كتاب الشهر\العدد الثاني عشر - جمادى الآخرة 1425هـ
العمامة والعباءة السوداء
الخميس 31 أغسطس 2006
العمامة والعباءة السوداء
د. محمد السعيد عبد المؤمن
الكتاب في سطور
العمامة والعباءة في السياسة والحكم لمؤلفه الدكتور محمد السعيد عبد المؤمن أستاذ الدراسات الإيرانية في جامعة عين شمس في جمهورية مصر العربية، والكتاب
صدر عام 1995 م وهو يقع في 295صفحة من القطع المتوسط عن دار الزهراء للإعلام العربي.
ويتناول الناشر في مقدمته استغرابه لاقتران الجمهورية الإسلامية في إيران بفكرة الثــــــورة، وليس ((الجهاد)) رغم إن إمام ((الثورة)) الإيرانية كان فقيها دينيا ومرجعا شيعيا كبيرا يتمتع بالمصداقية والسلطة بين رجالات الحوزات العلمية داخل إيران وخارجها. وكيف أن اندفاعة الثورة الأولى في تصفية خصومها السياسيين وتغلــب العاطفة المشبوبة على الحكمة والعقل روج لخلق صورة ((شعبية)) مثيرة لهذه الحركة الدينية – السياسية قد خالفت المفاهيم التي نادت بها، والتي حاولت من خلالها أن تضع لنفسها مكانة سواء في المجال الإقليمي أو المجال الدولي.
وينتقل إلى قصور التجربة الإيرانية من خلال سياستها الثورية بارتكازها على المفاهيم الداعية للتغيير الشامل على المستوى الداخلي أو الخارجي والمستمدة من ميراثها الشيعي ونظريات المذهب الإثني عشري وآراء الأئمة المحدثين واعتمادهم على تشييع الآيات القرآنية والمنهاج الشيعي الاجتهادي من التفسير والتأويل حيث خلقوا لأهل الشيعة فلكا ومدارا مغلقا من الأفكار الثابتة يدورون فيه بدلا من الانفتاح على رحابة النص القرآني حيث أدى بهم ذلك إلى خلق أصول مصطنعة استخرجوا منها فروعا جديدة متناسين تماما البدايات المصطنعة التي وضعوها بأنفسهم.ومن أمثلة ذلك رأيهم في الإمامة.
كما ويتطرق إلى ظهور شعار ((تصدير الثورة)) وما لهذا الشعار من دور في إضفاء صفات التطرف والإرهاب على العقيدة الإسلامية عموما، والاختلاف بين مفهوم هذا الشعار ومفهوم ((الدعوة الإسلامية)) من حيث التسمية أولا والأسلوب ثانيا، والهدف ثالثا.
كما ويوضح المقصود بالحكومة الإسلامية، حيث يتفق علماء المسلمين على أن الحكومة الإسلامية هي الحكومة التي تقوم على تنفيذ شريعة الله التي أنزلها في قرآنه الكريم وستنها الرسول صلى الله عليه وسلم وسار عليها السلف الصالح من بعده. حيث إنه وعلى الرغم من اتفاق أئمة الشيعة بمن فيهم الخميني على أن التشريع الإلهي هو الذي تلتزم الحكومة الإسلامية تعاليمه، وأنها فقط ((منوطة بتنفيذه)) إلا أنها تقصر تشكيل الحكومة على ((رجال الدين)) كما يبين نص كلمات الخميني الصريح:
(إذا أردنا أن نشكل حكومة إسلامية، فينبغي أن نشكلها بهذه العباءة وهذه العمامة ـ وإلا كان ذلك مخالفا للمروءة والعدالة)
ويوضح الناشر الفرق في وجهات النظر في مفهوم مهمة الحاكم من وجهة نظر سنيــــــة حيث اقتصــــــــار مهمـــــة الحاكم على ((تنفيذ)) تعاليم الكتاب والسنة وأحكامها التي لا محل للاجتهاد فيها ولكن يحتاج في تنفيذ هذه الأحكام توخي السياسة الشرعية، لكنها منصب إلهي يختاره الله بسابق علمه بعباده من وجهة نظر الشيعة الإثني عشرية حيث إن الأمام أفضل أهل زمانه في كل فضيلة وأعلمهم بكل علم، وهو في الكمالات دون النبي وفوق البشر. وكل هذه التوصيفات الشيعية تجنح إلى جعل الأمر في صورة تفويض إلهي لا يحتمل مناقشة أو اجتهادا أو اعتراضا.
