنة 380هـ، وانتقل السلاجقة أواخر عصر السلطان محمود إلى خراسان، وتمكنوا بقيادة طغرل من هزيمة السلطان مسعود ابن السلطان محمود الغزنوي، وسيطروا على خراسان، وفي سنة 429هـ أعلن طغرل نفسه سلطاناً على نيسابور، وأعلن قيام دولة جديدة هي السلجوقية، وكان السلاجقة شديدي التمسك بمذهبهم السني ويعتبرون أنفسهم جنود الخلافة العباسية المخلصين.
وبسط السلاجقة نفوذهم على إيران والعراق وبلاد الشام وجزء كبير من آسيا الصغرى. وجعلوا لهم هدفاً بعيداً وهو توحيد الرقعة الكبيرة من بلاد الإسلام التي سيطروا عليها تحت لواء السنة والجماعة بزعامة الخليفة العباسي.
وخاض السلاجقة ضد الروم سنة 463هـ إحدى معارك الإسلام الحاسمة وهي ملاذكرد وانتزعوا أرض الأناضول من الروم، الأمر الذي أدّى لأن تنطلق الحملات الصلبية كنوعٍ من أخذ الثأر من السلاجقة.
وأصبحت للسلاجقة في عهد ملك شاه بن ألب أرسلان ووزيره نظام الملك دولة تمتد من الهند شرقاً إلى البحر الأبيض المتوسط غرباً، ومن البحر الأسود شمالاً إلى الخليج جنوباً.
وسرعان ما بدأت هذه الدولة تضعف سنة 485هـ، إذا تم في ذلك العام قتل الوزير نظام الملك المشهور بكفاءته وسياسته الحكيمة، وبعد أيام توفي السلطان ملك شاه, فإنهار ركنا دولة السلاجقة في مدة وجيزة.
ومني السلاجقة سنة 548هـ بهزيمة ساحقة على يد قبيلة تركية مغولية تدعى الغز.
 
3- الخوارزميون
استغلت الدولة الخوارزمية([4]) ضعف السلاجقة وأخذوا يستولون على أراضيهم وتمكنت من إسقاط دولة السلاجقة في إيران والعراق سنة 590هـ (1194م).

لقد كان عصر السلاجقة عصراً ازدهرت فيه العلوم والفنون في إيران، وعصراً علت فيه راية الجهاد والدفاع عن البلدان الإسلامية، والمحافظة على دولة الخلافة الإسلامية وبرز فيه التمسك بالمذهب السني، فقد اعتبر السلاجقةُ الشيعةَ الإسماعيلية من اتباع حسن الصباح خارجين عن الإسلام ووصفوا بأشبع الصفات.

وظلت الصبغة السّنية غالبة على المسلمين في إيران حتى بعد سقوط الخلافة العباسية في بغداد سنة 656هـ (1258م) وهو ما يتناوله الفصل الخامس.
الفصل الخامس: بقاء الصبغة السنيّة في إيران بعد سقوط الخلافة العباسية
كان سقوط دولة السلاجقة في إيران والعراق سنة 590هـ (1194م) بداية النهاية بالنسبة للخلافة العباسية في بغداد على أيدي المغول, فقد صادف سقوط السلاجقة ظهور المغول وبروز خطرهم على العالم الإسلامي.
1- المغول:
وقاد جنكيزخان المغول([5]) أواخر القرن السادس الهجري (الثاني عشر الميلادي) وأسقط الدولة الخوارزمية التي أسقطت الدولة السلجوقية, وتمكن من الاستيلاء على بخارى وسمرقند وبلخ ومرو ونيسابور, وتمكن هولاكو سنة 656هـ (1258م) من القضاء على الدولة العباسية السنيّة, وأصبح المغول يسيطرون على إيران والعراق سيطرة تامة.
واستقر المغول بعد ذلك في إيران واتخذوا مدينة السلطانية عاصمة لدولتهم, واتخذ هولاكو لقب إيلخان, وتلقب خلفاؤه بهذا اللقب, فأصبحت دولة المغول تسمى دولة الإيلخانيين في إيران.
وبالرغم من وثنية المغول إلا أن الصبغة الإسلامية ظلت ظاهرة في إيران, بل إن قوة الحضارة الإسلامية في إيران أثرت في المغول فبدأوا يغيرون من عاداتهم وأخلاقهم, ويؤمنون بمعتقدات دينية تخالف ما اعتادوا عليه في حياتهم القبلية الوثنية, فالمغول وإن كانوا انتصروا عسكرياً إلا أنهم غُلبوا حضارياً.
وفي سنة 680هـ (1181م) اعتنق أحد حكامهم وهو تكودار الإسلام وسمى نفسه أحمد, وصار حكام المغول مسلمين وأصبحوا رعاة للحضارة الإسلامية السنيّة, ونشطت في عهدهم العلوم والفنون وكثر الإنتاج الأدبي.
2- التيموريون:

