كتاب الشهر\العدد الحادى عشر - جمادى الاولى 1425هـ
الفاروق بين السنة والشيعة
الخميس 31 أغسطس 2006
أنظر ايضــاً...
الفاروق بين السنة والشيعة
تأليف: أحمد كمال شعث
 مقدمة:
الأستاذ الدكتور أحمد كمال شعث لبناني, عاصر أحداثاً عظام ومعارك متتالية, أبرزها ثورة الخميني والحرب العراقية الإيرانية.. والتي يرى الكاتب أنها عكست تسرباً للآثار والأفكار الشيعية على المنطقة العربية خاصة.. فخدع الجهلة من المسلمين.
ولذلك يستعرض المؤلف سيرة الخلفاء بدءاً بالصديق –الذي استعرضنا كتاب المؤلف حوله في الشهر الماضي- في مواقفه ومآثره, مبيناً حال الشيعة –بحقدهم- في التعامل مع تلك المآثر.
وفي كتابه الثاني هذا (الفاروق بين السنة والشيعة) ضمن هذه السلسلة مستعرضاً سيرة الفاروق عمر بن الخطاب رضي الله عنه بين أهل السنة والشيعة الإمامية, مبيناً أنه لا فرق بين الشيعة قديماً وبين رافع لواء التجديد عند الشيعة وهو نسلهم وحفيدهم الخميني.
غير أن الجدير بالذكر هنا أن الكاتب وضع أساساً استقاه من تتبعه لأفكار الشيعة وعقائدهم في مراجعهم المعتمدة عندهم وهو: "أن الشيعة ترى أن الأمة الإسلامية قد ارتدت وكفرت بعد وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم إلا ثلاثة أو أربعة!! فانطلقوا على هذا الأساس فاسقطوا تاريخ الصحابة كلهم, فطرحوها واعتبروها ساقطة مكذوبة".
ولكن ماذا يفعلون بآيات القرآن التي زكتهم وأثنت على الصحابة؟
ثم ماذا هم فاعلون تجاه السنة النبوية والسيرة المليئة بمدح وثناء النبي صلى الله عليه وسلم على صحابته؟! قالوا أن هذا القرآن الذي بين أيدينا محرف قد زيد فيه ونقص, وأن قرآنهم وهو مصحف فاطمة الذي أخذه الإمام الغائب واختفى في السرداب –زعماً- فكل آية فيها تزكية ومنقبة لصحابي فهي محرفة –بل هي من وضع أبي بكر الذي جمع القرآن ومن وضع عمر-!!
وأما السنة النبوية فهي عند الشيعة ما روي عن أئمتهم, مع أن معظمهم لما يعايش النبي صلى الله عليه وسلم ولم يشهد أحداث الدعوة!! بل أضافوا إليها أقوال وآراء أئمتهم الاثنى عشر والتي منها أقوال الطفل –الإمام ابن العشر سنوات- الذي اختفى في السرداب –عجل الله فرجه عند الشيعة؟؟-
 فكان من لوازم الفكر الشيعي الذي قام على هذا الأساس أن يلطخ سيرة أصحاب الرسول صلى الله عليه وسلم وخلفائه الراشدين –فحللوا الأحداث والمواقف على خبث طوية وحقد دفين- فتعالوا بنا للدكتور أحمد وهو يستعرض سيرة عمر بن الخطاب, وكيف تعاملت الشيعة الإمامية الخمينية مع هذه السيرة العطرة.
وسوف نقتصر على صفحات يسيرة من كتاب الدكتور أحمد شعث نظن أنها تقدم فكرة واضحة عن صورة الفاروق عند الشيعة.
يقول الدكتور أحمد شعث:
العبقرية الزاخرة:
المدقق الدارس لشخصية الفاروق قبل إسلامه.. وبعده يجد نفسه أمام شخصية فذة أطرافها متكاملة قوية جمعت العبقرية من أطرافها… كان رضي الله عنه يتحمل المسئولية كاملة. وكان يشعر شعوراً عميقاً بثقل تبعة ما يسعى إليه وتبعية العمل وإخراج الأمر على أكمل وجه يستطيعه.
قبل إسلامه كان أعنف من واجه التيار الإسلامي والدعوة المحمدية.. وهو القائل بعد إسلامه.. للنبي صلى الله عليه وسلم: ألسنا على حق؟ ففيم الاختفاء؟!
كان أول من حث المسلمين على الخروج علناً والدعوة جهراً… "فأصابت قريش كآبة لم يصبهم مثلها"([1]) .
كان على رأس المسلمين عندما جلسوا علناً حلقاً حول البيت وطافوا به..
كان إسلامه منعطف الفرقة بين إعلان الحق من الباطل.. فسماه النبي صلى الله عليه وسلم الفاروق, وفي إسلامه وعلى طول سيرته مع النبي كان له رأيه المستقل النابع من نفس صافية عالية وشخصية مؤمنة قيادية.
أبدى الفاروق رأيه في اتخاذ مقام إبراهيم مصلى.. فنزل القرآن مؤكداً.. كان مقام إبراهيم لاصقاً بالكعبة.. فقال عمر: "إني لأعلم ما كان موضعه ههنا ولكن قريش خافت عليه من السيل فوضعته هذا الموضع"([2]) … ثم إنه وضعه موضعه الأول.
كما أبدى رأيه في أمر الحجاب على نساء النبي … فنزلت آية الحجاب.
وأبدى رأيه في إجتماع نساء النبي على الغيرة.. فنزل القرآن محذراً.
وأبدى رأيه في تحريم الخمور.. فنزل القرآن ناهياً عنها.. محرماً لها.
وأبدى رأيه في أسارى بدر... فنزل القرآن مؤيداً نظرته ومفهومه.
وكان موقف الفاروق في سقيفة بني ساعدة –بعد وفاة الرسول... المحور الذي التف عليه المهاجرون والأنصار فاختاروا واتفقوا على الصديق خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم فمنع الفرقة وأخمد الفتنة ولم الشمل والرأي.
وعلى عهد الصديق أبدى رأيه صريحاً واضحاً بكل إخلاص في أمر بيعة أسامة.. وفي قتال أهل الردة.. وفي رغبته عزل خالد.. وفي أمور أخرى كثيرة.. لكنه كان يقف عند حدود إبداء الرأي.. كما كان أول من يسمع فيجيب.. ويؤمر فيطيع وعلى عهده كانت الشورى سبيله كما أبدى رأيه في كثير من الأمور.
كان أول من كتب التاريخ في شهر ربيع الأول سنة ستة عشر من هجرة الرسول صلى الله عليه وسلم وهو أول من ضرب في الخمر ثمانين جلدة بعد أن استشار الإمام علي وصحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وهو أول من عس في عمله بالمدينة متفقداً أحوال الرعية بنفسه... حانياً عليهم رؤوفاً بهم.
وهو أول من حمل الدرّة وأدب بها.
وهو أول من استقضى القضاة في الأمصار.
وهو أول من دون الدواوين... وكتب العطايا.. وحصر الرعية.
