كتاب الشهر\العدد الثامن الأربعون جمادى الآخرة 1428
الصابئة
السبت 16 يونيو 2007
الصابئة
الصابئة
تأليف: د. علي محمد عبد الوهاب
أستاذ الأديان والمذاهب ـ جامعة الأزهر
 
يتساءل كثير من الناس من هم الصابئة وما هي عقيدتهم ، وما حقيقة دينهم ؟وذلك بعد تكرر سماع اسم هذه الطائفة في وسائل الإعلام ومن هنا نقدم تعريف بكتاب الصابئة .
تكتنف دراسة "الصابئة" عدة صعوبات أبرزها أن أتباع هذه الديانة يغلب عليهم الكتمان والإنزواء، ولولا ورود ذكرهم في ثلاثة مواضع من كتاب الله، للفّ النسيان هذه الديانة القديمة التي يتركز أتباعها في بلاد الرافدين.
وكتاب "الصابئة" لمؤلفه الدكتور علي محمد عبد الوهاب، إذ يقرر الحقيقة السابقة، فإنه يعتبر أن دراسة عقائدهم وطقوسهم على ما هي عليه من التقطيع والخبط والخلط فيها الكثير من الفوائد التاريخية.
ويؤكد الكتاب الصادر عن دار ركابي سنة 1996م في مقدمته، أن الصابئة وإن كانت تستقل بلغة مقدسة خاصة بها، وكتب وأحكام وتشريعات، إلاّ أنها تشترك مع أصحاب الأديان في شعائر كثيرة "فهم يشبهون البراهمة والمجوس والأورفيين وأصحاب النحل السرية، كما يشبهون النصارى واليهود والمسلمين، كما يشبهون الفلاسفة وأصحاب المذاهب العقلية في تفسير الوجود والموجودات" ص15.
أما اختلاف الصابئة مع هذه الأديان، فلأنهم ـ بحسب المؤلف ـ "تشبثوا بأصل قديم لا يفارقونه"، وأما أوجه الشبه والاقتراب، فيعزوها المؤلف إلى إقامة الصابئة عند فم الخليج، الأمر الذي يجعلهم في طريق كل قوم يتردد أبناؤها على هذا الإقليم أو يقيمون فيه.
ويقسم المؤلف الكتاب الذي يقع في 180 صفحة إلى ستة فصول تحدث فيها عن موطن الصابئة وقوميتهم ولغتهم وفرقهم، وعن عقائدهم وعباداتهم وكتبهم وعلمائهم، وأحوالهم الشخصية وطقوسهم الجنائزية، وغير ذلك من المواضيع.
الفصل الأول: من هم الصابئة؟
في أول فصول الكتاب يتحدث المؤلف عن الاختلاف في تحديد معنى كلمة "صابئة" وبعد استعراض مجموعة من الأقوال والآراء المختلفة، يرجح المؤلف أن الكلمة اشتقت من (صبَأ) الآرامية، التي تعني التعميد أو الصباغة، حيث يشكل التعميد أحد أهم شعائر وطقوس الصابئة المعروفين أيضا باسم المندائيين.
وفي هذا الفصل، يستعرض المؤلف آراء العلماء المسلمين وعلماء الملل والنحل في الصابئة، وقد تباينت آراء العلماء تبايناً كبيراً، فمنهم من قال بأن الصابئة "قوم بين المجوس واليهود والنصارى ليس لهم دين" وهو قول مجاهد وسعيد بن جبير. في حين ذهب الربيع بن أنس وجابر بن زيد والضحاك وإسحاق بن راهويه إلى أن "الصابئة فرقة من أهل الكتاب يقرأون الزبور". وروي عن الحسن البصري أنه قال "إنهم كالمجوس"، وفي رواية أخرى عنه أنه قال "هم قوم يعبدون الملائكة" ص25، إلى غير ذلك من الأقوال.
الصابئة: أدوار وأطوار
والاختلاف الواضح تجاه تحديد حقيقة دين الصابئة، يفسره المؤلف بأن "الديانات السابقة تفرعت منها فروع وشيع منوعة، كانت تنتقل من دور إلى دور، والصابئة قد مرت بأدوار وأطوار، ومن خلال هذه الأدوار يتضح لنا أصول ديانة الصابئة في كل دور وما طرأ عليه من تغيير" ص29.
وفيما يلي بيان لأهم الأطوار التي مرت بها الصابئة":
الدور الأول: عبادة النجوم والكواكب، التي كانت مشتهرة أيضا عند الأمم السابقة أمثال البابليين والمصريين القدماء والفرس واليونان.
وكانت ديانة الصابئة خلال هذا الطور تعتقد بتعدد القوى المدبرة لهذا الكون، وبوجود قوة أعلى تهمين على هذه القوى وتدبرها، كما زعموا أن ما يقيمونه من عبادات وطقوس عبارة عن وسائط تقربهم من تلك الأجرام والكواكب التي حلت فيها القوة.