وينتقل بعد ذلك في مقدمته إلى النظام الجمهوري والوراثي حيث إنه لربما كان للظروف التي صادفت الخميني من وجود نظام ملكي شاهنشاهي بجانب الرغبة في اكتساب شكل عصري يوحي بالحداثة والعصرية أديا لأن يكون قالب وشكل الدولة الإسلامية الجديدة جمهوري مصبوغا بتعاليم ومبادىء الشيعة الإثني عشرية يعمل على أساس ((ولاية الفقيه)) حيث ظهر الخلاف بين مذهب الأمامية الذي يقوم على
((التوريث)) أصلا وبين معارضة الوراثة الملكية، مما دفع – غالبا – أئمة ومفكري المذهب الإثني عشري إلى وضع تصورات وأوصاف خاصة بالإمام تجعل منه معصوما ً منصوصا ً عليه من الله عزوجل للهروب من هذا التناقض في التوريث أو عدمه .
وحقيقة.. أن النظام الإسلامي لم يحدد شكلا للدولة وإنما حدد شروطا والالتزام بهذه الشروط هو الذي يحقــــق مفهوم الدولة الإسلامية.  
والكتاب في محتواه إطلاله سريعة على مجمل حركة الثورة الإيرانية وأثر الروح الإيرانية – الفارسية في نظام الحكم الجمهوري الإسلامي الثوري وأسس نظرية ولاية الفقهية وبعض المقارنات بينها وبين نظام الحكم السني.
 
 
وفي مقدمة المؤلف للكتاب يتساءل المؤلف حول إمكانية وقابلية تصدير الثورة الإيرانية إلى دول العالم الإسلامي انطلاقا من ولاية الفقيه أو حكم العمامة والعباءة؟
و هذا الكتاب جواب لهذا السؤال، خاصة أن بعض المسلمين قد انخدعوا بالثورة الإيرانية و لم يتعرفوا على مفاسد هذه النظرية و التناقض الداخلي فيها الذي يجمع الثورة مع الولاية المطلقة للفقيه في صعيد واحد !!
ثم إن هذه النظرية هي جزئية لايمكن أن تشمل المسلمين وذلك أنها لا تتسع لغير فقهاء الشيعة من المسلمين !!
و أهمية الكتاب أنه لا ينقاش نظرية ولاية الفقيه من ناحية شرعية بقدر ما يتناولها من ناحية التطبيق العملي على أرض الواقع، والذي أظهر عيوب و قصور نظرية ولاية الفقيه وحاجتها إلى التعديل المستمر و الذى ينفي عنها أنها ولاية الفقيه صاحب الولاية التكوينية أو الإعتبارية.
 ويتناول الكتاب مناح ٍوجوانب عدة نتطرق إليها كما يلي:
المبحث الأول: وهو إطلالة على خلفيات نظرية ولاية الفقيه التي أيدها ونشرها الخميني ودور الأفكار التي دعا إليها علي شريعتي في بلورة هذه النظرية علي يد الخميني ولذلك كان لتلامذة شريعتي والذين احتضنهم الخميني والنظام الإيراني دورا كبيرا في توجيه أسلوب تطبيق نظرية الخميني من خلال الأسس التي وضعها علي شريعتي.