وهو أول من منع الصدقات عن المؤلفة قلوبهم فقال: إن الله أعز الإسلام وأغنى عنكم فإن تبتم إليه وإلا فبيننا وبينكم السيف.
وهو أول من درأ الحد بالضرورة.. وقرر مبدأ المساواة أمام القضاء.
كان رضي الله عنه إذا عرضت له مشكلة نظر في كتاب الله فإن وجد لها حلاً قضى به دون تردد .. وإن لم يجد نظر في سنة رسوله المصطفى.. فإن وجد قضى به دون تردد أيضاً.. فإن لم يجد اجتهد في تفضيل ما لم يرد عنه نص أو سنة.. واستشار مستشاريه وكانوا من خيرة صحابة رسول الله.. فإن اجتهدوا على رأي قضى به.
كان أميراً يعرف عظم مسئوليته وضخامتها.. وكانت حقوق الرعية وأحوالهم نصب عينيه.. هدفاً يرمي إليه ويهدف.
كان رضي الله عنه أيضاً أول من أنشأ البريد.. ومرابط الثغور.. ومصنع السكة لضرب النقود.. ودار الحبس للعقاب.
*خرج الفاروق ذات يوم في سواد الليل.. فلمحه طلحة.. فدخل عمر بيتاً.. أصبح طلحة فذهب إلى ذلك البيت فإذا عجوزاً عمياء مقعدة.. فقال لها: ما بال هذا الرجل يأتيك؟! قالت: إنه يتعهدني منذ كذا وكذا.. يأتيني بما يصلحني ويخرج عني الأذى.
فقال طلحة لنفسه: ثكلتك أمك يا طلحة.. أعترات عمر تتبع؟!
فانظر إلى الشيعة ماذا يقولون:
*مثل هذا الوالي يقول عنه الخميني: "إن مثل هؤلاء الأفراد الجهال الحمقى والأفاقون الجائرون غير جديرين بأن يكونوا في موقع الإمامة وأن يكونوا ضمن أولي المر"([3]) .
غير أن الإمام عليّ يروى عنه أنه قال: "لا أوتي بأحد يفضلني على أبي بكر وعمر إلا جلدته جلد المفترى"([4]) .
*قدمت رفقة من تجار المدينة المنورة.. فنزلوا المصلى.. فقال عمر لعبد الرحمن ابن عوف: هل لك أن تحرسهم الليلة من السراق؟!
فباتا يحرسانهم.. ويصليان ما كتب الله لهما.. وفي الليل سمع الفاروق بكاء صبي صغير... فتوجه ناحية الصوت ثم قال لأم الصبي: إتق الله وأحسني إلى صبيك.. ثم عاد إلى مكانه.. فلما كان آخر الليل سمع بكاء الطفل فقال لأنه: ويحك.. إني لأراك أم سوء.. ما لي لا أر ابنك لا يقر منذ الليلة؟!
فقالت: يا عبد الله!! قد أبرمتني منذ الليلة.. إني ازيغه عن الفطام فيأبى عليّ قال: ولم؟! قالت: لأن عمر لا يفرض إلا للفطيم. فقال: وكم له؟! قالت: كذا وكذا شهر. فقال: ويحك.. لا تعجليه.
ثم صلى عمر الفجر بالناس ما يتبينون قراءته من غلبة بكائه.. فلما سلم قال: "يا بؤساً لعمر!! كم قتل من أولاد المسلمين؟!.. " ثم إنه أمر منادياً فنادى: "أن لا تعجلوا صبيانكم على الفطام فإنا نفرض لكل مولود في الإسلام"([5]) .
مثل هذا الوالي الذي يخشى الحرام والظلم في كل فعل من أفعاله يضع الشيعة الأحاديث ويؤلفوا الروايات ويصورونه كأن الحرام رفيقه. والظلم ظله!!
عن أبي حمزة الثمالي عن أبي جعفر (ع) قال: "يبعث الله يوم القيامة قوماً بين أيديهم نور كالقباطي.. ثم يقال له كن هباءاً منثوراً... ثم قال: أما والله يا أبا حمزة كانوا ليعرفون ويعلمون ولكن كانوا إذا عرض لهم شيء من الحرام أخذوه!! .. وإذا عرض لهم شيء من فضل أمير المؤمنين أنكروه"([6]) .
ويقول أحد علمائهم: "إن الصحابة على ثلاثة أقسام: معلوم العدالة ومعلوم الفسق.. ومجهول الحال.. أما معلوم العدالة: كسلمان والمقداد وممن لم يمل عن أهل البيت طرفة عين"([7]) ... وليس من أحد من جميع الصحابة معلوم العدالة إلا ثلاثة ذكرهم وسماهم أما بقية الصحابة فقال: "فهؤلاء نتقرب إلى الله تعالى ورسوله ببغضهم وسبهم وبغض من أحبهم.. فهم الذين بقوا بعد رسول الله فتقربوا إلى أئمة الضلالة والدعاة إلى الضلالة بالزور والكذب والبهتان فولوهم الأعمال وحملوهم على رقاب الناس وأكلوا بهم أموال الدنيا.. وإنما الناس مع الملوك والدنيا إلا من عصمه الله"([8]) ..
وطالما أن العاملي قد حكم منظاره ووضع قواعده فلم يتبق له إلا أن يحكم بالإيمان والكفر.. فقال العالم الشيعي المؤدب عن أبي بكر وعمر: "إنهما لم يكن عندهما ذرة في الإسلام"([9]) .
فليتذكر العاملي قول المولى في محكم تنزيله: ((فلا تزكوا أنفسكم هو أعلم بمن اتقى)).
وقال عز من قائل: ((ألم تر إلى الذين يزكون أنفسهم بل الله يزكي من يشاء ولا يظلمون فتيلا)).
وقال جل شأنه: ((ولولا فضل الله عليكم ورحمته ما زكى منكم من أحد أبداً ولكن الله يزكي من يشاء والله سميع عليم)).
فهل هناك منهاج بعد منهاج المولى يا أيها العاملي؟!
*قال نافع العبسي: "دخلت حيّز الصدقة مع عمر بن الخطاب وعلي بن أبي طالب فمجلس عثمان في الظل يكتب.. وقام على رأسه عليّ يُملي ما يقول عمر.. وعمر في الشمس قائم في وم حار.. شديد الحر.. عليه بردان أسودان.. متزرراً بواحد وقد لف الآخر على رأسه يعد إيل الصدقة.. يكتب ألوانها وأسنانها. فقال عليّ لعثمان: في كتاب الله ((يا أبت استأجره إن خير من استأجرت القوي الأمين))... ثم أشار بيده إلى عمر فقال: "هذا القوي الأمين"([10]) .
خطب عمر يوماً فقال: "والذي بعث محمداً بالحق لو أن جملاً هلك ضياعاً بشط الفرات خشيت أن يسأل عنه آل الخطاب".
وقال الشعبي: "كان عمر يطوف في الأسواق.. ويقرأ القرآن ويقضي بين الناس حيث أدركه الخصوم!!"([11]) .
