كتاب الشهر\العدد الحادي والاربعين ذو القعدة 1427هـ
المهدي المنتظر عند الشيعة الاثنى عشرية
الثلاثاء 21 نوفمبر 2006
المهدي المنتظر عند الشيعة الاثنى عشرية
 المهدي المنتظر عند الشيعة الاثنى عشرية
تأليف: جواد علي
 
احتلت قضية "المهدي المنتظر" مساحة كبيرة في الفكر الشيعي، نظراً لارتباطها بفكرة "الإمامة" المقدسة لدى الشيعة، أو بالأحرى يشكل "المهدي المنتظر" عند الشيعة منعطفاً هاماً وتحولاً فيما يتعلق بالإمامة، فالمهدي عند الشيعة الاثنى عشرية هو الإمام الثاني عشر والأخير، والمختفي منذ 1200 سنة تقريباً، وحسب المعتقد الشيعي فإن عودة المهدي ترافقها جملة من الأحداث والتطورات على مستوى الكون، وليس على مستوى المذهب فقط.
وكتاب "المهدي المنتظر عند الشيعية الاثنى عشرية" للدكتور جواد علي يقدم شخصية "المهدي" كجزء ومرحلة من مراحل الإمامة، التي تعتبر إحدى عقائد الشيعة الرئيسية، والكتاب عبارة عن رسالة دكتوراه تقدم بها المؤلف إلى جامعة ألمانية سنة 1939، وقد صدرت الطبعة الأولى باللغة العربية سنة 2005 عن دار الجمل بألمانيا، بعد وفاة المؤلف بـ 18 عاماً.
وهنا قيمة الكتاب فهو لباحث شيعي كتب بحثه بطريقة أكاديمية ، وفي وقت كانت فيه المراجع الشيعية غير متوفرة بسهولة ، كما أن اليقظة الشيعية كانت محصورة في الحوزات ، ومع هذا لم يكن يثق بقدرته على نشر كتابه ! 
وبالرغم من أن المؤلف شيعي المذهب، إلاّ أنه كشف كثيراً من الأساطير والخرافات الشيعية التي أحاطت بموضوع المهدي والإمامة، الأمر الذي جعل المؤلف يحجم عن نشر هذا الكتاب في حياته خوفاً من رد الفعل الشيعي.
وقد قسم المؤلف الكتاب إلى عشرة فصول تناول فيها فكرة الإمامة عند الشيعة الاثنى عشرية، والعلماء القدامى والمعاصرين الذين تحدثوا عنها في مؤلفاتهم، كما أسهب الكتاب في الحديث عن السفراء الذين كانوا نواباً للمهدي في غيبته الصغرى، ثم يختتم الكتاب بتناول أمر الغيبة الكبرى للمهدي، ثم عودته والدولة التي يقيمها حسب المعتقد الشيعي.
فكرة الإمامة عند الاثنى عشرية
يقدم المؤلف في هذا الفصل ملخصاً  لفكرة "الإمامة" عند الشيعة الاثنى عشرية حيث يعتبر الشيعة أن الإمام قد نصبه الله وحده عن طريق نبية، وسلطته تشمل الأرض كلها، وكل ما يوجد فيها وفوقها، سواءً أكان معدناً أم غابة أم حيواناً، براً أم بحراً، فالأشياء كلها للإمام، وله الخمس مما يكسبه الناس من أعمالهم(ص13).
كما تنص فكرة الإمامة على أن هذا النظام سيبقى قائماً إلى أن يأتي زمان الإمام المختفي... ثم إن الحق لا يكون إلاّ مع الإمام أو وكلائه، لذلك فقد اعتبر الشيعة أن التحاكم لغير شيعتهم "أمر سيء للغاية" وبمثابة من توجه إلى الشيطان أو الطاغوت ليتحاكم إليه.
وتحصر الشيعة "الإمامة" في علي بن أبي طالب رضي الله عنه وبنيه، وتحديداً في 12 إماماً أولهم علي، وآخرهم المهدي المنتظر، الملقب عندهم أيضاً بصاحب الزمان.
إن نظرة سريعة للمعتقد الشيعي من قضية الإمامة لا تدع مجالاً للشك في اعتقاد الشيعة ببطلان كل حكم سوى حكم الأئمة، وبخاصة فترة الخلفاء الراشدين، وبطلان التحاكم إلى حكام أهل السنة وقضاتهم، ذلك أن الشيعة تعتبر أن الدول السنية دول باطلة لم تقم على مبدأ الإمامة، إلى غير ذلك مما يمكن فهمه واستنتاجه من مفهوم الإمامة التي أشار إليها د. جواد علي.