خلف التيموريون المغول في السيطرة على إيران, وكانوا من الأتراك المسلمين الذين ظهروا في النصف الثاني من القرن الثامن الهجري (الرابع عشر الميلادي) بقيادة تيمور وتمكنوا من الاستيلاء على أقاليم خراسان ومازندران وسجستان ثم سيطروا على جميع أنحاء إيران.

وقد اتخذ تيمور مدينة سمرقند عاصمة لدولته الفتيّة, وبعد وفاته سنة 807هـ بدأت هذه الدولة تضعف.
3- القبائل التركية:
استغلت قبائل "القرة قيونلو" ضعف الدولة التيمورية, وبدأت بالاستيلاء على أراضيها واتسع نفوذها حتى بلغ بغداد, كما تمكنت قبائل "آلاق قيونلو" من هزيمة القرة قيونلو والاستيلاء على الإقليم الغربي من إيران بينما كان أبناء تيمور يحكمون الإقليم الشرقي من إيران وظلوا يحكمون هذا الإقليم حتى سنة 911هـ (1505م).
وظلت الصبغة السنيّة ظاهرة في إيران بعد سقوط الخلافة العباسية حتى سنة 906هـ   (1500م) عندما استطاع الصفويون الشيعة حكم إيران وفرض مذهبهم في العام التالي, لتبدأ صفحة جديدة من تاريخ إيران ما زالت آثارها ظاهرة إلى الآن وهو ما يناقشه القسم الثاني من الكتاب حيث بدأت إيران تصطبغ بالصبغة الشيعية.

الباب الثاني: إيران ذات الصبغة الشيعية

 سبق القول أن الصبغة السنية ظلت تميز إيران تسعة عقود من تاريخها, أي منذ الفتح الإسلامي سنة 21هـ إلى قيام الدولة الصفوية الشيعية سنة 906هـ, وبرزت الصبغة السنية بوضوح خلال حكم الدول التركية التي قامت في إيران كالغزنوية والسلجوقية, إضافة إلى أن هذه الدول أعلت من شأن الجهاد في سبيل الله, وانطلقت في أنحاء المعمورة نشراً لدين الله.
وظلت الصبغة السنيّة بارزة في إيران حتى بعد سقوط الخلافة العباسية وحكم المغول والقبائل التركية.
 