وقال الفاروق: "... فوالله ما أستطيع أن أصلي وما أستطيع أن أرقد.. إني لأفتح السورة فما أدرى في أولها أنا أو في آخرها من همي بالناس منذ جاءني هذا الخبر".. "أي منذ توليت أمر الناس"([12]) .
مثل هذا الوالي الذي أفنى عمره وأعطى جهده لخدمة رعيته يقول عنه الشيعة ما يفضح سريرتهم ويظهر نفسياتهم قبل أن يصيب عمر برذاذ الجهل والحقد الأعمى.
يروي الكشي عن الورد بن زيد قال: قلت لأبي جعفر (ع): جعلني الله فداك؛ قدم الكميت.. فقال: أدخله.. فسأله الكميت عن الشيخين.. فقال له أبو جعفر (ع): ما أهريق دم ولا حكم بحكم غير موافق لحكم الله وحكم رسول الله صلى الله عليه وسلم وحكم عليّ!!! إلا وهو في أعناقهم.
فقال الكميت: الله أكبر.. حسبي حسبي([13]) .
... وفي رواية أخرى...
عن داوود بن العضمان قال: قال "الباقر": "يا كميت بن زيد!! ما أهريق في الإسلام محجة من دم ولا اكتسب مال من غير حلة.. ولا نكح فرج حرام إلا وذلك في أعناقهما إلى يوم يقوم قائمنا.. ونحن معاشر بني هاشم نأمر كبارنا وصغارنا بسبهما والبراءة منهما"([14]) .
رغم كل هذا فإن المجلسي.. مروج مذهب الشيعة العلامة المدقق المحقق...الخ يروي عن الطوسي رواية موثوقة عن عليّ بن أبي طالب إنه قال لأصحابه: "أوصيكم في أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم لا تسبوهم فإنهم أصحاب نبيكم وهم أصحابه الذين لم يبتدعوا في الدين شيئاً... ولم يوقروا صاحب بدعة... نعم أوصاني رسول الله صلى الله عليه وسلم في هؤلاء"([15]) .
فإن لم يكن أبو بكر وعمر وعثمان من أصحاب رسول الله؟! فمن يكون إذاً؟!
عمر ومواقفه لجمع القرآن:
*كانت حروب الردة على عهد الصديق من الشدة والعنف حتى إنه قتل فيها الكثير من الصحابة ومن حفاظ القرآن.. ثم لم تنتهي الحرب بل اشتعلت على جبهتي الشام والعراق.
كانت حرب اليمامة هي الباعث أن يشير الفاروق عمر على الصديق بجمع القرآن.. أحجم الصديق بادئ الرأي.. على أن عمر أعاد عليه.. فقال الصديق: كيف أفعل شيئاً لم يفعله رسول الله صلى الله عليه وسلم.. ودار حديث وحوار بين الصاحبين اقتنع الصديق على أثره بوجاهة الفكرة فأرسل إلى زيد بن ثابت.. فتردد زيد بدوره.. وما زال به الشيخان حتى أقنعاه بوجاهة الأمر.
قال زيد بن ثابت: "أرسل إليّ أبو بكر بعد مقتل أهل اليمامة وكان عنده عمر فقال: إن هذا أتاني فقال: إنا القتل قد استحر بالقراء.. وإني لأخشى أن يستحر القتل بالقراء في سائر المواطن فيذهب القرآن وقد رأيت أن تجمعوه فقلت لعمر: كيف نفعل شيئاً لم يفعله رسول الله صلى الله عليه وسلم؟!
فقال عمر: هو والله خير.. فلم يزل يراجعني في ذلك حتى شرح الله صدري للذي شرح الله له صدره.. ورأيت فيه الذي رأى"([16]) .
وراح زيد يتتبع القرآن ولا يعتمد على حفظه.. بل كان يجمعه من الرقاع والأكتاف والعسب وصدور الرجال حتى جمع زيد القرآن كما أنزل.
كانت الفكرة لعمر.. وكان الفضل والثواب للجميع.
 
هذه هي أسس الحقد الدفين:
من أهم الخلافات بين السنة والشيعة هي نظرة الشيعة للقرآن.
يؤمن الشيعة بأن القرآن المتداول بين أيدينا قد أصابه نقص.. وقد وضع القوم منذ نهاية القرن الثالث الهجري إلى الآن آلاف الروايات والكتب التي تدل على وجهة نظرهم([17]) وحتى إمامهم الخميني أشار إلى ما يؤمن به القوم من مصحف فاطمة في كتابه كشف الأسرار... أما في رسالته "التعادل والتراجيح" فيقول "ولعل القرآن الذي جمعه "يقصد الإمام علي" وأراد تبليغه على الناس بعد رسول الله هو القرآن الكريم مع جميع الخصوصيات الدخيلة في فهمه المضبوطة عنده بتعليم رسول الله وبالحملة أن رسول الله وإن بلغ الأحكام وضبط جميعها كتاباً وسنة هو أمير المؤمنين عليه السلام في حين فات القوم "يقصد الصحابة" الكثير منها لقلة اهتمامهم بذلك!!"([18]) .
إن الإحاديث التي تدل على رأي القوم كثيرة لكنا على سبيل المثال لا الحصر سوف نذكر منها ما رواه "الطبرسي" في كتابه "الاحتجاج" وفيه يقول: "وفي رواية أبي ذر إنه لما توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم جمع عليّ القرآن وجاء به إلى المهاجرين والأنصار وعرضه عليهم لما قد أوصاه بذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم. فلما فتحه أبو بكر خرج في أول صفحة فتحها فضائح القوم.. فوثب عمر فقال: يا علي.. إردده فلا حاجة لنا فيه!! فأخذه علي بن أبي طالب عليه السلام وانصرف.. ثم أحضر زيد بن ثابت وكان قارئاً للقرآن فقال له عمر: إن علياً جاءنا بالقرآن وفيه فضائح المهاجرين والأنصار!!.. وقد رأينا أن نؤلف القرآن ونسقط منه ما كان فيه من فضيحة وهتك للمهاجرين والأنصار.. فأجابه زيد إلى ذلك!!.. ثم قال: فإن أنا فرغت من القرآن على ما سألتم واظهر عليّ القرآن الذي ألفه.. أليس قد بطل كل ما عملتم؟! قال عمر: فما الحيلة؟ .. قال زيد أنتم أعلم بالحيلة.. فقال عمر: ما حيلة دون أن نقتله ونستريح منه.. فدبر في قتله على يد خالد بن الوليد فلم يقدر على ذلك.. فلما استخلف عمر سأل علياً أن يرفع إليهم القرآن فيحرفوه فيما بينهم فقال عمر: يا أبا الحسن.. إن جئت بالقرآن الذي كنت جئت به إلى أبي بكر حتى نجتمع عليه.. فقال: هيهات.. ليس إلى ذلك سبيل إنما جئت به إلى أبي بكر لتقوم الحجة عليكم ولا تقولوا يوم القيامة ((إنا كنا عن هذا غافلين)).. أو تقولوا ما جئتنا به.. إن القرآن الذي عندي لا يمسه إلا المطهرون والأوصياء من ولدي. فقال عمر: فهل وقت لإظهاره معلوم؟!