ولنظرية ولاية الفقيه محاور أهمها المحور الأول: ثبات حق الفقيه في الحكم عند الشيعة ويستطيع الدارس لفكر الخميني أن يدرك وضوح فكرة حق الفقيه وذلك بمحاولة الخميني تأييدها من خلال الآيات القرآنية مصحوبة بالتفسير الشيعي وتأويل الآيات واستشهادا بأحاديث للرسول صلى الله عليه وسلم منقولة من أسانيد الشيعة وكذلك أحاديث أحفاد رسول الله صلى الله عليه وسلم منقولة عن روايات الشيعة. المحور الثاني: طبيعة ولاية الفقيه أ- ولاية الفقيه اعتبارية وليست تكوينية: حيث يؤكد الخميني أن الحكومة الإسلامية لها صفة الثبات والدوام رغم أنها ليست وراثية ولا ملكية وبعض النظر عن تغير شخص الفقيه.ويرجع الخميني هذا الأمر إلى كونها حكومة إلهية أمر الله سبحانه وتعالى بها ونفذها رسوله الكريم صلى الله عليه وسلم وعين لها من بعده حكامها.ويفرق الخميني بين الولاية التكوينية وما يسميه بالولاية الاعتبارية و الولاية التكوينية يقصد بها أنهم يتحكمون في ذرات الكون وسائر المخلوقات !! وكذلك مقام الخليفة في الولاية الاعتبارية يختلف عن مقام الخليفة في الولاية التكوينية . إلا أن الولايتين تتشابهان فيما يختص بالصلاحيات السياسية والإدارية والتنظيمية والتنفيذية.، كما أن الفقيه ليس وليا مطلقا بمعنى أنه لا تكون له ولاية على جميع فقهاء زمانه أو أنه يستطيع أن   يعين فقيها أو يعزل آخر وأنه ليس في هذا المعنى مراتب أو درجات بحيث يكون أحد الفقهاء في مرتبة أعلى وآخر في مرتبة أدنى أو أن يكون أحدهم وليا أكثر ولاية من الأخر.وإنما يلزم بعد ثبوت القضية أن يشكل الفقهاء مجتمعين أو بشكل فرد منهم الحكومة الشرعية لتنفيذ الحدود وحفظ النظام والثغور وبذلك يصبح هذا التكليف واجبا عينيا على الفقيه وواجب كفاية على عامة الفقهاء وفي هذه الحالة لا تسقط الولاية لأنها تكليف إلهي..
ب- شكل الحكومة الإسلامية : وفي رأيه أن الحكومة الإسلامية ليست استبدادية ولا مطلقة بل مشروطة تماما وهي ليست نيابية بالمعنى الفعلي المتعارف عليه بحيث يكون إقرار القوانين وفقا لرأي الأغلبية بل بمعنى أن المسؤولين فيها مقيدون في السلطة والإدارة بمجموعة من الشروط التي حددها القرآن وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم ,   وبذلك فإن الحكومة الإسلامية حكومة قانون ((إلهي على الناس)).
 
وتحت عنوان ((هامش النظرية)) يضع الخميني عددا من الملاحظات على هامش النظرية توضيحا لبعض النقاط التي وردت في النظرية أو استكمالا لبعض الجوانب الهامشية فيها.ومن هذه الملاحظات أهميةالإعلام الإسلامي وضرورة ارتباط الولاية بالعمامة والعباءة حيث يجب أن يكون الولي الفقيه من علماء الدين المعممين رجال الحوزات العلمية الدينية ثم عرج إلى دور القضاء في حكومة الفقيه حيث قال الخميني في هذا السياق بأن منصب القضاء هو للفقيه العادل ….. وهذا القول جعل الخميني يخلط بين وظيفة الحاكم والقاضي عند حديثه عن طبيعة الحكومة الإسلامية وانتهى بملاحظته الخامسة حيث إن ولاية الفقيه تمهد لحكومة إمام الزمان الحتمية.
 
لقد أدى اهتمام الخميني بالجانب العملي في نظريته إلى النظر في واقع المجتمع الإيراني المعاصر ومواءمة كثير من أفكاره العملية مع الظروف السياسية التي كانت تمر بها إيران في هذه الفترة مما خلق كثيرا من الثغرات في الجانب النظري من موضوع النظرية، وأحيانا كان يتناقض فكره العملي مع أسسه النظرية. ومن المرجح أن معظم الشعوب الإسلامية وخاصة العربية سوف ترفض هذه النظرية وتبطل المسعى نحو تصديرها إليها وذلك لعدة أسباب جوهرية في نظر المؤلف أهمهما.. انطلاق النظرية من الفقه الشيعي الذي يتعارض في كثير من مبادئه مع الفقه السني الذي يدين به معظم الشعوب الإسلامية.وثانيا اهتمام النظرية بالجانب العملي يفرض أسلوبا معينا في تطبيقها ربما لا يتناسب في جزئيا ته أو في بعض كلياته مع ظروف المجتمعات الإسلامية أما ثالثا فتعويل النظرية على ظروف المجتمع الإيراني قبل الثورة الأخيرة مما يفقدها شمولية النظرة إلى أحوال المسلمين عامة في مختلف البلدان الإسلامية أما النقطة قبل الأخيرة فهي محاولة النظرية دمج فكرة الثورة مع فكرة الولاية للفقيه مع ما بين هاتين الفكرتين من تناقض.وأخيرا انغلاق هذه النظرية على فكرة الإمامة الشيعية..