الفصل الأول: تحول إيران من التسنن إلى التشيع
اعتنقت بعض القبائل التركية الساكنة في منطقة أذربيجان بعد سقوط الخلافة العباسية المذهب الشيعي الأثنى عشري مثل قبائل القزلباشيه وجنحت إلى التصوف, وكانت تتبع فرقة صوفية تسمى الفرقة الصفوية نسبة إلى صفي الدين الأردبيلي([6]) أحد أقطاب التصوف, وصفي الدين هو جد إسماعيل الصفوي مئسس الدولة الصفوية([7]).
وقد استطاع إسماعيل بمساعدة قبائل القزلباشيه أن يقيم دولة جديدة سميت الدولة الصفوية نسبة إلى جده الأكبر صفي الدين, وأعلن تبريز عاصمة له سنة 906هـ.
ولم يلبث إسماعيل أن أعلن المذهب الشيعي الإمامي مذهباً رسمياً للدولة الصفوية في عام 907هـ (1501م), فأخذت إيران تصطبغ بالصبغة الشيعية تحت الضغط والإرهاب الذي مارسه الشاه إسماعيل وتسير باتجاه يختلف اختلافاً كبيراً عمّا كانت عليه في القرون التسعة التي سبقت حكم الصفويين.
وبدأ مسار النشاط البشري يتغير تغيراً جذرياً وشاملاً في النواحي السياسية والاجتماعية والدينية والاقتصادية والعلمية والفنية.
 

الفصل الثاني: أثر الصبغة الشيعية في الناحية السياسية

كانت للصبغة الشيعية على إيران منذ العصر الصفوي أثر واضح في سياسة إيران تجاه العالم الإسلامي السنّي من جهة والعالم الغربي النصراني من جهة أخرى, فقد نظر الشيعة في إيران إلى السنة –بزعامة العثمانيين- على أنهم أشد خطراً عليهم من الدول الغربية النصرانية, فجاهروا العثمانيين السنّيين بالعداء, بينما أظهروا الود للدول الأوربية النصرانية, وللنصارى من الإيرانيين, وقامت سياسة الدولة الصفوية على هذا الأساس طوال مدة حكمهم التي استمرت أكثر من قرنين من الزمان من سنة 906هـ إلى سنة 1148هـ.
سياسة الصفويون الشيعة تجاه السنة العثمانيين:
وأدى قيام الدولة الصفوية الشيعية في إيران إلى فصل أهل السنة في وسط آسيا وأفغانستان والهند عن أهل السنة في تركيا والعراق ومصر والدول الآخرى.
وأخذ الصفويون يصطدمون بدولة الخلافة العثمانية السنيّة, الأمر الذي أدى إلى أن يسود التوتر بين الصفويين والعثمانيين, وإلى أن تنشب بينهم الحروب, وكانت البداية سنة 920هـ (1514م) حيث التقى الطرفان في معركة جالدران في ديار بكر, وانتهت بانتصار السلطان العثماني سليم الأول على الشاه إسماعيل الصفوي, وواصل السلطان سليم زحفه حتى دخل تبريز عاصمة الصفويين بينما هرب إسماعيل إلى وسط إيران.
وبالرغم من الانتصار الكبير للعثمانيين, إلا أنهم اضطروا للانسحاب بسبب انتشار الأمراض في فصل الخريف, ثم قدوم الشتاء, مما جنب الدولة الصفوية السقوط.
وظلت الحروب تتوالى بينهما خاصة بعد تمكن السلطان سليم الأول من السيطرة على العراق ثم الشام ومصر سنة 923هـ (1517م) ثم غزو شمال أفريقيا وإعادة الخلافة السنيّة بحيث صار السلطان العثماني خليفة للمسلمين وأميراً للمؤمنين.
محالفة الشيطان:
وظلت كفة العثمانيين راجحة طوال القرن العاشر الهجري (السادس عشر الميلادي) إلى تولي الشاه عباس الأول الصفوي عرش الصفويين سنة 996هـ (1587م), فانتهج سياسة محالفة الشيطان ضد العثمانيين السنّة.

واستعان عباس بأخوين انجليزيين –هما روبرت وأنتوني شيرلي- في تدريب الجيش الإيراني وتسليحه بإنشاء مصنع لإنتاج المدافع, وتمكن بذلك من الصمود بوجه العثمانيين, واتخذ أصفهان عاصمة له حتى تكون بعيدة عن متناول العثمانيين, ومع ذلك اضطر عباس إلى مهادنتهم وعقد معهم صلحاً يعترف بسيطرتهم على الأراضي التي سيطروا عليها.

