سطور من الذاكرة\العدد الأربعون شوال 1427هـ
العبيديون الفاطميون يعلون من شأن اليهود والنصارى
الأحد 22 أكتوبر 2006
أنظر ايضــاً...
العبيديون الفاطميون يعلون من شأن اليهود والنصارى
تبوأ اليهود والنصارى مركزاً مرموقاً في مصر خلال حكم الدولة العبيدية الفاطمية الشيعية الإسماعيلية واعتلى بعضهم أعلى المناصب، وقد كان لهذا النفوذ اليهودي والنصراني الأثر البالغ على أهل مصر خلال تلك الفترة، وعلى أهل السنة بشكل خاص، وهم الذين يشكلون أغلبية أهل مصر، وهم أصل المسلمين قبل أن يفد إليها العبيديون.
وعند الحديث عن اليهود الذين كان لهم شأن كبير في الدولة العبيدية، فإنه يقفز إلى الذهن فوراً اسم الوزير "يعقوب بن كلِّس"، وهو يهودي عراقي، تولى الوزارة في عهد العزيز بالله الفاطمي، ويعتبر ابن كلس من مؤسسي الدولة الفاطمية بمصر، وكان صاحب أثر بارز فيها، وقد وضع لها كثيراً من الأسس التي سارت عليها في سياستها الداخلية خصوصاً في النواحي الاقتصادية والسياسية، والتي كان خبيراً بها منذ أن دخل في خدمة كافور الإخشيدي.
وقبل ذلك كان المعز العبيدي([1]) قد عهد لابن كلس بالخراج، وجميع وجوه الأموال والحسبة والسواحل والأعشار والأحباس والمواريث وجميع ما يضاف إلى ذلك، وما يطرأ في مصر من أعمال.
وبالرغم من تعرض ابن كلس لبعض الصعوبات في عهد العزيز بالله، والقبض عليه، إلاّ أن العزيز العبيدي سرعان ما أطلقه وأعاده لمركزه مكرّماً، وزاد نفوذه حتى استولى على حكومة وشؤون العزيز، وعظمت منزلته عنده.
ويصف الإمام ابن عساكر رحمه الله في "تاريخ دمشق" ابن كلس بقوله: "كان يهودياً من أهل بغداد، خبيثاً ذا مكر، وله حيل ودهاء، وفيه فطنة وذكاء"، إلى أن ذكر كيف أسلم طمعاً في الوزارة.
لقد أدت هذه السياسة إلى أن يعتبر اليهود في مصر عصر العبيديين عصرهم الذهبي، بل وتوافد إلى مصر مهاجرون يهود جدد. ولم يكن أهل السنة في مصر آنذاك ينعمون بما ينعم به أولئك اليهود. وحتى منتصف القرن الخامس الهجري كان يقوم بخدمة حكام بني عبيد سلسلة من الأطباء اليهود بدأت بطبيب المعز موسى بن العازار.
وكان طبيب العزيز بالله وطبيب ولده الحاكم من بعده، نصراني يدعى أبو الفتح منصور بن مقشر المصري، وكانت له منزلة سامية في الدولة.
وكانت السياسة الفاطمية تذهب إلى أبعد حد من الموالاة لليهود والنصارى، وفي بعض الروايات أن الخلفاء الفاطميين كانوا يشجعون إقامة الكنائس والبيع والأديار، بل ربما تولوا إقامتها بأنفسهم أحياناً([2]).
وإضافة إلى ابن كلس، فإن يهودياً آخر تولى الوزارة بالشام، وهو إبراهيم القزاز (منشا).
أما النصارى، فكان لهم نفوذ أيضاً في ظل الدولة العبيدية، وخاصة في عهد العزيز الذي غص بلاطه بهم، وبالغ في إكرامهم لما كان بينه وبينهم من صلة النسب، إذ تزوج العزيز بالله من مسيحية، وكان لها ولابنتها "سيدة الملك" نفوذ واسع في شؤون الدولة.. وكان لها أخوان رفعهما العزيز إلى أرقى المناصب في الكنيسة،فعين أحدهما بطريركاً للملكانيين([3]) ببيت المقدس سنة 375هـ، وعين الآخر مطراناً للقاهرة، ثم رقي في عهد الحاكم بأمر الله بطريركاً للملكانيين بالإسكندرية سنة 390هـ.