 
وفي مبحثه الثاني تحت عنوان التطبيق العملي لنظرية ولاية الفقيه في إيران يعرج المؤلف إلى ملامح الفترة الانتقالية في التطبيق قامت الثورة الأخيرة في إيران وأعلن عن نجاحها في الحادي عشر من شباط 1979 وبذلك بدأت مرحلة اقتسام السلطة في إيران لأن الأطراف صاحبة المصلحة التي سعت إلى تغيير النظام السياسي وإسقاط نظام الشاه قد حاولت الخروج بأكبر نصيب من ثمرات الانتصار وبدا ذلك واضحا على المرجعية على المستوى التديني وعلى رأسهم الخميني أو على المستوى المؤسسي التشريعي والقضائي والإعلامي والعسكري والأمني، وقد كان الخميني في بادئ الأمر يحبذ أن تظل الحكومة في يد رجال العلم والساسة ممن لهم اتجاهات إسلامية مثل الدكتور ابو الحسن بني صدر وسانده حتى أوصله إلى رئاسة الجمهورية وصار أول رئيس لجمهورية إيران الإسلامية وما تبع ذلك من تطور في القناعات واختلاف بين الصدر وقيادته المرجعية (الخميني) من حيث قناعة الصدر بأن تكون قواعد ومقررات النظام الإسلامي هي التي تحدد أعمال الحاكم أي ان تكون الحكومة الإسلامية منفذة للعقيدة وتابعة لها وليست حاكمة عليها وألا تكون العقيدة سلاحا في خدمة السلطة بل تكون الحكومة أداة العقيدة. حيث سعى عند وصوله إلى قمة السلطة إلى محاربة الفردية واتخاذ الإجراءات التي من شأنها منع احتكار السلطة واتخاذ القرار عن طريق الاتصال بالجماعات السياسية المختلفة سواء المؤيدة للنظام أو المعارضة … مما أغضب علماء الدين المؤيدين لفكرة ولاية الفقيه.. فمورست الضغوطات عليه حتى تم توقيع مرسوم تنحيته من الخميني …
و من الواضح أن الدستور الإيراني أو ما يسمى بدستور نظام الفقيه قد أخذ كثيرا من مبانيه الفقهية عن نظرية ولاية الفقيه فقد حرص على تثبيت الدعائم الدينية للنظام والتي هي في معظمها شركة بين جميع المسلمين على اختلاف مذاهبهم وهي التوحيد والعدل الإلهي والنبوة والمعاد فيما عدا أصلا واحدا يتعلق بالإمامة والزعامة أي الاعتقاد بحكم الإمام علي بن أبى طالب بعد الرسول , وما يتبع ذلك من الزعامة في غيبة الإمام الثاني عشر المهدي ويليها الزعامة للفقيه العادل المتقي العالم بالزمان الشجاع المدير المدبر الذي يعرفه أكثر الناس ويعترفون بزعامته.
 
   بدأت الممارسة السياسية في ظل ولاية الفقيه في إيران بعد نجاح الثورة الإيرانية من خلال إسقاط النظام الحاكم بصورة عفوية بالإجماع على أن يكون الخميني زعيما للثورة ويمكن أن يلاحظ بأن الممارسة السياسية في هذه المرحلة كانت عفوية وكان أول شكل واضح للممارسة السياسية في إيران بعد الثورة هو الاستفتاء على نظام الحكم الجديد أما التجربة الثالثة في الممارسة السياسية فقد تجلت في عملية انتخاب أول لرئيس لجمهورية إيران الإسلامية في 25/1/1980 وقد جرت أول انتخابات لمجلس الشورى الإسلامي حيث تسابقت الجماعات السياسية لدخول هذا المجلس حيث وضع رفسنجاني أسسا وقانونا جديدا للانتخابات كذلك حدد آية الله حسين منتظري الذي كان مرشحا لخلافة الخميني ستة مبادئ للمارسة السياسية في هذه الانتخابات خلال بيان أصدره بمناسبة حلول انتخابات الدورة الثانية لمجلس الشورى الإسلامي وقد كان للنساء أيضا دور فاعل في هذه الانتخابات وقد كان الخميني عنيفا في مواجهته الجماعات السياسية المختلفة الخارجة على نظرية ولاية الفقية خلال عملية الانتخابات.