لكن عباس سرعان ما نقض المعاهدة المبرمة بينه وبين العثمانيين وتمكن من احتلال إقليم أذربيجان وتقدم صوب الأراضي التركية وسيطر على إقليمي أرمينيا وجورجيا, وبذلك رجحت كفة الصفويين لأول مرة.
وتمشياً مع سياسة التحالف مع الشيطان ضد أهل السنة اتصل عباس الصفوي بالدول الأوربية وتحالف معها ضد العثمانيين, ومنح بعضها امتيازات تجارية في منطقة الخليج, وأغراهم بالإقامة والتنقل والتجارة.
والتقت بذلك مصالح الصفويين الشيعة مع الغربيين النصارى, لأن هؤلاء كانوا يعتبرون العثمانيون أكبر عقبة في طريقهم.
وسمح عباس للنصارى من الإيرانيين بالإقامة في ضاحية مستقلة من ضواحي مدينة أصفهان, وما زالوا يقيمون بها إلى الآن واسمها حُلفا, كي يثبت للأوربيين أن النصارى أقرب إليه من المسلمين السنيّين.
وكان عباس أقوى شخصية في البيت الصفوي, لكنه ترك وراءه بعد موته تركة مثقلة بالعداوة بين الشيعة والسنة, وبالامتيازات التي منحها للمستعمرين النصارى, وكان الحكام من بعد عباس عاجزين عن تحمل العبء الذي تركه, فأخذ زمام الأمور ينتقل بمرور الزمن إلى أيدي كبار رجال الدين, وبلغ الضعف أوجه في عهد الشاه حسين الذي حكم من سنة 1106هـ إلى سنة 1135هـ (1694-1722م) فازدادت الأحوال سوءاً مما أغرى خصوم هذه الدولة بالاستيلاء على أراضيها, فتقدمت قبائل أفغانية سنيّة بقيادة محمود بن ميروس لغزو الأراضي الإيرانية واستولت على إقليم كرمان والعاصمة أصفهان وأجبرت الشاه حسين على التنازل عن العرش لمحمود بن ميروس, وبذلك تمكن الأفغان من بسط نفوذهم على إقليم فارس.
واستفادت روسيا القيصرية من هذا الضعف فاحتلت السواحل الغربية والجنوبية لبحر قزوين, وسيطر العثمانيون على بعض الأراضي المجاورة لهم.
الإفشاريون:

غير أن رجلاً قبلياً من طائفة الأفشار الشيعية يدعى "نادر قلي" تمكن من الاستيلاء بمساعدة قبيليته على إقليم خراسان مما جعل الشاه طهماسب الثاني الصفوي ابن الشاه سلطان حسين يستعين به, فنجح في استرداد ما حصل عليه خصوم إيران, وأصبح بمكانة رفيعة هيأت له عزل طهماسب الثاني وتعيين ابنه الطفل عباس الثالث ملكاً على الصفويين, وصار نادر وصياً على العرش.