لقد كانت سياسة إعلاء شأن النصارى واضحة قبل عهد العزيز، فبعد وصول المعز إلى مصر قادماً من إفريقية طلب إليه البطريرك أفرهام السرياني أن يمكنه من بناء كنيسة أبي مرقورة بالفسطاط، وكذلك الكنيسة المعلّقة بقصر الشمع، فكتب له سجلا يمكنه من ذلك، وأطلق له من بيت المال ما يصرفه على هذا البناء، فتصدى الناس للأقباط الذين يريدون بناء الكنائس، ومنعوهم من البدء في عملية البناء، فجاء المعز وأشرف بنفسه على بناء أساس الكنيستين، ثم أمر ببناء كل الكنائس التي تحتاج إلى عمارة.
كما أنه عيّن النصراني عيسى بن نسطورس وزيراً بعد وفاة ابن كلس، فضبط الأمور، وجمع الأموال وأثقل أهل مصر بالضرائب، وتفشى الغلاء في عهده، واضطرب الأمن حتى أن المؤرخين يذكرون أنه لم يحج أحد في هذه الحقبة من مصر، وبلغ بالناس الجوع مبلغه حتى بلغ عدد الموتى مائة وسبعين ألفاً.
لقد أدت سياسة العبيديين في إعلاء شأن اليهود والنصارى، وإكرامهم وتوليهم الوزارة إلى آثار سلبية على المسلمين، فقد عمّت مظالمهم جماهير المسلمين، وظهر تحيزهم لأبناء دينهما، ويكفي للتدليل على ذلك ذكر قصة العابد المشهور أبي بكر النابلسي رحمه الله المتوفى سنة 363هـ، حيث سلمه المعز ليهودي ليسلخه فسلخه، وهو يتلو القرآن، كما في "تاريخ ابن كثير". وجاء في "العِبَر" للذهبي أن النابلسي كان قد قال: "لو كان معي عشرة أسهم لرميت الروم سهماً ورميت بني عبيد تسعة"، فبلغت هذه العبارة جوهر الصقلى، فلما قرّره اعترف وأغلظ لهم، فقتلوه.
وكان المسلمون في مصر يمقتون ما يقوم به الوزراء اليهود والنصارى، ويحاولون ما استطاعوا مقاومة هذا النفوذ، وتنبيه حكام بني عبيد إلى ذلك، وقد ذكر المؤرخ المقريزي شيئاً من ذلك فيقول عن الوزيرين: النصراني عيسى بن نسطورس، واليهودي منشا : "فاعتز بهما النصارى واليهود، وآذوا المسلمين. فعمد أهل مصر وكتبوا قصة جعلوها في يد صورة (تمثال)، عملوها من قراطيس (ورق) فيها: 
بالذي أعز اليهود بمنشا، والنصارى بعيسى بن نسطورس، وأذل المسلين بك (العزيز بالله) ألا كشفت ظلامتي؟! وأقعدوا تلك الصورة على طريق العزيز...
 وقد اضطر العزيز أمام تذمّر أهل مصر من هذا الوضع إلى القبض عليهما، وأخذ من ابن نسطورس ثلاثمائة ألف دينار. ولكنه عاد فأفرج عنه بتأثير من ابنته سيدة الملك.
أما الظاهر بن الحاكم، الذي يضرب فيه المثل في المجون وشرب الخمر، فلم يكن بعيداً عن سيرة أبيه وأجداده، إذ يروي المقريزي المؤرخ، ـ رغم أنه من المتعاطفين مع العبيديين ـ بعضاً من مجون الظاهر، ومودته للنصارى فيقول: "ولخمس بقين من محرم، وكان ثالث فصح النصارى، فاجتمع بقنطرة المقس من النصارى والمسلمين في الخيام المنصوبة وغيرها خلق كثير طول نهارهم في لهو وتهتك قبيح، واختلط الرجال بالنساء وهم يعاقرون الخمر، حتى حملت النساء في قفاف الحمالين من شدة السكر، فكان المنكر شديداً في هذا اليوم.
وركب الظاهر في موكب إلى المقس بعمامة شرب مفوطة بسواد، وثوب دبيقي مدير بسواد، فدار هناك طويلاً وعاد"([4]) .
 