وفيما يخص السلطة التنفيذية فقد تبلورت وجهة نظر النظام حول هذا الموضوع ومؤداها أنه لا يريد أن يشغل منصب رئيس الجمهورية إلا من هو على خط الولي الفقيه فقد كان رئيس الوزراء مير حسين موسوي على سبيل المثال حريصا على اختيار وزراء يمثلون نفس اتجاهه في التشاور مع خامنه إي رئيس الجمهورية ولكنه لم يكن يستطع أن يتجاهل أشخاصا صاروا من أعمدة النظام فكان مجبرا على أن يضمهم في تشكيله كما كان مجلس الشورى الإسلامي يحاول تخفيف اتجاهه الاشتراكي بعد إعطاء الثقة لبعض وزراءه مثالا على ذلك الوزارة التي شكلها في 7/8/1984 ويمكن الرجوع للكتاب للوقوف على تفاصيل هذا التشكيل الوزاري.
                                                                                                     
أما فيما يخص الممارسة السياسية حتى وفاة الخميني فقد استمرت عملية الممارسة السياسية على نفس الصورة طوال حياة الخميني وبنفس الملامح التي أوضحناها سابقا وقد استمر الصراع بين السلطات الثلاث التنفيذية والتشريعية والقضائية أيضا حول مدى صلاحيات كل منها، ومدى نفوذ كل من رؤسائها في توجيه دفة الأحداث في إيران مع وجود الخميني الذي انحصر دوره في الفصل في نزاعات هؤلاء الرؤساء وسلطاتهم الثلاث.
ولعل من أهم القضايا التي أثارت جدلا كبيرا في إيران خلال الفترة التي سبقت مرض الخميني هي قضية صلاحية الحكومة في فرض شروط إلزامية على المواطنين وما ترتب عليه من خلاف بين الحكومة ومجلس الشورى الإسلامي حول صلاحيات الحكومة في التعامل مع القطاع الخاص بما يشير إلى عدم تنازل أي من الطرفين عن موقفه واستحالة التوصل إلى حل يرضي الطرفين.
 
ويتناول المؤلف أثر ولاية الفقيه على الحرب العراقية الإيرانية عبر مرحلتين أساسيتين حيث يوضح وجهة نظر الخميني في الجهاد الإسلامي أن الجهاد عنده كمصطلح يساوي مصطلح الثورة وأن الجهاد ثورة بكل أبعادها ومعانيها.وأن الخميني لم يضع في اعتباره وهو يقدم نظريته و خلال محاولته تطبيقها في إيران أن يتعرض نظام حكمه لحرب مع دولة أخرى أو نظام آخر , حيث إن الخميني في غمرة انشغاله بتثبيت دعائم نظريته وحكمه في إيران فوجىء بالموقف العراقي ضده.وما تبع ذلك من حملة التعبئة العامة لجيش قوامه عشرون مليون مقاتل ومن ثم التحول إلى تكفير نظام الحكم في العراق واستثمر الخميني الشائعات التي تقول بظهور المهدي في الحرب مع العراق لصالح رفضه الصلح وتقوية لعزائم الشعب الإيراني المقاتل على الجبهات وبالتالي حول الخميني الحرب من مجرد حرب بسبب خلاف على الحدود إلى حرب سياسية عقائدية ومن مجرد قضية إقليمية إلى قضية جهاد إسلامي وكل هذا استنادا على ولاية الفقيه في توجيه دفة الحرب وهذا في المرحلة الأولى من الحرب أما في المرحلة الثانية من الحرب فقد تركزت الجهود حول ربط الحرب بالدين وما يستتبع ذلك من تطوير للقيادة العسكرية والعمليات والتعبئة العامة والدعم المادي واقتصاديات المجتمع وفوق ذلك كله المفهوم السياسي والعقائدي للحرب حيث أصبح المعنى العقائدي في هذه المرحلة هو الجهاد في سبيل الله بالمفهوم الشيعي ووفق شروح الخميني وتلامذته.. .