فقال عليه السلام: نعم إذا قام القائم من ولدي يظهره ويحمل الناس عليه!!"([19]) .
.... وأخرى....
السيد / نعمة الله الحسيني يقول في كتابه "الأنوار": "قد استفاض في الأخبار أن القرآن كما أنزل لم يؤلفه إلا أمير المؤمنين"([20]) .
ومثل تلك الآراء كثير وكثير.. وهذا رأي القوم ونظرتهم إلى القرآن الكريم المتداول بين الناس منذ أيام عثمان شهيد القرآن إلى يومنا هذا.
ونسي العلماء الأفاضل الفاهمون قول المولى عز وجل:
((إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون)).
((إن علينا جمعه وقرآنه فإذا قرأناه فاتبع قرآنه ثم إن علينا بيانه)).
((لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد)).
أولا يمثل رأي الشيعة وعلمائهم النجباء نقصاً في قدرة المولى عز وجل؟! ثم كيف يبرر الشيعة الأفاضل موقف الإمام علي من الخلفاء الراشدين إذا كانوا كما شبههم؟! ومن أي قرآن كان يقرأ علي في أيام خلافته؟!
إن عدم الإيمان بحفظ القرآن يجر إلى إنكاره ومن ثم تعطيل الشريعة كلها.
فالإيمان الكامل لا يكون إلا باليقين بالقرآن... ويبدو أن هذا هدف القوم.
تباً للمشككين الوضاعين الكذبة.
 
وهل كان الفاروق إلا رحيماً بالرعية:
من المعروف عن الفاروق شدته في أداء الحقوق.. وخشونته في مظهره.. على أن المدقق المحقق يجزم إن ذلك إلا الإطار الخارجي لشخصية الفاروق عمر.. فقد كان الرجل عاطفة فياضة من الحسن والرحمة والعطف والرقة على رعيته ولن يقدر ذلك مثل رعية عمر أنفسهم فقد أضفوا عليه جميعاً من الحب والاعجاب والتقدير ما اطمأنت إليه أنفسنا في تقييمنا لهذه الشخصية الفذة التي لا تتكرر.. تلك الشخصية السوية التي ملكت القوة والعدل في كفة... والرحمة والعطف في كفة أخرى فوازت وتوازنت على المنهاج الشرعي القويم فهي العبقرية الفذة.. والأداء المثالي.
سأل الفاروق الفاروق عن رجل كان يعرفه.. فقيل له إنه يتابع الشراب فكتب إليه: "إني أحمد إليك الله الذي لا إله إلا هو... غافر الذنب وقابل التوب شديد العقاب... ذي الطول لا إله إلا هو إليه المصير".
فلم يزل الرجل يرددها ويبكي حتى صحت توبته.
وعندما بلغ عمر ذلك قال لأصحابه: "هكذا.. فاصنعوا إذا رأيتم أخاً لكم زل فسددوه ووفقوه.. وادعوا الله أن يتوب عليه ولا تكونوا أعواناً للشيطان عليه".
كما أن الفاروق كان أول من حمل الدرّة وأدب بها.. فهو أيضاً أول من درأ الحد بالضرورة.. فقد تكرر منه إعفاء الزانيات من الحد لشبهة القهر والعجز عن المقاومة... كما درأ الحد في وقت الشدة مثل عام الرمادة وغيرها.
رأى الفاروق ذات يوم شيخاً يهودياً يسأل عن الباب.. فقال له: ما ألجأك إلي هذا؟ قال: أسأل الجزية والحاجة والسن. فأخذ الفاروق بيده وأعطاه من بيته ما يكفيه وأمر بإعطائه من بيت المال ورفع الجزية عنه وعن أمثاله.. وهكذا شملت رحمة الفاروق حتى من خالفه في الدين.
رأى الفاروق رجلاً يحمل حملاً ما لا يطيق.. فأخذته الرحمة بالحيوان.. وعاقب الرجل لقسوته على الحيوان.. بل كان وهو أمير المؤمنين يدخل يده في جرح البعير ويداويه ويقول: إني لخائف أن أسأل عما بك!!.
.. لم تقف رحمة الفاروق عند حد... ولم يحدها دين ولا جنس... بل امتدت فشملت كل مظهر من مظاهر الضعف الإنساني.. بل وحتى الحيواني.. كانت رحمة الفاروق تنبع من قلب كبير وروح عظيمة فطرت على حب الخير والشعور بالمسؤولية.. كان قوياً في نفسه.. أمينا على رعيته.. نقياً في معدنه.. ورعاً في دينه عادلاً بين شعبه... أمينا لحقوقهم.. غيوراً على مصالحهم.. وفياً لأماناتهم شجاعاً متواضعاً كريماً عزيزاً.. كان رحمة الله... "نسيج وحده".
 
 
أساس الفكر الشيعي:
يقوم الفكر الشيعي منذ نهاية القرن الثاني الهجري على فلسفة أن الخلفاء الأول قد ارتدوا عن الإسلام عندما نازعوا علياً أمر الإمامة؟! وقد أثر ذلك المنطلق الأساسي العقائدي للقوم على نظرتهم لخلفاء رسول الله البررة فكانت نظرتهم إليهم من خلال منظار أسود كسته الكراهية حمقاً وعفونة.. فلم يرى القوم في كل تاريخ الخلفاء إلا كل سوء... وتفنن القوم في التأويل والتحوير ونسج الروايات والأساطير بما يناسب حالتهم وشعورهم وجعلوا من تلك النظرة مسألة إيمانية بحتة يجب على الشيعة أن يؤمنوا بها إيماناً أعمى... ونظرة سريعة إلى "الزيارات" التي يقرأها القوم على مقابر أئمتهم يوضح كل شيء...
من الطبيعي أن يتوازى منهاج الشيعة مع عظمة الشخصية التي يتناولونها.. لذا.. فقد نال منهم الفاروق الحظ الأوفى.. فبذل القوم جهداً كبيراً في محاولة تلطيخ سيرته وتاريخه وأعماله.
يقول العياشي في تفسيره: "لما قبض نبي الله صلى الله عليه وسلم كان الذي كان لما قد قضى من الاختلاف .. وعمد عمر فبايع أبا بكر ولم يدفن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد.. فلما رأى ذلك عليّ عليه السلام ورأى الناس وقد بايعوا أبا بكر خشى أن يفتتن الناس ففرغ إلى كتاب الله وأخذ يجمعه في مصحف.. فأرسل أبو بكر إليه أن تعال فبايع.. فقال علي: لا أخرج حتى أجمع القرآن. فأرسل إليه مرة أخرى فقال: لا أخرج حتى أفرغ.. فأرسل إليه الثالثة ابن عم له يقال له قنفذ.. فقامت فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم تحول بينه وبين عليّ عليه السلام فضربها!! فانطلق قنفذ وليس معه عليّ!! فخشي أن يجمع عليّ الناس فأمر بحطب فجعل حوالي بيته.. ثم انطلق عمر بنار فأراد أن يحرق على عليّ بيته وفاطمة والحسن والحسين صلوات الله عليهم. فلما رأى عليّ ذلك خرج فبايع كارهاً غير طائع"([21]) .. فأين عليّ أسد بني هاشم الشجاع المقدام وسط الأهازيج والأكاذيب هذه؟!...