وبعد ثلاث سنوات, أي سنة 1148هـ (1735م) عزل نادر عباساً الصفوي وأعلن سقوط الدولة الصفوية, وأعلن نفسه ملكاً على إيران وقيام دولة جديدة حلت محلها هي الدولة الإفشارية.
وكان نادر شاه أقوى شخصية ظهرت في إيران بعد الشاه عباس الصفوي حيث استطاع توحيد إيران وغزو الهند وغزنة وكابل والتوغل في أفغانستان, وأن يمد نفوذه إلى بخارى وفيوه وجميع بلاد الأوزبكيين, وقام بمحاولة جادة لبناء أسطول إيراني في الخليج, وبسط سيطرته على البحرين سنة 1151هـ (1738م) وسار سنة 1156هـ (1743م) لاحتلال العراق وتمكن من الاستيلاء على الموصل والبصرة.
وحاول نادر شاه أن يخفف من حدة الخلافات المذهبية بين السنة والشيعة, ودعا إلى مؤتمر في النجف بين علماء من الطائفتين([8]), وأمر بعدم سب الخلفاء الراشدين أبي بكر وعمر وعثمان من فوق المنابر في إيران, وأخذ يفاوض العثمانيين في الاعتراف بالمذهب الشيعي الإثنى عشري مذهباً خامساً من المذاهب الإسلامية المعتبرة.
لكن سياسة نادر شاه في التقارب مع السنة وإزالة بعض المنكرات التي أدخلها وأصّلها الصفويون في إيران أغضبت قبائل القزلباشية المعروفة بتعصبها الشديد للمذهب الشيعي, فدبروا مؤامرة لاغتياله, وتم قتل نادر سنة 1160هـ (1747م).
وسادت الفوضى والاضطرابات بعد مقتله وكثرت الحروب الداخلية بين القبائل, وتمكن الأفشار من السيطرة على أصفهان وشيراز وأكثر الأجزاء الجنوبية من إيران .
وأقام كريم خان الزندي دولة خاصة له وجعل مدينة شيراز عاصمة الدولة الزندية.

واستطاعت طائفة القاجار أن تسيطر على إقليم مازندران بعد مقتل نادر شاه وحاولت التقدم نحو الجنوب فوقف لهم كريم خان بالمرصاد, وبعد وفاته استطاع القاجاريون بقيادة زعيمهم آقا محمد أن يبسطوا نفوذهم على وسط إيران ويستولوا على مدينة طهران واتخذوها عاصمة لدولتهم القاجارية التي كان آقا محمد أول ملوكها, وهي الدولة التي اسقطها رضا بهلوي في النصف الأول من القرن العشرين.

واستطاعت الدولة القاجارية أن تسقط الدولة الزندية وأن تبسط سيطرتها على الأراضي الإيرانية دون منافس.
ورغم تغير الدول الحاكمة في إيران بعد الدولة الصفوية, إلا أن التعصب المذهبي ظل يوجه سياسة البلاد داخلياً وخارجياً, فقد أدى التعصب إلى الاشتباك الدائم مع السنة العثمانيين, وتحولت بسبب ذلك الدولة العثمانية من الدولة القوية التي تجاهد وتنشر الإسلام إلى دولة الرجل المريض الذي صار نهباً للطامعين من الأوربيين النصارى.
وأما إيران في العصر القاجاري فقد تزايد فيها النفوذ الغربي في عهد فتحعلي شقيق وخليفة آقا محمد أول ملوك القاجاريين وامتد حكم فتحعلي من 1212 إلى 1250هـ (1797-1834م) وشهد عصره ألواناً من الصراعات الاستعمارية في إيران وبخاصة إنجلترا وفرنسا وروسيا القيصرية, وبادرت هذه الدول إلى بسط نفوذها على أنحاء مختلفة من إيران.
وقد بدأ فتحعلي اتصاله بالغرب بعقد معاهدة تحالف بين إيران وفرنسا سنة 1222هـ (1807م) قبلت إيران بموجبها السماح للجيش الفرنسي بالمرور من الأراضي الإيرانية وهي في طريقها لغزو الهند في مقابل أن تتعهد فرنسا بإمداد إيران بالأسلحة الحديثة وتدريب عناصر الجيش, ثم عقد مع بريطانيا معاهدة مناقضة للأولى, يمنع بموجبها مرور القوات الفرنسية من الأراضي الإيرانية.
وخلف فتحعلي حفيده محمد شاه بدءاً من سنة 1250هـ, وحاول الاستعانة بروسيا في إقرار الأحوال الداخلية المضطربة في إيران, واستغلت روسيا هذه الفرصة فبسطت نفوذها على بلاد القوقاز والتركستان.
وازدادت الحالة في إيران اضطراباً بعد وفاة محمد شاه واعتلاء ابنه ناصر الدين شاه العرش سنة 1848م, وهو في السادسة عشرة من عمره, وامتاز عهده الطويل بازدياد النفوذ الروسي في إيران.
وقد قتل ناصر الدين سنة 1896م فخلفه ابنه مظفر الدين شاه, فازداد الفساد وعظم النفوذ الأجنبي –وخاصة الروسي- في عصره.
وتوفي مظفر الدين سنة 1907م فخلفه ابنه محمد علي شاه, الذي حاول ضرب حركة المعارضة مستعيناً بالروس.
وعين أحمد شاه بن محمد علي شاه ملكاً على إيران, وظل النفوذ الروسي قوياً.