ويستطيع الدارس للعمليات الهجومية التي قامت بها القوات الإيرانية ضد القوات العراقية لاسترداد منطقة إيرانية أو الاستيلاء على منطقة عراقية ملاحظة أثر النظرية على تخطيط المعارك لما اختصت به من أسماء ورموز دينية أو مذهبية. ومن خلالها فقط يمكن دراسة العلاقة بين هذه العلميات والمعاني الدينية والمذهبية المتعلقة بها.ويمكن من خلال دراسة العمليات الهجومية ومسمياتها الكشف عن جوانب هامة ومعقدة في الشخصية الإيرانية ونواحي القوة أو الضعف فيها.وأمثلة على ذلك العديد من العمليات منها: عمليات ثامن الأئمة وعمليات طريق القدس وعمليات مطلع الفجر وعمليات يا أمير المؤمنين وعمليات بيت المقدس وعمليات رمضان وعمليات محرم إضافة إلى أمثلة على العلاقة بين الرموز الدينية والمذهبية وبين العمليات الحربية خلال المرحلة الثانية من مراحل العمليات الإيرانية.وما نتج من ملاحظات سلبية والعلامات التي تدل على إحساس النظام الإيراني بالضعف وبكراهية الجماهير الإيرانية للحرب وفتور الهمة لدى الشعب الإيراني الذي أظهر فشل المجلس الأعلى لدعم الحرب في تحقيق الهدف المنشود وبالتالي إيكال مهام ومسؤوليات الحرب على عاتق رجل هو هاشمي رفسنجاني في مرحلة نهاية الحرب.
 
ومن الدلائل على عجز ولاية الفقيه قرار وقف الحرب حيث إنه من أهم نقاط الضعف في هذه النظرية والتي يمكن اكتشافها من خلال قرار الخميني منح رفسنجاني صلاحياته كقائد عام للنظام عدم إمكانية توافر صفات العصمة بشكل مطلق في الولي الفقيه لأن النظرية إذا كانت فرقت بين الولاية التكوينية للإمام والولاية الاعتبارية للفقيه إلا إنها عند التطبيق وقفت عاجزة عن وضع حد لهذه الفروق.فمع حصول الولي الفقيه على حق أن يكون المرجع الأخير والوحيد في النظام الحاكم ـ افتقد نعمة الشورى وحرم ميزة المراجعة. والحق أن الدارس لنظرية ولاية الفقيه والأسس التي قامت عليها والمرونة التي يضعها الفقه السياسي الشيعي في متناول الولي الفقيه في تبرير كل تصرفاته وأعماله يدرك أن نظرية ولاية الفقيه كانت السند الوحيد الذي استند إليه مسؤولو النظام في إعلان موقفهم من وقف الحرب ذلك أن مبدأ المصلحة الذي تضعه النظرية أساسا لأحكام وفتاوى الولي الفقيه يجعل هذا المسؤول في حل من أن ينقض فتوى أو قرارا اتخذه من قبل كما اتضح جليا في طريقة تعامل إيران وقبولها لقرار مجلس الأمن رقم 598 ونخص بالذكر طبيعة تحركات رفسنجاني في سياق قضية إيقا ف الحرب مع العراق.
 
فإذا نظرنا إلى ردود فعل قرار الفقيه في أوساط علماء الدين نجد أن صغارهم قد تعلموا الدرس الذي لقنه الخميني لخامنيء إي عند تحفظه على فتوى الخميني بمنح الحكومة حق التعزير وجعلها فوق السلطات الثلاث ، مما جعلهم يسارعون بإعلان تأييدهم لموقف الولي الفقيه والقيام بمحاولات تبرير قراره بوقف الحرب على منابر المساجد وفي خطب الجمعة ودروس الوعظ وصفوف المدارس وقاعات المحافل والمظاهرات المؤيدة لهذا الأمر.وهذا لا يعني أن الموافقة مطلقة فقد كان كلبايكاني هو المعارض الوحيد بين كبار علماء الدين في قبول وكذلك تلامذته قرار مجلس الأمن أو وقف إطلاق النار في حد ذاته.مما أدى إلى أنه الاستياء من تجاهل وعدم الأخذ برأيه أو فتواه حول أسلوب تحقيق أهداف الثورة الإسلامية عن طريق السلام، وغادر على إثرها الحوزة العلمية في قم. كما اضطر رفسنجاني أن يؤكد دعمه للحراس وقياداتهم وأن يحاول تهدئتهم واسترضائهم.