وما زال في عقائد الصابئة شيء من تعظيم الكواكب والنجوم، لاسيما الكواكب السيارة السبع، وكذلك النجم القطبي الذي هو عبارة عن القبلة التي يتوجه إليها الصابئة في فروضهم.
الدور الثاني: ويتمثل في الانتقال من عبادة الأجرام إلى عبادتها على هيئة الأصنام والرموز... ولايزال الصابئون الحاليون يقدسون مظاهر الطبيعة، ويرون في النار والشهب والرعد والبرق وسائر الظواهر الجوية رمزاً يعبر عن إحدى تلك الكواكب. وقد تخيلوا لتلك الأجرام العلوية أشكالاً خاصة نحتوا على صورها التماثيل المقامة في الأماكن المرتفعة.
الدور الثالث: وشهد تأثر تعاليم دينهم بالفلسفة نتيجة لانقطاع رهبانهم وكهنتهم إلى الدراسة والعبادة.. وكانت الأبحاث تدور عن حقيقة التمثيل والقوة، وعن قابلية الكواكب واستعدادها، وعن التأثيرات الكونية وعلاقتها بهذه الكواكب، وعن خواص الأسماء والحروف.
الدور الرابع: تأثرهم بالفترة التي سبقت ظهور المسيح عيسى بن مريم عليه السلام، والفترة التي تلته "فقد مال الصابئة إلى الاعتقاد بأن يوحنا المعمدان (يحيى عليه السلام) هو الرجل المجدد المنتظر فاعتقدوا به، وعظموه، ومازال الصابئة حتى الآن يذكرون له بعض التعاليم، ويعتقدون به كنبي مجدد، أرسل إليهم دون غيرهم من البشر" ص34.
وينبه المؤلف هنا إلى خطأ مفاده أن الصابئة انقرضت منذ ظهور المسيح، واندمجت في النصرانية، لأن الصابئة أو معظمهم مازالوا يقدسون ويعظمون الكواكب والنجوم.
مواطن الصابئة وقوميتهم ولغتهم
يبين المؤلف في هذه المباحث أن موطن الصابئة هو حول ضفاف الرافدين، وبخاصة في المناطق السفلى من العراق فيما يطلق عليه اسم البطائح أو السواد، وكذلك في إقليم عربستان أو خوزستان الذي يتبع إيران حالياً.
والصابئة أو المندائيون كما يطلقون على أنفسهم هم طائفة من القبائل الأرامية، ويتحدثون اللهجة المندائية الأرامية، وهي من اللغات السامية (ص50).
فرق الصابئة
يؤكد المؤلف هنا أن فرقاً متعددة ومذاهب متشعبة تندمج كلها تحت اسم الصابئة على ما بينها من اختلاف في الأصول والفروع، وعلى ما أصابها من تطور في الزمان والمكان (ص52).
ويعدد أربع فرق يعتبرها أشهر فرق هذه النحلة، وهي:
1ـ أصحاب الروحانيات: وهم الصابئة المندائيون.
2ـ أصحاب الهياكل: الصابئة الحرانيون.
3ـ أصحاب الأصنام: الصابئة الهنود.
4ـ صابئة الرومان واليونان وغيرهم.
وبعد بيان الفروقات بين الأقسام السابقة، وحقيقة معتقداتها، يذهب إلى أن الصابئة المندائيين، هم الفرقة الموجودة حالياً في العراق وإيران، والتي أشار إليها القرآن الكريم (سور البقرة والمائدة والحج)، أما الفرق الأخرى، فلم يعد لها وجود، وكانت آخر الفرق المنقرضة، الصابئة الحرانيين.
الفصل الثاني: كتب الصابئة وعلماؤها
أولاً: الكتب
للصابئة عدد كبير من الكتب المقدسة، باللغة المندائية، التي يعتقد الصابئة أن آدم عليه السلام كان يتكلم بها. وهذه الكتب ـ عموماً ـ غير مطبوعة، وقد قام بنسخها رجال الدين طيلة قرون عديدة.
وأعظم كتبهم يسمى "كنزا ربا" أي الكتاب المقدس، ويسمونه أيضاً "صحف آدم" ويتحدث عن التوحيد وصفات الخالق والمباحات والمحرمات وبدء الخليقة وغير ذلك.
ومن الكتب المقدسة عندهم: "سدرا يهيى" أي تعاليم يحيى. ومنها أيضاً: "العلستا، وسدرة اونشماثا، والديوانات، وسفر ملواشي" وغير ذلك.
ثانيا: العلماء ورجال الدين
يتميز نظام رجال الدين الصابئة بالطبقية، وتتلخص أهم درجات الكهنوت في أقسام خمسة:
1ـ الحلالي: ويسمية العامة "الشماس" أو "الشكندة".