 وقد كان الشعراء يدلون بدلوهم لما وصلت إليه الأمور من تسلط اليهود والنصارى في عهد العبيديين على المسلمين، فيصورون الدولة وكأنها تحكم بـ "الثالوث": ابن كلس، والعزيز بالله، والوزير الفضل، ويصوغ الشاعر الدمشقي الحسن بن بشر ذلك شعراً، فيقول ساخراً:
                     تنصّر، فالتنصـر دين حق             عليـه زماننــا هذا يدل
                     وقل بثلاثـة عزّوا و جلّوا              وعطِّل ما سواهم فهو عطل
أما نقد سيطرة اليهود، فيعبر عنها الشاعر المصري الحسن بن خاقان، فيقول:
                      يهود هذا الزمـان قد بلغـوا             غاية آمالهـم وقد ملكوا
                      العـز فيهم والمال عندهمـو             ومنهم المستشار والملك
                     يا أهل مصر إني نصحت لكم            تهوّدوا، فقد تهوّد الفلك
 
وفي نقد الترف والاستبداد، اللذين تمتع بهما هؤلاء النفر من النصارى واليهود، يقول الشاعر ابن الخلال:
                     إذا حكم النصارى في الفروج       وغالوا في البغال وفي السروج
                     وذلت دولـة الإسـلام طرا            وصار الأمر في أيدي العلـوج
                     فقل للأعور الدجــال هذا             زمانك إن عزمت على الخروج
وفي عهد الآمر بأحكام الله (ت 524هـ)، اتخذ راهبا يعرف بأبي نجاح بن قنا، ووكّله شيئاً من الأمور المالية، فأخذ يصادر من أموال المسلمين الشيء الكثير... فزاد قربه من الأمر حتى لقبّه بـ "الأب القديس الرّوحاني النفيس، أبي الآباء سيد الرؤساء، مُقَدّم دين النصرانية وسيد البطريركية، ثالث عشر الحواريين"، الأمر الذي جعله يتمادى في سطوته، فكثرت إساءته للمسلمين ومصادرته للناس([5]).
واستمر هذا الحال في تقريب اليهود والنصارى وإعلاء شأنهم حتى آخر عمر هذه الدولة، فقد كان الأفضل بن بدر الجمالي، وزير الآمر، يستخدم الموظفين النصارى بكثرة، فعيّن أبا البركات يوحنا بن أبي الليث النصراني في ديوان التحقيق، وبقي فيه حتى عام 528هـ (1134م)، كما كان أبو الفضل المعروف بابن الأسقف، كاتب الأفضل الجمالي، والموقّع عنه في الأموال والرجال ومتولي ديوان المجلس، والنظر في جميع دواوين الاستيفاء على جميع أعمال المملكة.
وتولى أبو اليمن وزير عبد المسيح، الديوان بأسفل الأرض. وأحاط الأفضل نفسه بجنود من الأرمن، وشجع على هجرتهم التي بدأت منذ مقدم والده في أيام المستنصر([6]).
وعندما تولى الحافظ لدين الله الحكم بعد الآمر، استمر في هذا النهج، وولّى الوزارة في سنة 529هـ (1135م) بهرام الأرمني ، ونعته بـ "السيد الأجلّ، أمير الجيوش سيف الإسلام، تاج الخلافة، ناصر الإمام، غيّاث الأنام".
وبعد أن استقر بهرام في السلطة لم يتردد في تبني سياسة شخصية أرمنية مسيحية... فقد سأل الخليفة الحافظ في السماح له بإحضار أخوته وأهله من بلاد الأرمن، فأذن له في ذلك، حتى صار منهم بالديار المصرية نحو ثلاثين ألف إنسان استطالوا على المسلمين، وأصابهم منهم جور عظيم. كذلك بُني في أيامه العديد من الكنائس والأديرة حتى صار كل رئيس من الأرمن يبني له كنيسة... وخاف أهل مصر منهم أن يغيروا ملة الإسلام([7]).
وفي إطار هذه السياسة، أضحى معظم ولاة الدواوين من النصارى. وولّى بهرام أخاه "فاساك" ولاية قوص في الصعيد، فاستقوى بأخيه، وتمادى في ظلم المسلمين ومصادرة أموالهم([8]).
لقد نبه بعض الغيورين إلى مسألة إعلاء شأن الأقليات، ومنها اليهود والنصارى، محذرين من آثارها السلبية، وفي ذلك يقول الشيخ محمد رشيد رضا في تفسير المنار 10/98: "ومن المثلات والعبر في هذا أن المسلمين أباحوا في حال عزتهم وسلطانهم لأهل الملل الأخرى حرية واسعة في دينهم ومعاملاتهم في بلاد المسلمين، عادت على المسلمين ودولهم بأشد المضار والمصائب في طور ضعفهم، كامتيازات الكنائس ورؤساء الأديان، التي جعلت كل طائفة منهم ذات حكومة مستقلة في داخل الحكومة الإسلامية، ومن ذلك ما يسمونه في هذا العصر بالامتيازات الأجنبية التي كانت فضلاً وإحساناً من ملوك المسلمين فصارت امتيازات عليهم، مذلة لهم، مفضلة للأجنبي عليهم في عقر دارهم، حتى أن الصعلوك من أولئك الأجانب صار اعز من أكابر أمرائهم وعلمائهم".
 