ومن هنا يستطيع الدارس أن يدرك أن المخاوف الحقيقية كانت تنبعث من ظنها بأن الظروف الجديدة التي يستتبعها وقف الحرب قد تخلق لدى الولي الفقيه طموحات في تغير كبير يطرأ على خطته واستراتيجياته والسياسات المنبثقة عن هذه الاستراتيجية.كما وأصبح النظام الحاكم في إيران يخشى التجار ومستثمري القطاع الخاص في مرحلة ما بعد الحرب لأنهم يمثلون قوة ضاغطة على النظام لإجباره على السير في طريق الانفتاح الاقتصادي أو الاقتصاد الحر. مما أدى إلى إدراك الخميني من موقع ولاية الفقيه هذا الخطر حيث حاول القيام بتغيير في نظامه الحاكم بعد وقف الحرب، حيث ظهرت جديته جلية في محاولته تعديل استراتيجية النظام من خلال تطوير نظرية ولاية الفقيه بما يتلاءم مع الخط الجديد الذي فرض عليه بعيدا عن الحلول العسكرية والعنيفة.
 محاولات تغيير شكل النظام حيث وضع الخميني ضوابط التغيير العشرة عبر رسالته الموجهة إلى السلطات الثلاثة ورئيس الوزراء والتي يحاول الخميني من خلالها الإمساك بزمام الأمور التي خرجت أو كادت تخرج من يديه.
وكانت بداية التغييرات السياسية من خلال إنشاء المجلس الأعلى لهيئة الدعوة الإسلامية ونفي الولي الفقيه الشائعات التي ترددت حول اعتزام النظام الحاكم حل الجيش النظامي ليصبح حرسا ً جمهوريا ً وتصويب القصور في الدستور الإيراني حيث عقـــــدت أول جلسة لها بحضور السيد أحمد الخميني ورئاسة مشكيني في مقر رئاسة الجمهورية في 25/4/1989م ولكن وفاة الخميني في 3/6/1989 أوقفت عمل اللجنة بشكل مؤقت.وقد عقد مجلس الخبراء برئاسة علي مشكيني اجتماعا طارئا في الساعة الثالثة بتوقيت طهران من بعد ظهر الأحد 4/6/1989 م لإختيار خليفة للخميني، وقد قرر المجلس بأغلبية ثلثي الأعضاء الحاضرين وعددهم سبعون عضوا اختيار سيد علي خامنيء أي زعيما لنظام الجمهورية الإسلامية خلفا للخميني وفور اختيار خامنيء للزعامة أعلن كل من رفسنجاني وسيد أحمد الخميني مبايعتهما له حيث توالت المبايعات وكان أول قرار اتخذه خامنيء هو تعيين رفسنجاني نائبا للقائد العام لكل القوى وكذلك تبع ذلك إعادة تعيين أئمة الجمعة والجماعات ومندوبي الزعيم في مختلف الأجهزة والإدارات والوزارات والمرافق المدنية والعسكرية.
دلالة اختيار خامنيء للزعامة هو ما يتمتع من صفات تساعده في أن يتولى هذا المنصب الحساس لإدارة البلاد وكذلك فإن المبرر الذي استند إليه مجلس الخبراء في اختيار خامنيء هو مصلحة النظام باعتبار أن الخميني وثق فيه وجعله هو من يقرأ وصيته في حال اعتذرابنه أحمد الخميني عن قراءتها مما يجعله أقدر على تطبيق نظرية ولاية الفقيه من غيره.
إن كتابة الخميني لوصية سياسية مستقلة بشكل مفصل تعتبر من السوابق التي أملتها نظرية ولاية الفقيه على الزعيم كواجب ديني ووطني، والوصية الرسمية التي تقع في ستة وثلاثين صفحة وتحتوي على مقدمة وبنود ثم ملاحظات وتقع البنود الرئيسية في تسع وعشرين صفحة، وكل صفحة من صفحات الوصية موقعة بإمضاء الخميني، ويرجع تاريخ كتابتها إلى 15/2/1983 وقد قرأها لأول مرة في الساعة التاسعة من صباح 4/6/1989 م على كبار المسؤولين، سيد علي خامنيء - رئيس الجمهورية.
حيث أراد الخميني أن يقلد خطبة الوداع لرسول الله صلى الله عليه وسلم في مقدمة وصيته وعرج إلى العديد من التوجيهات والوصايا الإصلاحية وعددها ثماني عشر وصية فرعية تتعلق كلها بسبل المحافظة على الإسلام والثورة الإسلامية والحكومة الإسلامية.