2ـ الترميذة: وهي وظيفة كهنوتية أعلى من الأولى، ويصل إليها الحلالي إذا فقه كتابي (سدرا دنشماثا، وأنياني)، أوحفظ قسماً كبيراً منهما.
3ـ الكنزبرا: ويشترط الصابئة في الترميذة الذي يريد أن يرتقي إلى درجة (كنزبرا) أن يكون حافظاً لكتاب "الكنزا" ومطلعاً على كثير من التفاسير والشروح الدينية، ومتزوجاً، وسبق له أن عقد مهراً لـ "ترميذة" من قبل.
4ـ الأرشمة: وهي كلمة مندائية معناها (رئيس الأمة)، وليس بين الصابئة اليوم من بلغ الدرجة بعد.
5ـ الرباني: ويعتقد الصابئة أنه لم ينل هذه المرتبة من السابقين حتى الآن إلاّ يحيى بن زكريا عليهما السلام.
وهناك أحكام عامة تتعلق برجال الدين يبينها المؤلف في الصفحات (78ـ 80) من قبيل أنه لا يجوز لرجل الدين أن يأكل من دار غير داره، إلاّ إذا كان قد عمد صاحبها بيده.
الفصل الثالث: العقيدة الدينية عند الصابئة
يحصر المؤلف بيان عقيدة الصابئة بأربعة أمور، معتبرها "قوام كل دين واعتقاد" وهي:
1ـ عقيدتهم في الخالق: ويبين المؤلف أن الصابئة يعتقدون بوجود الخالق وتنزيهه، وأنه حي أزلي، لكنهم يعتقدون (أو اعتقاد بعضهم) أنه يلي الإله في المنزلة 360 شخصاً... خلقوا ليفعلوا أفعال الإله، إلاّ أنهم ليسوا بالآلهة.
2ـ عقيدتهم في النبوة: يعتقد الصابئة أنهم يتبعون تعاليم آدم عليه السلام، وإليه ينسبون كتابهم المقدس (كنزا) (صحف آدم) غير أن تقادم العهد على الرسول الأول للدين، ونشوء بعض المذاهب الزائفة والأديان والوثنية... أدخلت تعاليم غريبة في الدين. فجاء يحيى عليه السلام ليخلص الدين من هذه المذاهب الدخيلة، ولم يكن رسولاً، بل نبيّاً خاصاً بهم.
3ـ اعتقادهم بالملائكة: يسمونهم (الروحانية أو الروحانيين)، ويتقربون إلى الله بهم لأنهم يعتقدون باستحالة الوصول إلى الله عز وجل، وينقل المؤلف عن الشهرستاني قوله عن الصابئة أنهم اعتبروا الروحانيات (الملائكة) هم الأسباب المتوسطون في الاختراع والإيجاد وتصريف الأمور من حال إلى حال...
4ـ عقيدتهم في اليوم الآخر: يعتقدون أن الصالحين منهم يذهبون بعد الوفاة إلى عالم الأنوار، وأن المذنبين يذهبون إلى عالم الظلام أو النار الموقدة، وهم لا يقرون بقيام الأجسام بعد وفاتها، وإنما تحاسب النفس خاصة.
ويضيف المؤلف على هذه الاعتقادات، اعتقادات أخرى تتعلق بفكرة الخير والشر، وبدء الخليقة والكون، تحمل في طياتها بعداً عن منهج التوحيد، كما يظهر من بيان عقيدتهم المشار إليها أعلاه.
الفصل الرابع: العبادات
1ـ الطهارة: يبالغ الصابئة بطقوس الطهارة والاغتسال، لدرجة أنهم لا يجيزون الاغتسال إلاّ بالماء الجاري (الأنهار).
2ـ الصلاة: تقتصر هيئة الصلاة على الوقوف والركوع والجلوس على الأرض من دون سجود، وتؤدى ثلاث مرات في اليوم: قبيل طلوع الشمس، وعند الزوال (الظهر) وقبيل غروبها.
3ـ الصيام: يعتبرون أن الصوم شيء روحاني، أي بالابتعاد عن الشرور والرذائل، وهم يمتنعون عن أكل اللحوم 36 يوماً مقسمة بين أيام السنة مشابهة للنصارى، وإن كان بعضهم يجامل المسلمين بالصيام معهم في بداية شهر رمضان.
4ـ الميراث: لم تتطرق العقيدة الصابئة إلى مسألة الميراث، إلاّ أنه جاء في بعض كتبهم أن من أراد التصرف بتركته بعد وفاته، لابد أن يكون قد أحسن إلى الفقراء والمحتاجين في حياته.
ويتحدث المؤلف في الفصلين الأخيرين من الكتاب عن الأحوال الشخصية عند الصابئة، والتي تشمل الزواج بشكل أساسي، ثم يتناول طقوسهم الجنائزية، ونظرتهم إلى الموت.
 
 
 
 
 
الاسم:  
عنوان التعليق: 
نص التعليق: 
خانة التحقق