ويخصص المؤلف أكثر من 40 صفحة لتناول الكتب الشيعية القديمة والمعاصرة التي ألفت عن موضوع الإمام المختفي، وبالرغم من أن هذا الكم الكبير من المؤلفات يدل على أهمية فكرة المهدي وكونه من صلب عقيدة الشيعة، إلاّ أن المؤلف يحاول بين الحين والآخر اعتبارها قضية تاريخية وعقائدية وليست دينية!؟
الخلفاء الحقيقيون للنبي صلى الله عليه وسلم
يعيد المؤلف في هذا الفصل التأكيد على أن الشيعة تعتبر علي بن أبي طالب رضي الله عنه هو الخليفة "الحقيقي" بعد النبي صلى الله عليه وسلم، الأمر الذي يعني عدم الاعتراف بخلافة أبي بكر وعمر وعثمان رضي الله عنهم، وسائر حكام المسلمين من غير الشيعة.
ويشير المؤلف هنا إلى جملة من السياسات التي اتخذها الأئمة تؤثر بشكل كبير على عقيدة الشيعة في الإمامة، منها:
1ـ مبايعة الأئمة بعد الحسين بن علي (الإمام الثالث) للخليفة، واعتزالهم للعمل السياسي. وفي هذا بطلان كبير لفكرة الإمامة، إذ لو كان هؤلاء الأشخاص يعتبرون أنفسهم أئمة معينين من الله، لما قاموا بمبايعة الخلفاء.
2ـ تولي الإمام الرضا (الإمام الثامن) ولاية العهد، زمن الخليفة العباسي المأمون، وهذا يدل على بطلان نظرية الإمامة، إذ لو كان الرضا إماماً معيناً من الله، لما جاز ـ حسب المعتقد الشيعي ـ أن يكون ولي عهد في نظام باطل ومغتصب للإمامة.
ويشير المؤلف في هذا الفصل أيضاً إلى الخلافات الشيعية الكبيرة التي أحاطت حياة وموت الإمام الحادي عشر (العسكري)، والتي تصل إلى حد الأساطير، فينقل د. جواد علي عن المؤرخ المعروف، المسعودي أن الناس لم يكونوا يرون إمامهم إلاّ نادراً، وكان منعزلاً عنهم، ولا يقيم معهم، مفسّراً ذلك كي يتعود الشيعة على اختفائهم وعدم رؤيتهم (ص65).
وقد مهد الشيعة بمثل هذه الأخبار عن الإمام الحادي عشر وعزلته المفترضة، الطريق لإطلاق نظرية اختفاء المهدي المنتظر. لكن المؤلف وهو يوافق قومه في قضية عزلة الأئمة، وخاصة الأخيرين منهم، يذهب إلى أن غموضاً يكتنف "تواريخ محياهم ومماتهم، حتى إننا نعتمد في معظم الأحوال على الافتراضات المحضة، وما بقي من تاريخ الأئمة إنما هو بشكل رئيس حكايات عجيبة ينبغي أخذها بحذر شديد" ص 65.
من الطبيعي أن يلجأ الشيعة إلى "الافتراضات المحضة والحكايات العجيبة" كمخرج للمأزق الذي وجدوا أنفسهم فيه عقب وفاة الإمام العسكري دون أن يكون له ولد، يكون إماماً من بعده، كما ينص مبدأ الإمامية. يقول المؤلف مبيناً حجم التناقض الذي وقع فيه الشيعة: "وحدثت أزمة كبيرة في صفوف الشيعة بسبب موت الإمام الأخير (الحادي عشر) سنة 260هـ وعقبه: هل ترك الإمام الحادي عشر ولداً؟ وما هو مستقبل الشيعة من الآن فصاعداً؟ وتساءل الناس: إذا كان الإمام قد ترك ولداً، فلماذا لم نر هذا الولد، وأين هو؟ ولما صح أن الإمام لم يكن له عقب، فقد أخذ الناس يشكون في شرعية الإمام الحادي عشر، ويحاولون أن يتخذوا أخاه جعفر بمثابة الإمام الحق، فالإمام في رأيهم لا يموت دون أن يترك ولداً بوصفه خليفة له. لقد أثارت هذه التأملات وجدان الشيعة وأدت إلى انقسام حركتهم ـ التي كانت قبل ذلك تعاني من الضعف ـ إلى أربع عشرة فرقة" ص 65 ـ 66.