ومن الملاحظات حول الوصية تركيز الخميني على عدة نقاط هي إبداء خوفه على تحول النظام من بعده والانحراف بنظريته، والخوف من اللجوء إلى الشرق أو الغرب مما يؤدي إلى وقوع النظام في التبعية لأي منهما.والتأكيد على ضرورة التمسك بالوحدة والانسجام سواء بين علماء الدين بعضهم البعض أو بين المسؤولين أنفسهم أو بين علماء الدين والجامعيين والمثقفين أو بين المسؤولين وجماهير الشعب ….
ودعوة المعارضة على مختلف اتجاهاتها في الداخل والخارج حتى اليساريين والانفصاليين بانضمام إلى الشعب والتعاون مع النظام الحاكم.
و بعد استقرار الأمور اجتمعت لجنة تعديل الدستور واللجان المنبثقة عنها بعد تلقيها آلاف الاقتراحات بالتعديلات المطلوبة من أصحاب الرأي والمحافل الجامعية والحوزات …. حيث بلغ مجموع جلساتها إحدى وأربعين جلسة توصلت خلالها إلى عدد من القرارات منها تعديل المادة 157 من الدستور والخاصة بالسلطة القضائية حيث أكدت على مركزية إدارة السلطة وتحديد صفات رئيسها.وكذلك تعديل نص المادة العاشرة بعد المائة من الدستور والتي تحدد واجبات وصلاحيات الزعيم. أما فيما يتعلق بولاية الفقيه فلم يمس التعديل مبدأ ولاية الفقيه على إطلاقه وظلت للولي الفقيه كل الصلاحيات التي كانت له في إطار المحافظة على النظام.
ويلاحظ أن الولي الفقيه لم يعد مطلقا في رسم السياسات العام للنظام لأن التعديل الجديد للدستور ربط هذه المسألة بالتشاور مع مجمع المصلحة المشتركة.كما ويلاحظ أن التعديل الجديد قد ألغى فكرة نائب الزعيم ولم يشر إلى تعيين خليفة.ومن هنا ندرك مدى تغير شكل ولاية الفقيه بعد الخميني بحيث أصبحت ولاية الفقيه بكل أبعادها وواجباتها وصلاحياتها ونفوذها على يد الخميني أمرا استثنائيا في النظام الإيراني الحالي ولن تعود إلى ما كانت عليه على يد غيره... وقد جرى التوزيع ابتداء بالسلطة التنفيذية حيث كانت انتخابات رئاسة الجمهورية قد حان موعدها فتزامنت مع الاستفتاء على تعديل الدستور و حقق رفسنجاني عدة انتصارات في وقت واحد، فقد فاز برئاسة الجمهورية وأقرت التعديلات الدستورية التي جاءت كلها لصالحه واستطاع أن يحصل من خلالها على سلطات واسعة وأن تطلق يده في التخلص من منافسيه. ومن هنا بدأ مشوار التعديلات وإعادة التوزيع بتقديم رفسنجاني قائمة إلى المجلس فيها اثنان وعشرون وزيرا من أنصاره وأعوانه والمتعاونين معه.حتى أنه نجح في الحصول على ثقة مجلس الشورى الإسلامي بجميع أعضاء حكومته رغم أن الاقتراع كان سريا ً وحضره لأول مرة مائتان وواحد وستون عضوا من أصل مائتين وسبعين عضوا مما شكل نجاحا كبيرا لرفسنجاني في قيادته للمرحلة الراهنة حيث مد أذرع تعييناته إلى كافة المناصب الحساسة في الدولة من وزارة التخطيط ومؤسسات التلفزة والإعلام انتهاء بالشرطة واللجان الثورية والحرس الجمهوري .
 
وسوف تكشف الأحداث خلال الفترة القادمة عما إذا كان بمقدور رئيس الجمهورية أن يحقق الهدف الذي كان في عهد الخميني من تطبيق لولاية الفقيه بكامل صلاحياته التي وردت في اصل النظرية.
 
وأخيرا وليس آخرا فإن المحصلة الواضحة للأحداث خلال الفترة السابقة تشير إلى أن نظرية ولاية الفقيه قد ارتبطت بالشخصيات الحاكمة في إيران الآن.. تبقى ببقائهم وتسقط بسقوطهم.
 
 
 
 
الاسم:  
عنوان التعليق: 
نص التعليق: 
خانة التحقق