أو ليس هذا هو الإمام الذي ادعى عليه القوم أنفسهم فقالو: كان علياً من القوة حتى أن علياً ركض يوماً فتزلزلت الأرض!!"([22]) وهو أيضاً الإمام الذي كذب عليه "الصافي" فقال: "إن الأرض تزلزلت يوماً فركضها حتى سكنت!!"([23]) وهو من روى عنه ابن بابويه أنه: "قد صرع إبليس يوماً بقوته الجبارة"([24]) .. فكيف يقبل هذا مع ذلك؟!
تباً للكذابين المغترين الوضاعين.. ونحن لهم إلى آخر رمق.
العياشي بذكر في تفسير سورة براءة فيقول: ... عن أبي حمزة المثالي إنه قال: "قلت للإمام: ومن أعداء الله؟!. قال: الأوثان الأربعة. قال: قلت: ومن هم؟. قال: أبو الفصيل ورمع ونعثل ومعاوية.. ومن دان بدينهم... فمن عادى هؤلاء فقد عادى أعداء الله"([25]) فهذه هي المحصلة النهائية... ومرمى الشيعة النجباء... هو هدم الإسلام وكسر أعلامه وتاريخه.
هذا رغم أن الآتي من أحاديث أئمة القوم "المعصومين في عرفهم": يقول الإمام محمد الباقر – الإمام الخامس المعصوم عند القوم – في جواب من سأله: هل ظلماً كما من حقكم شيء؟!.. يقول: لا والذي أنزل القرآن على عبده ليكون للعالمين نذيراً.. ما ظلمانا من حقاً حبة خردل"([26]) وشهد إمام من أئمتهم.
وقال الإمام في الشيخين: "وكان أفضلهم في الإسلام كما زعمت وأصحهم لله ورسوله الخليفة الصديق والخليفة الفاروق. ولعمري أن مكانهما في الإسلام لعظيم وأن المصاب بهما لجرح في الإسلام شديد.. رحمهما الله وجزاهما بأحسن ما عملا"([27]) ... فهذه نظرة آل البيت الكرام.. وتلك نظرة شيعتهم اللئام وصدق الإمام الصادق جعفر ابن الباقر عندما قال:
"لقد أمسينا وما أحد أعدى لنا مما ينتحل مودتنا"([28]) .
 إيمان كالجبال:
كان الفاروق في منهاجه كخليفة للمسلمين نموذجاً يحتدى به في الفهم والعلم والإيمان فشا طاعون عمواس.. وعمر في طريقه إلى الشام... فلقيه أبو عبيدة وأصحابه عند تبوك.. وأخبروه خبر الطاعون.. فاستشار المهاجرين والأنصار فاختلفوا بين ناصح بالمضي وناصح بالقفول.. ناصح بالمضي في طريقه يقول: إنه خرج لأمر ولا يرى له أن يرجع عنه.. وناصح بالقفول يقول إنه بغية الناس وأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا يرى أن يقدمهم على وباء.. ثم إنه دعا مشيخة قريش من مهاجرة الفتح فلم يختلف عليه رجلان وأشاروا جميعاً بالرجوع.
قال أبو عبيدة: افرار من قدر الله؟!
قال عمر: نعم.. نفر من قدر الله إلى قدر الله... أرأيت إن كان لك إبل هبطت وادياً له عدوتان... إحداهما خصبة.. والأخرى جدبة.. أليس إن رعيت الخصبة رعيتها بقدر الله.. وإن رعيت الجدبة رعيتها بقدر الله؟!... وما رام مكانة حتى جاءه عبد الرحمن بن عوف فحسم الخلاف برأي النبي في الخروج من أرض الطاعون والقدوم إليها حيث قال صلى الله عليه وسلم: "إذا سمعتم به بأرض فلا تقدموا عليه وإذا وقع بأرض وأنتم بها فلا تخرجوا منها".
كان إيمان الفاروق إيمان العلم والفهم.. كان إيماناً بصيراً يأخذ بالحيطة ويلم بالأسباب.. ويعلو بالعمل.
أما إيمان الشيعة.. فهو آية في مفهومه..!!
في كافيهم.. يكذبون على عليّ بن أبي طالب إنه قال: "لقد أعطيت خصالاً لم يعطهن أحد قبل –وحتى الأنبياء- علمت المنايا والبلايا والأنساب وفصل الخطاب فلم يفتني ما سبقني ولم يعزب عني ما غاب عني"([29]) .
هذا... والمولى عز وجل يقول في محكم تنزيله: ((لا يعلم من في السماوات والأرض الغيب إلا الله)).
وقال المولى على لسان عيسى معجزة الله: ((تعلم ما في نفسي ولا أعلم ما في نفسك إنك أنت علام الغيوب)).
وقال على لسان خاتم الأنبياء صلى الله عليه وسلم: ((ولا أقول لكم إني ملك إن أتبع إلا ما يوحى إليّ)).
وهكذا تتواتر الآيات مجزمة بقدرة حتى الأنبياء والرسل.
وتتواتر أيضاً أحاديث الشيعة مجزمة بجنوح القوم وخروجهم عن الجادة.
كذب القوم على الإمام الصادق الأمين العالم جعفر إنه قال:
((إني أعلم ما في السماوات والأرض وأعلم ما في الجنة وما في النار وأعلم ما كان وما يكون))([30]) .
سبحانك ربي.. إن هذا إلا بهتان عظيم.
وكذبوا على "محمد الباقر" حيث يروي أبو بصير أنه قال: "قلت لأبي جعفر عليه السلام. أنتم تقدرون على أن تحيوا الموتى وتبرؤا الأكمة والأبرص؟! قال: نعم. بإذن الله.. ثم قال لي: إدن مني يا أبا محمد. فدنوت منه. فمسح على وجهي وعلى عيني.. فأبصرت الشمس والسماء والأرض والبيوت وكل شيء في البلد!!.. ثم قال لي: أتحب أن تكون هكذا أو بك ما للناس وعليك ما عليهم يوم القيامة.. أو تعود كما كنت ولك الجنة خالصاً.. قلت: أعود كما كنت. فمسح على عيني فعدت كما كنت"([31]) .
هذا والمولى يقول في محكم قرآنه: ((وعنده مفاتيح الغيب لا يعلمها إلا هو)). ويقول: ((عالم الغيب فلا يظهر على غيبه أحد)).
ويقول: ((ثم تردون إلى عالم الغيب والشهادة فينبئكم بما كنتم تعملون)).
هذا... وأهل السنة البررة يروون عن الفاروق أنه كان ينظر إلى الحجر الأسود فيقول كلما استلمه: إني لأعلم أنك حجر لا تضر ولا تنفع ولولا أني رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقبلك ما قبلتك.
