فاتحة القول\العدد التاسع - ربيع الأول 1425هـ
متى تتحكم العقول بالعواطف؟
الأربعاء 9 أغسطس 2006

متى تتحكم العقول بالعواطف؟

 إن العواطف الجياشة لدى المسلمين هي أهم الموارد التي يجب المحافظة عليها وتنميتها ذلك أنها من الدوافع الهامة والرئيسة للعمل والبذل والتضحية في سبيل الله, ولكن يجب أيضاً أن نضبط هذه العواطف بالشرع والعقل حتى لا تصبح تهوراً يضر ولا ينفع من جهة أو انخداعاً بالمنافقين والمندسين الذين وصفهم لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بأنهم (دعاة على أبواب جهنم.. يتكلمون بألسنتنا)!!
وسبب هذا التكرار لموضوع ترشيد العواطف السنية هو مقالان يتعلقان بالأمل الخادع والحمل الكاذب الذي تحمله تحركات الشاب مقتدى الصدر في وجه الاحتلال الأمريكي حيث أشار المقال الأول إلى نتائج استطلاع قام به موقع إسلام أون لاين يومي 7 – 8/4/2004 فكان رأي غالبية المشاركين أن مقتدى هو مثيل لحسن نصر الله وأن حركته ستكون عاملاً في التقريب بين السنة والشيعة, وكانت الأرقام كالتالي: من 8489 شخصاً شارك كان هناك 72.51% وافقوا على أن مقتدى يماثل حسن نصر الله. ومن 8445 شخصاً رأى 84.7% منهم أن حركته ستعمل على التقارب.
ولكن هذه العواطف الجياشة بعد 10 أيام تغيرت وكان من أوضح من عبر عن ذلك الدكتور كمال رشيد وهو شاعر وصحفي بارز ينتمي لجماعة الإخوان المسلمين في الأردن وكان رئيس تحرير صحيفة الرباط التابعة للإخوان في بداية التسعينيات. ومدير المدارس العمرية, وننقل مقاله كاملاً الذي نشره في صحيفة الدستور في 17/4/2004م:
أمريكا وإيران: تهديد وتوسيط
لا ندري أهي سياسة وكياسة وفراسة أم عباطة وبلاطة ذلك التعامل الذي تتعامل به الإدارة الأمريكية مع إيران, ولا ندري أهو ذكاء وإخاء وولاء, أم دفع للشر.
الإدارة الأمريكية تطلب الوساطة الإيرانية في مشكلة مقتدى الصدر الذي قالت عنه أنه مطلوب لها حياً أو ميتاً.
ولا ندري كيف اعتدل مزاج الشيخ مقتدى الصدر, فأخذ يطلق التصريحات المعتدلة, أو التي تحمل كثيراً من التقية أو التنازل, ولا ندري كيف استجابت إيران للمطلب الأمريكي, ثم كيف نجحت, حيث أخذ الظلام المتلبد في الموقف ينقشع شيئاً فشيئاً, ونخشى أن يفضي إلى ليلة قمراء, وربيع ممرع.
التهديد الأمريكي لإيران قائم منذ قيام الثورة الإيرانية, وقد صنفت أمريكا إيران في حلف الشر, ولقد ازداد التهديد وتصاعد في الأشهر القليلة, وكان المهماز والذريعة الأسلحة النووية والمفاعل النووي الإيراني, كما كانت أسلحة الدمار الشامل هي الذريعة لاحتلال العراق وتدميره.
وفي أسبوع التأزم الأمريكي العراقي الفائت تجدد التهديد الأمريكي لإيران, واتهمت الأخيرة بانها وراء الأحداث.
وما كان لأحد أن يتوقع أن تلجأ أمريكا إلى الوساطة الإيرانية بينها وبين مقتدى الصدر وجيش المهدي, ولا ندري إن كانت الهجمة الأمريكية على الفلوجة مشمولة في تلك الوساطة أم أن أمريكا تريد أن تسكت مقتدى الصدر لتتفرغ للفلوجة أو تريد أن تسكت الشيعة لتتفرغ للسنة.
وفي سرعة البرق نجحت الوساطة الإيرانية, وتغير الموقف الشيعي الصدري, وتراجع الشيخ الشاب عن كثير من طروحاته وشروطه, وأعلن أنه لا يتجاوز المرجعية الشيعية الأم التي يمثلها السيستاني الذي يلجأ للتهدئة, والذي له ارتباط وحظوة مع إيران ومرجعية قم.
أما وساطة الحزب الإسلامي بين أهل الفلوجة والقوات الأمريكية وقوات التحالف فقد فشلت, حيث لم تلتزم القوات المحتلة بأوقات الهدنة وشروطها, وربما لم يحسم الأمر حتى الآن, وقد يحسم مستقبلاً.
وهكذا نفهم أنه لا رهان في السياسة, لا عند الدول ولا عند الأفراد, فالموقف الأمريكي والموقف الإيراني والموقف الشيعي الصدري أصبحت كلها متغيرات ومفاجآت, وجاءت على عكس المعلن والمتوقع تماماً.
أمريكا تطلب من عدوها إيران –إن جاز التعبير- وإيران تستجيب, وتنجح, والصدر يستجيب ويرجع للمربع الأول, وإذا ضممنا الصدر إلى السيستاني, فمعنى ذلك إن الموقف الشيعي أصبح مضموناً وإلى أشعار آخر, "ويصفى الميدان لحميدان" تبقى المواجهة بين السنة وقوى الاحتلال.
نقول هذا ونحن مشدوهون متألمون, ونرجو أن نكون مخطئين, وليس من العدل أن يعتبر الشيعة أنفسهم الأكثرية في العدد, من غير أن يكونوا الأكثرية في زحزحة كابوس الاحتلال.
وإذا تكون كريهة ادعى لها          وإذا يحاس الحيس يدعى جندب
 
وبعد هذا المقال ما هو سبب هذه الحيرة عند دكتور وشاعر وصحفي ورجل حركي؟
الجواب واضح إذا كانت المقدمات صحيحة جاءت النتائج سليمة ولذلك:
-إذا لم نفهم الأفكار المحركة للقادة والتيارات فإن كل توقعاتنا ستكون خاطئة.
-إذا لم نعرف المتغيرات والثوابت لدى أصحاب الصوت العالي سنضل الطريق.
-إذا لم نعرف التاريخ الحقيقي لهذه الجهات سنمشي خلف السراب.
-إذا لم نر الواقع بأعيننا وتقليص الفارق بين التصريحات والأعمال سنبقى في الإوهام.
ومفتاح ذلك كله سلامة المنهج والاعتقاد تنير لنا الدرب وتكشف الحائدين عن الصراط.
 
 
 
 
الاسم:  
عنوان التعليق: 
نص التعليق: 
خانة التحقق