وبعد أن يورد المؤلف جانباً من التخبط في تحديد سنة ولادة الإمام الثاني عشر، (على فرض صحة وجوده أصلاً)، يقول بشيء من التهكم: "ويبدو أن الأخبار المتصلة بميلاد المهدي تريد أن تؤكد وجوده الواقعي، ولذلك فهي أقوال وشهادات ذات درجات متفاوتة من الصحة، تظهر لنا عقيدة الاثنى عشرية. وبعض هذه الأخبار يتحدث عن حضور أصحابها عند الولادة، وبعضها الآخر يتحدث عن القيام بدور القابلة، وعن روية الطفل مرة واحدة..." ص69.
وقد أشار المؤلف إلى أن الاختلاق الشيعي فيما يتعلق بالمهدي المنتظر، لم يقتصر على سنة ولادته، بل امتد ليشمل كل ما يتعلق به من اسم أمه، وجنسيتها.
الرجعة والغيبة
يتشوق الشيعة دائماً لعودة إمامهم المختفي أو المزعوم، ويفرق المؤلفِّ هنا بين مصطلحين هامين هما: الغيبة التي تعني "غيبة الإمام الذي لم يمت ورجوعه إلى الأرض والرجعة التي يفسرها المؤلف بـ "بعث كل الأئمة وبعض أصحابهم من القبور جسدياً، وكذلك بعض أعدائهم ليفرح أولئك بانتصارهم ويعاقبون أعداءهم القدامى بإراقة دمائهم" ص 92.
وأياً كان مفهوم الغيبة أو الرجعة عند الشيعة، فإن الثابت أنهما تحملان حقداً شديداً على أهل السنة، كما يوضح المؤلف ذلك في آخر فصول الكتاب حين يتحدث عن "عودة المهدي ودولته ص 295 ـ 302"، إذ تقول الروايات الشيعية أنه "بعد خسائر كبيرة في أرواح البشر، وانتشار الكفر، واضطهاد الإيمان وعلامات أخرى كثيرة، يتلقى الإمام المختفي الأمر من الله بالعودة إلى الأرض وإعادة الشريعة والحقيقة" ص296.
أما أعمال مهدي الشيعة عند عودته، فيندى لها الجبين، وتنم عن حقد وكراهية للمسلمين ورموزهم ومقدساتهم، إذ يأمر المهدي بهدم المسجد الحرام في مكة، بحجة بناء المسجد حسب الخطة القديمة التي أمر الله بها.
ويعترف المؤلف بأن مهدي الشيعة يأمر باستخراج جثتي أبي بكر وعمر رضي الله عنهما ويعلقهما في شجرة يابسة ثم تصعد نار من الأرض وتأكل الخليفتين، وليس هذا فحسب إنما يدّعي الشيعة أن جميع الأئمة سيأتون إلى أبي بكر وعمر ليأخذوا ثأرهم منهم! وسيبعث أبو بكر وعمر ألف مرة كل ليلة ويعاقبان عقاب ميتة مريعة!!
ولا يقتصر انتقام مهدي الشيعة على أبي بكر وعمر، إنما يمتد إلى كل من اعتقد بصلاحهما رضي الله عنهما إذ "يأمر المهدي عاصفة سوداء تقتلع كل الذين آمنوا بمعجزتي أبي بكر وعمر كما تقتلع الأشجار فينقلبون ويموتون" ص 300.
سفراء الإمام الغائب
يحتل الحديث عن سفراء الإمام الغائب ووكلائه خلال الغيبة الصغرى (260ـ 329هـ) مساحة كبيرة في الكتاب، ويخصص لها عدة فصول.
ويعتقد الشيعة أنه خلال الفترة السابقة، كان الإمام المختفي يتواصل مع الناس عبر سفراء أربعة، إلى أن جاء موعد الغيبة الكبرى سنة 329هـ، والممتدة إلى زماننا هذا، والمستمرة إلى آخر الزمان حسب المعتقد الشيعي.
ويحيط الغموض حياة هؤلاء السفراء، وحقيقة ما نقلوه عن المهدي المزعوم، وتعتبر هذه المرحلة (حوالي 70سنة) من الفترات التي كثر فيها الدس والأخبار المكذوبة، واضطربت فيها روايات الشيعة وأحاديثهم اضطراباً كبيراً، نتج عن رغبة الشيعة في إيجاد مخرج من المأزق المتمثل بوفاة الإمام الحادي عشر دون أن ينجب.
 
 
 
 
الاسم:  
عنوان التعليق: 
نص التعليق: 
خانة التحقق