ويروون عنه أنه سمع الناس يأتون الشجرة التي بايع رسول الله صلى الله عليه وسلم تحتها بيعة الرضوان فيصلون عندها ويتبركون بها.. فأوعدهم.. وأمر بها أن تقطع مخافة أن تسرى إلى الإسلام من هذه المناسك وأشباهها لوثة من الوثنية والتوكل على الجماد.. فأي الفريقين أهدى سبيلاً؟!!
 
لله در عمر ما أفقهه:
روى أبو هريرة... عن النبي صلى الله عليه وسلم إنه أنفده إلى رهط من المسلمين فقال له: إذهب إليهم فمن لقيت من وراء هذا الحائط يشهد أن لا إله إلا الله مستيقنا بها قلبه فبشره بالجنة.. فكان أول من لقي عمر.. فصده وعاد به إلى النبي يسأله: يا رسول الله بأبي أنت وأمي.. أبعثت أبا هريرة من لقي يشهد أن لا إله إلا الله مستيقناً بها قلبه بشره بالجنة؟! قال النبي: نعم.
فقال عمر: فلا تفعل يا رسول الله.. فإني أخشى أن يتكل الناس عليها فخلهم يعملون.. فوافقه عليه السلام وقال: فخلهم.
تلك نظرة أهل السنة للإيمان الكامل وما يستلزمه من عمل.
أما الشيعة فرأيهم عجيب غريب!!.
يكذب القوم على جعفر الصادق إنه قال عن شيعته: "أما والله لا يدخل النار منكم إثنان.. لا والله ولا واحد"([32]) .
وإنه قال أيضاً: "إن الرجل منكم لتملأ صحيفته من غير عمل!!"([33]) .
وأيضاً: "بل كان مع النبيين في درجتهم يوم القيامة"([34]) كل هذا المقام فقط لأنهم إسماً شيعة.. وفعلاً أذاقوا آل البيت المر والعلقم.
كذب القوم على أبي الحسن الرضا... الإمام المعصوم الثامن.. إنه قال: "رفع القلم عن شيعتنا.. ما من أحد من شيعتنا ارتكب ذنباً أو خطأ إلا ناله في ذلك عما يمحص عنه ذنوبه ولو إنه أتى بذنوب بعدد القطر والمطر وبعدد الحصى والرمل وبعدد الشوك والشجر"([35]) .
ويروون عن أبي سعيد المدائني أنه قال: قلت لأبي عبد الله عليه السلام: ما معنى قوله تعالى في محكم كتابه ((وما كنت بجانب الطور إذ نادينا)).. فقال (ع): كتاب لنا كتبه الله يا أبا سعيد في ورق قبل أن يخلق الخلائق بألفي عام.. صيره معه في عرشه أو تحت عرشه.. فيه: يا شيعة آل محمد غفرت لكم قبل أن تعصوني.. من أتى غير منكر بولاية محمد وآل محمد أسكنته جنتي برحمتي"([36]) .
القوم إذاً لم يكتفوا بعصمة الأئمة.. بل شاركوهم العصمة كذلك فقط لأنهم شيعة.. ومن ثم فقد غفر الله لهم قبل ارتكابهم المعاصي.. ومن كان هذا شأنه كان معصوماً.. !! ومن كان هذا شأنه فعلام الجد والكد والعمل.. فهل هذا المفهوم هو ما قعد بالشيعة عن مناصرة أئمتهم المظلومين بهم يا ترى؟!
في خطبة الوداع بين الرسول طريق النجاة فحث على العمل والإيمان فهما طريق النجاح فخاطب عامته في خاصته فقال:
"يا بني عبد المطلب, يا بني عبد مناف؟ يا فاطمة بنت رسول الله, يا عباس بن عبد المطلب.. يا صفية عمة رسول الله.. افتدوا أنفسكم من النار فإني لا أغني عنكم من الله شيئاً"([37]) .
وفي روية أخرى: "اعملوا اعملوا وسلوني من مالي ما شئتم فإني لا أغني عنكم من الله شيئاً"([38]) .
والمولى سبحانه يقول: ((فمن يعمل مثال ذرة خيراً يره ومن يعمل مثقال ذرة شراً يره)).

وفي الختام

 إن حكم العقل السليم على فترة معينة من الزمن إنما يتعين أن توضع له القواعد والضوابط والأسس.. فإذا مس الأمر رسالة سماوية خالدة وجب الاعتناء والتمسك بقواعد وضوابط هذا الحكم... هذه القواعد والضوابط لابد وأن لا تحكم بالعاطفة والميول.. بل عليها بمبادئ الفصل وميزان الحق.. والإلتزام من ناحية الدين والعقيدة ثم الالتزام والتطبيق العملي لكل ذلك.. إن نجاح أي رسالة.. أو رسول إنما ينطبع على التطبيق العملي والصورة الميدانية للمبادئ والأسس التي نادى بها الرسول في رسالته.
من الواضح أن العامل الإنساني ملازم لهذه الحركة, بل هو محورها ومركزها.. ومن هنا فإن نجاح أي دعوة إنما هو انطباع تلك الدعوة واسسها على مريديها في أعمالهم وحركتهم في الحياة..
والتاريخ –كما اتفقنا- غير ثابت.. نظراً لتناوله من وجهات نظر متباينة متعارضة.. أما العمل أو الفعل.. فهو الثابت.. أو هذا ما نأمله في اعتمادنا على هذا التاريخ.
عند الحكم على فترة الخلفاء الراشدين وعلى المجتمع الإسلامي الأول الذي قام على مبادئ الصحبة النبوية والتعاليم الإيمانية فإن الجميع –مسلمين وغير مسلمين- قد شهدوا بمثاليتها وعظمتها ومدى اخلاقياتها, سلم بذلك وأقر الأعداء قبل الخلفاء.. بل إن بذرة الإيمان في ذلك العهد الفريد هي التي نشرت الدين ورفعت راية الإسلام في بقعة عريضة من الأرض نعيش عليها.. فبصمة الخلفاء ما زالت إلى الآن.. وما نحن جميعاً إلا أثر من آثارها.
كانت هذه الحقبة الزمنية القصيرة في حكم الزمن نشطة وديناميكية وصحية إلى أقصى مدى وأبعد حد, وإذا رفع بعد المدعين ما وقع بين أعلام الصحابة من خلافات عابرة فالرد على ذلك إنما يتأتى من غرض الاختلاف.. فلم يرمي هؤلاء الأعلام إلا لتثبيت الدين وتقوية صلبه وإعلاء شأنه.. لذا فقد نجحوا في هدفهم.. ثم أن اختلاف الآراء علامة صحية بين أفراد المجتمع ما دامت في حدود الإطار السليم للمنهج القويم.. وقد كانت..
فمع الحركة.. هناك التغيير.. ومع التغيير هناك الاختلاف.. غير أن الخلاف حتى مقتل الإمام عثمان وحكم عليّ كان مقبولاً.. بل كان مطلوباً فهو إشارة إلى حيوية المجتمع ونشاطه.. وقد ساعد ذلك على ازدهار تلك الفترة ونجاحها.. غير أن الحياة ليست فقط للناجحين.. بل هي أيضاً للمهزومين..