للاستزادة:
1ـ الأقليات الدينية والقومية ـ د. محمد عمارة.
2ـ الدولة الفاطمية في مصر:تفسير جديد ـ د. أيمن فؤاد سيد.
تاريخ الفاطميين في شمال إفريقية ومصر وبلاد الشام ـ د. محمد سهيل طقوش.
6ـ الإسماعيلية تاريخ وعقائد ـ الشيخ إحسان إلهي ظهير.
7ـ الحاكم بأمر الله وأسرار الدعوة الفاطمية ـ محمد عبد الله عنان.
8 ـ أثر جهود صلاح الدين التربوية في تغير واقع المجتمع المصري ـ محمد القيسي
 
 
 
 
 

[1] ـ المعز هو أول حكام الدولة الفاطمية العبيدية في مصر، تبعه ابنه العزيز بالله، فالحاكم بأمر الله .
[2]) ـ الحاكم بأمر الله، لمحمد عنان ص 80 نقلاً عن تاريخ أبي صالح الأرمني.
[3] )ـ الملكانية أحد المذاهب الكنسية المسيحية القديمة، وهم أصحاب ملكا الذي ظهر في أرض الروم، ومن أوائل من قالوا بالتثليث والأقنومية، وقد كان حكام الإمبراطورية البيزنطية ملكانيين بدءاً من الإمبراطور قسطنطين الثاني.
[4]) ـ الإسماعيلية، للشيخ ظهير، نقلاً عن الاتعاظ للمقريزي.
[5]) ـ الدولة الفاطمية في مصر ص240.
[6]) ـ تاريخ الفاطميين ص 395.
[7]) ـ الدولة الفاطمية في مصر ص 258ـ 261.
[8]) ـ تاريخ الفاطميين ص 408.
 
 
 
 
الاسم:  
عنوان التعليق: 
نص التعليق: 
خانة التحقق