البهلويون:

في ذروة اضطراب الأوضاع في إيران وضعف القاجار, استطاع أحد ضباط القوات المسلحة وهو رضا خان أن يصير قائداً للقوات المسلحة ووزيراً للحربية فتمكن من الإمساك بالوضع في إيران ثم صار رئيساً للوزراء سنة 1923م, وتمكن من إقصاء أحمد شاه آخر ملوك الدولة القاجارية عن الأراضي الإيرانية ثم عن العرش, وفي سنة 1925م اعتلى رضا خان عرش إيران وسمى نفسه رضا شاه بهلوي, وأعلن قيام دولة جديدة هي الدولة البهلوية.
رجال الدين:
وكان مما قام به رضا بهلوي الحد من نفوذ رجال الدين, حتى صار الزي الديني لا يلبس إلا بتصريح خاص, وألغيت الاحتفالات الدينية ومواكب التعزية في مقتل الحسين في يوم عاشوراء.
وفي سنة 1941م, أرغم رضا بهلوي بضغط من القوات الروسية والانجليزية على التنازل عن العرش لابنه محمد رضا, ثم نفي خارج إيران, وظل في المنفى إلى أن توفي في جنوب أفريقيا سنة 1944م.
واعتلى محمد رضا شاه عرش إيران وهو في الثانية والعشرين من عمره, وقد آثر الارتماء في أحضان الغرب والدوران في فلك الدول الغربية وبخاصة الولايات المتحدة.
وتمكنت جموع الثورة بقيادة الخميني في شهر شباط (فبراير) سنة 1979 من إسقاطه وإلغاء النظام الملكي ليحل محله نظام جمهوري ما زال قائماً حتى الآن.
 
الفصل الثالث: أثر الصبغة الشيعية في النواحي الدينية والاجتماعية والاقتصادية
أولاً: الناحية الدينية:
ظهر إثر قيام الدولة الصفوية تغير في معتقدات الإيرانيين وسلوكهم وفق المعتقدات الشيعية للدولة الصفوية, فقد أصبحوا يؤمنون بجملة من العقائد منها:

1-اعتقاد أن الخلافة كانت يجب أن تؤول إلى علي بن أبي طالب بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم وأن الخلفاء الراشدين الثلاثة غاصبون للخلافة, وقد أباح الشيعة لأنفسهم سب هؤلاء الخلفاء وعموم صحابة النبي صلى الله عليه وسلم, وهو الأمر الذي ما يزال مستمراً إلى الآن.