من الطبيعي إذاً أن تختلف النظرة في تقييم الحدث بالنسبة إلى أطرافه المختلفة فإذا جاء من يشكك في إيمان أعلام الصحابة وأصدقاء ومستشاري رسول الله صلى الله عليه وسلم فمن الواجب أن ننظر إلى التهم ووجهة النظر.. ونحللها ونفندها.. كما أنه من الواجب كذلك أن ننظر إلى صاحب هذه التهم ورافع هذه الادعاءات.. بل وتقيم مكانة من الحدث الإسلامي كله.. ومن اللازم الإلتزام في كل ذلك بالقواعد والضوابط في مختلف أحكامنا.. ولا نحكم العاطفة والميول والنزعات الفردية.
من المنطقي أن النجاح كما يعتمد على الزعماء والرؤساء.. فإن يعتمد أيضاً على الصورة العامة للرعية.. فنجاح الطرفين مكمل للآخر.. ولازم له.. فلا نجاح لطرف دون طرف.
عندما ينادي الشيعة أن جميع الصحابة قد ارتدوا عن الإسلام بعد وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم مباشرة إلا ثلاثة أو أربعة فإنهم يهدمون الركن الإيماني والأساس العقائدي للعاملين أو الطرفين المشار إليهما.. والنجاح في الحركة في هذه الحالة لا يمكن تفسيره إلا بالقوة المجردة والقدرة الذاتية عند طرفي النزاع.. والأمر لم يكن كذلك عند وفاة الرسول..
كان العالم عند وفاة الرسول يقتسمه أكبر امبراطوريتين في العالم في ذلك الوقت وهما امبراطورية فارس.. ودولة الروم بل لقد ارتد أكثر العرب عقب وفاة الرسول في أطراف الجزيرة.. وشهدت الدولة الإسلامية الناشئة موجة من التفسخ والردة هددت كيانها والدين ذاته.. فإذا نظرنا بعد وفاة الرسول بعشرة سنين فقط وجدنا أن الإسلام قد انتشر في الأرض انتشاراً عظيماً فاق كل الحدود.. وعلى أنقاض الامبراطوريتين.. مما يثير دهشة وتعجب المؤرخين إلى وقتنا هذا واجتهد المؤرخون والمحللون لاستنباط السبب الأساسي لذلك النجاح المدهش.. واختلفوا.. غير انهم جميعاً اشتركوا حول عامل العقيدة الجديدة وأثرها في نفوس العرب.. وأجمعوا جميعاً على أن ذلك هو أقوى حافز وأمض دافع لهؤلاء العرب من المسلمين حتى يفتحوا للعالم بأسره وينشروا تعاليم ربهم.. ففي الحقيقة لا يوجد سبب عقلي غير ذلك.. حتى مع احترام التفسخ في كلتا الامبراطوريتين الفارسية والرومانية.. غير اننا –مع كل هذا- لا يمكننا قبول هذا الأساس دون دراسة تاريخية تحليلية لتلك الفترة.. ويستلزم ذلك دراسة سيرة روادها وأعلامها البارزين من صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم.. هنا ظهر الاختلاف واضحاً بين السنة والشيعة. بل وكانت درجة الاختلاف واسعة شاسعة منفرجة حتى أنه لا يمكن تفسيرها إلا بتوضيح الأحداث لكلا الطرفين.
عندما تقدم الشيعة الإمامية صورة قائمة للمجتمع الإسلامي وأعلامه وتحاول جاهدة أن تهدم المجهودات التي بذلها النبي صلى الله عليه وسلم في تربية وتهذيب رواد ذلك المجتمع الفريد وهم أصحابه ووزرائه ومستشاريه فإنما ترمي ضمناً أو صراحة إلى إخفاق النبي صلى الله عليه وسلم كمصلح أو مربي أو رائد.. وقد أشار الخميني إلى ذلك المعنى في كتابه كشف الأسرار.. وذلك منتهى اللامعقول.
التعمق في الفكر الشيعي يوضح الحقيقة.. فمع تسليمنا أن الاختلاف في وجهات النظر ناحية الأشخاص والبشر قد لا تجد لها دواء فعالاً.. غير أن النظر إلى الأسس والحكم إلى المبادئ الإيمانية هي المحك في الحكم القسط.. والفصل في القضاء فإذا تسلسل الأمر من نظرة إسقاط لرواد المدرسة المحمدية أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى نال من القرآن ... ثم السنة فبدل في أساسها ومفهومها.. وغير في أقوالها ومبادئها.. وظهرت البدع نتيجة كل ذلك عن عصمة البشر –إلى زيارات حسينية... إلى سجود على تربة حيدرية- إلى فلسفات وتأولات يحار فيها العاقل ويضل معها المهتدي.. وتساءلنا: هل كان ذلك على أيام الرسول.. ومن ثم من سنته؟! لسمعنا من القوم من الفلسفة والتخبط ما يقف له شعر الرأس دهشة وعجباً.. حتى ليحق للباحث أن يستاءل: هل هذا هو إسلام القوم؟!
عرفنا أن القوم قد نالوا من القرآن.. وعندهم مصحف فاطمة أو هو عند إمامهم الغائب المستور خوفاً من عمه.. مع تشكيكهم في قرآن عثمان.
أما عن السنة.. فقد وضعوا الأحاديث عن أئمتهم وجعلوها أحكاماً إلهية مثل أحكام القرآن أو أشد.. وجعلوها صالحة في كل عصر ومصر حسب رأي إمامهم روح الله العظمى وآيته الكبرى الخميني!!
فإذا كان هذا هدف القوم ومرماهم وغاية آمالهم فليس من عجب أن نتفهم موقفهم من صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم وخلفائه.. الذين عضوا على القرآن وتمسكوا بسنة نبيه ورفضوا ما عداها..
فذاك هو الفهم... وذاك هو الرأي..
قد نختلف في نظرتنا وتقييمنا لبعض الأحداث حتى لهؤلاء الأعلام الأجلة فهم بشر لا تدعي لهم عصمة.. ونحن أيضاً بشر خطاؤون.. لكن الصحابة كانوا بشراً توابون.. مؤمنون صالحون.. وحكمنا عليهم إنما كان تقييماً لأفعالهم ومواقفهم وإنجازاتهم.. والأحداث على عهدهم كانت سريعة متوالية ديناميكية فاصلة.. وأحداث على هذا النحو كفيلة بإظهار حقيقة إيمان أبطالها.. فقد كانوا يمتحنون كل يوم.. ويختبرون كل ساعة..
عاش هؤلاء الرواد.. وكانت لهم أعمالهم وإنجازاتهم.. وماتوا على حال يعلمه الطرفان ويقران به.. أو ليس بعد ذلك في الدراسة المتأنية البعيدة عن الهوى لسيرتهم كل دليل وإشارة لحسن إسلامهم وعميق إيمانهم؟!
إن مواجهة الواقع والوقائع هي ما نستند عليه في حجتنا وفهمنا... غير أنا نلاحظ بسهولة اعتماد كتاب الشيعة على التأويل والفلسفة والكذب في مناولتهم أي حديث وحدث.. فليتذكر القوم إذاً أن هذه الأحداث ونتائجها ثوابت.. وإن ما عداها من تأويل وادعاءات غير ذلك..