2-اعتقاد أن خلفاء بني أمية وبني العباس غاصبون للخلافة من علي وبينه, انتهاءً بالمهدي المنتظر عندهم, وهو الإمام الثاني عشر, ويعتبر مرشد الثورة الإيرانية نائباً له.
3-عدم الصلاة في مساجد السنة أو خلف إمام سني وإضافة اسم علي بن أبي طالب في الأذان.
4-نفور الشيعة من أهل السنة, وهم لا يملون قتالهم وما زال هذا واضحاً في سلوك الشيعة في إيران حتى يومنا هذا.
5-صار المذهب الشيعي مرتعاً للبدع والخرافات ورواج الأباطيل, مما يسّر ظهور حركات دينية مضللة بشرت بقرب ظهور الإمام الغائب, وكان آخر هذه الحركان "البابية" التي ظهرت في عصر محمد شاه القاجاري, وقد روج لها ميرزا علي محمد الشيرازي الذي عاش في الفترة ما بين 1225هـ إلى 1266هـ (1809-1850م) واتخذ لقب "الباب" أي الباب بين دنيا المادة ودنيا الروح.
6-اهتمام ملوك الشيعة خاصة عباس الصفوي بمزارات ومقامات الأئمة, فقد قام بطلاء قبة مقام الإمام الرضا –الإمام الثامن عند الشيعة الإثنى عشرية- في مدينة مشهد بالذهب الخالص, وحجّ إليه قادماً من أصفهان سيراً على الأقدام, ودعا الشيعة للاقتداء به, وجعل أئمة الشيعة يعلنون أن الحجّ إلى مشهد يكفي ويغني عن الحج إلى الكعبة وزيارة بيت الله الحرام.
ثانياً: الناحية الاجتماعية:
1-حدث نتيجة غلبة الصبغة الشيعية على إيران تغير في طبقات المجتمع, فأصبحت طبقة رجال الدين الشيعة طبقة متميزة متنفذة تتدخل في توجيه حياة الناس الدينية وفي الشؤون السياسية المختلفة إذا كان الملك ضعيفاً كما حدث في عهد الشاه سلطان حسين الصفوي.
وقد ساهم الشاه عباس في إعلاء طبقة رجال الدين وخصص لهم خمس أرباح التجار والزراع وأصحاب رؤوس الأموال، فأصبحت أكثر الطبقات ثراءً، وقد وضحت قوة هذه الطبقة بعد نجاح ثورة الخميني 1979.
وقد أدى تميز طبقة رجال الدين إلى كثرة المتمسحين بالدين والمتاجرين به. فانتشرت البدع والخرافات في المجتمع الإيراني وراجت الأباطبل كما سبق بيانه في ظهور فرقة البابية.

وأدى ضعف إيران السياسي في العصر القاجاري: إلى إزدياد النفوذ الأجنبي في المجتمع الإيراني مما ساهم في انتقال العادات والتقاليد الأوروبية في اللباس والطعام والحفلات.

ثالثاً: الناحية الإقتصادية
أدى عداء الصفويين الشيعة لدولة الخلافة العثمانية السنّية إلى أن يوثقوا صلاتهم الاقتصادية بالدول الأوروبية، ويسمحون للتجار الأجانب بحرية الحركة في المدن الإيرانية.
وشجع ضعف إيران في العصر القاجاري على ازدياد النفوذ الغربي في هذه البلاد، وحصل الإنجليز على حق إنشاء السكك الحديدية وطرق المواصلات بالسيارات واستغلال الثروة المعدنية والنفط لمدة سبعين سنة.
واستطاع الروس الحصول على امتيازات عسكرية، وعلى حق الصيد في بحر قزوين وفتح مصرف روسي في طران سنة 1891م.
 
الفصل الرابع: أثر الصبغة الشيعية في النواحي العلمية والأدبية والفنية
 
أولاً: الناحية العلمية
ساهمت إيران في المدة التي غلب عليها الصبغة السنيّة في بناء صرح الحضارة الإسلامية في كافة العلوم والفنون، فلمّا غلبت الصبغة الشيعية بعد قيام الدولة الصفوية أصبح النشاط العلمي منفصلاً عن النشاط العلمي في البلاد السنيّة، وصارت موضوعات الكتب التي تؤلف ذات طابع شيعي واضح في العلوم الشرعية وغير الشرعية على السواء.
وتعصب علماء الشيعة في مؤلفاتهم للمذهب الشيعي واصطبغت مؤلفاتهم به، وظهر التعصب كذلك في المجالات غير الشرعية كالتاريخ، فقد فسر المؤرخون الشيعة منذ العصر الصفوي أحداث التاريخ الإسلامي المختلفة تفسيراً يخدم سياسة الشيعةأولاتاات، ونظرتهم، فقد شوّهوا تاريخ الأمويين تشويهاً عجيباً.
 