وإذا ركزنا في نظرتنا على سيرة الفاروق فمن السهولة ملاحظة أن الشخصية العمرية وتركيبتها سهلة كل السهولة.. واضحة كل الوضوح. لم تبن حركتها منذ أسلمت حتى توفاها الله إلا على الصراحة والوضوح معتمدة على قوة ذاتية وشخصية قيادية وإيمان عميق زان كل ذلك حتى أنها نبذت في أحوال كثيرة السياسة والدهاء حيث تجب.. فلم ترض هذه الشخصية السوية أن ينال من تعاليم الإسلام ومبادئه حتى وإن كانت لمصلحة قريبة تستوجب ذلك.. ومن هنا كان التعبير الشائع في أن إسلام الفاروق كان منعطفاً في نظرة المشركين إلى الإسلام والمسلمين عامة.. بل في نظرة المسلمين إلى أنفسهم وإمكانياتهم خاصة.
ثم تأتي الدراسة المتأنية المتزنة للعلاقات بين الفاروق والنبي وآل البيت لتفي وتهدم أي شبهة رمي إليها القوم.. فهل هناك أقوى من علاقات النسب والصهر بين الفاروق.. والنبي .. وعليّ .. فماذا بعد ذلك..؟!.
عاش الفاروق .. وفتح البلدان.. وقوض الإمبراطوريات .. ورفع راية الدين خفاقة.. فماذا كسب من كل ذلك..؟! وماذا اكتسب؟!..
سؤال يرفعه محبي الفاروق وعشاق عبقريته..
ونحن بدورنا نتسائل كذلك.. بل ماذا خسر الفاروق..؟!
خسر حياته الدنيا.. وعاش عيشة الفقراء.. ضيق على نفسه وآله.. ومات مديوناً لبيت مال المسلمين.. كل ذلك بعد أن ترك رعية قوية .. وأمة عظيمة.. ودين رايته خفاقة في السماء.. ومجتمع غني متكامل.. فهل كل ذلك نتاج نفس خبيثة كما يدعي الشيعة النجباء؟!! أهل الرأي والعلم والنجابة كما يدعون لأنفسهم ويتنادون..
إن الأمر في حقيقته إذاً ليس أمر الفاروق بل ما يمثله الفاروق.. فليس على الرجل أي غضاضة في حياته.. وسيرته وأفعاله, بل له كل الفخر والإعزاز وعند الله حسن مآب.. وعظيم ثواب.. إن الأمر أدهى وأخطر وأمر.. هو أمر الدين نفسه ومبادئه.. فإذا كان الأمر يمس الدين والعقيدة فهو يمس حياتنا وأرواحنا أجمعين.. فليس للعرب حياة بلا إسلام..
إن المدقق لمواقف الشيعة ونظرتهم إلى التاريخ الإسلامي ورواده ليكاد يجزم أن القوم على دين آخر.. فنظرتهم إلى القرآن والسنة تكفي.. ونظرتهم لأهل السنة أبعد ما تكون إلى الإنسانية.. وليس إلى الأخوة.
ولنراجع في التاريخ أعلام الشيعة ومواقفهم في مآساة وكارثة سقوط بغداد تحت جحافل المغول المشركين.. خان وزراء الشيعة الخليفة المعتصم وعاونوا أهل الشرك.. وحدث ما حدث مما يهتز له القلم ويرتعش له النفس حتى الآن لما حل بالمسلمين.. غير أن أهم ما يهمنا في موقفنا هذا أن نعرف ما هم هؤلاء الأعلام الشيعيين؟! وما هي نظرة الشيعة إليهم حتى وقتنا هذا؟!
وذلك ما قرأه من تبجيل وتعظيم القوم وخمينيهم للطوسي.. وابن العلقمي وابن الحديد.. والطاؤس وغيرهم, ولا من معقب ولا محلل..
إن الفكر الشيعي واجب التحليل والفهم والدراسة.. كما يجب أيضاً فهم دوافعهم وأهدافهم.. وتحليل كل ذلك على الضوابط الإيمانية والقواعد الربانية.. والأحكام القرآنية..
يومئذ تنهار قواعد المدعين.
ويومئذ تعلو راية الدين.
((وما ظلمناهم ولكن كانوا أنفسهم يظلمون)). صدق الله العظيم.

 

([1] ) تاريخ الخلفاء 78.
([2] ) تاريخ عمر 42 : 43.
([3] ) كشف الأسرار... للخميني.
([4] ) المنتقى للذهبي ص 360: 361 ط. القاهرة.. تحقيق السيد / محب الدين الخطيب.
([5] ) تاريخ عمر 48: 49.
([6] ) تفسير القمي 2/112 ط. مطبعة النجف.. العراق 1386هـ.
([7] ) وصول الأخيار إلى أصول الأخبار ص93 ط. الخيام قم 1401هـ.
([8] ) وصول الأخيار إلى أصول الأخبار. للحسين العاملي ص162 وما بعدها.
([9] ) أيضاً ص81.
([10] ) الطبري 3/271.. ابن الأثير 3/21.
([11] ) ابن الأثير 3/23.
([12] ) تاريخ عمر لابن الجوزي 52.
([13] ) رجال الكشي ص 179-180.
([14] ) رجال الكشي ... تزحت ترجمة الكميت بن زيد الأسدي ص 180.
([15] ) حياة القلوب... للمجلسي 2/621.
([16] ) كتاب المصاحف.. للسجستاني ص6.
([17] ) يراجع كتاب الصديق بين أهل السنة... والشيعة الخمينية... للكاتب.
([18] ) ص 26.
([19] ) الاحتجاج للطبرسي ص 76: 77 ط. إيران 1302هـ.
([20] ) الأنوار النعمانية في بيان معرفة النشأة الإنسانية.
([21] ) تفسير العياشي 2/307... أيضاً "البحار" 8/47.
([22] ) مقدمة تفسير البرهان ص74.
([23] ) الصافي 571.
([24] ) عيون أخبار الرضا 2/72.
([25] ) تفسير العباسي 2/116... أيضاً بحار الأنوار للمجلسي 7/37.
([26] ) شرح النهج لابن أبي الحديد الشيعي.
([27] ) شرح النهج للميثم... ج1 ص 31 ط. طهران.
([28] ) رجال الكشي ص259 تحت ترجمة ابن الخطاب.
([29] ) الأصول من الكافي 19/197.
([30] ) الأصول من الكافي ... كتاب الحجة 1/261.
([31] ) أيضاً 1/227.
([32] ) الروضة من الكافي ... للكليني 8/78.
([33] ) نفس المصدر 8/315.
([34] ) مقدمة البرهان ص 21.
([35] ) عيون أخبار الرضا – لابن بابويه القمي 2/236.
([36] ) البرهان 3/288.
([37] ) تفسير منهج الصادقين 6/488.
([38] ) نفس المصدر.
 

 

 
 
 
 
الاسم:  
عنوان التعليق: 
نص التعليق: 
خانة التحقق