ثانياً: الناحية الأدبية
في ظل الصبغة الشيعية راجت المواضيع الأدبية المكتوبة –شعراً ونثراً- التي تمدح الأئمة الاثنى عشر وترثي الأئمة الذين استشهدوا.
كما أصبحت موقعة كربلاء تمثل تمثيلاً مسرحياً.

ثالثاً: الناحية الفنية

ظهرت الصبغة الشيعية في الفنون الإيرانية منذ قيام الدولة الصفوية، فأصبح اللون الأسود من الألوان التي تستعمل كثيراً بواسطة الفنانين الإيرانيين لأنه يرمز إلى الحزن والحداد حزناً على الأئمة.
وتفنن الرسامون في رسم صور لأئمة الشيعة، فظهرت صور لعلي والحسين ولسائر الأئمة.

كما غلبت نغمة الحزن على الموسيقى والغناء، والإكثار من المناسبات المذهبية المختلفة، وللدارس للفنون الإيرانية يستطيع أن يشاهد بسهولة أثر الصبغة الشيعية في سائر الفنون الإيرانية من رسم ونقش ونحت وتصوير وموسيقى وغناء وتمثيل.

 

 

 ([1] ) مثل البخاريّ ومسلم وسيبويه والخليل بن أحمد والطّبريّ والبيروني وابن سينا والغزالي والفارابي والفخر الرّازي وغيرهم الكثير.
([2]) الدولة الزيارية: أسسها مردآويج بن زيار، وتمكن من السيطرة على ساحل بحر قزوين في منطقة تعرف باسم بلاد الديلم وباسم طبرستان في القرن الثالث الهجري.
([3]) قامت دولة البويهيين في جزء من بلاد الديلم، وأسسها علي بن بويه الذي كان حاكماً محلياً من قبل مرداويج ين زيار، وتمكن علي بمساعدة أخويه من تأسيس دولة للبويهيين. وبسط نفوذ هذه الدولة على وسط إيران وغربها. بل تمكن أخوه أحمد بن بويه من دخول بغداد 334هـ، فسيطر بذلك البويهيون وهم من الشيعة الإسماعيلية على مقر الخلافة العباسية السنية، لكنهم لم يسقطوها خوفاً من ثورة المسلمين في أنحاء العالم، فأبقوا على الخلفاء العباسيين. لكن البويهيين كانوا يسيطرون فعلياً على مقاليد الأمور في بغداد، وبلغت الدولة أوج قوتها في عهد عضد الدولة الذي حكم من سنة 338 إلى سنة 372هـ، ثم ضعفت بعد سيطرة الأتراك على الأراضي الإيرانية، فاستولى الغزنويون على جزء كبير من أراضيهم، ثم استولى السلاجقة على الجزء الباقي واسقطوا الدولة البويهية سنة 447هـ.
([4]) الخورازمية دولة تركية قامت في منطقة خوارزم.
([5]) المغول أو التتار قبائل تركية بدوية وثنية كانت تقيم في وسط آسيا.
([6] ) عاش الأردبيلي في المدة ما بين سنة 650هـ و سنة 735هـ.
([7] ) عاش إسماعيل الصفوي في المدة ما بين سنة 892هـ و سنة 930هـ واتخذ لقب "الشّاه" أي الملك, وقد أصبح هذا اللقب يطلق على حكام إيران منذ ذلك الوقت حتى قيام الثورة سنة 1979م.
([8] ) مؤتمر النجف عقد سنة 1104هـ (1174م), وحقق الله على يد عالم العراق عبد الله السويدي نتائج طيبة.
 
 
 
 
الاسم:  
عنوان التعليق: 
نص التعليق: 
خانة التحقق