كتاب الشهر\العدد التاسع والاربعون - رجب 1428 هـ
الأقليات في المنطقة العربية وتأثيرها على الأمن القومي العربي
الأثنين 16 يوليو 2007
الأقليات في المنطقة العربية وتأثيرها على الأمن القومي العربي
لمجموعة من المؤلفين ، نشره : مركز الدراسات الاستراتيجية وأكاديمية ناصر العسكرية، 2005م ، وهو في 253 صفحة
 نشر هذا التلخيص ملف حصاد الفكر عدد 177
تلخيص: علي عبد الفتاح الحاروني
 
منطقتنا العربية بها العديد من الأقليات العرقية، والدينية، والطائفية، واللغوية نتيجة لتفاعلات العديد من المؤثرات التاريخية والحضارية، والتي أفرزت جماعات سياسية وأخرى ثقافية مكونة من أقليات لها مطالب خاصة تحقق مصالحها طبقاً لوجهة نظرها.
ولا شك أن القلاقل والاضطرابات التي تحدث مع الأقليات في المنطقة خلال الوقت الراهن، والتي تمثل وضعا مقلقا مستقبلاٌ، إنما ترجع إلى عوامل داخلية نتيجة للمعالجة الخاطئة للقضية من ناحية، والتخلف الذي تعيش فيه تلك الأقليات من ناحية أخرى، إضافة إلى عوامل أخرى خارجية، حيث مصالح الدول الأجنبية، والتي تسعى لتغذية تمرد الأقليات بهدف تقسيم الوطن العربي إلى دويلات يسهل السيطرة عليها.
ونظراً لخطورة تلك القضية قام مركز الدراسات الاستراتيجية للقوات المسلحة، وأكاديمية ناصر العسكرية بإعداد تلك الدراسة لإلقاء الضوء على أبعادها ومخاطرها على الأمن القومي العربي، وعلى ذلك يتم التطرق إلى أكثر الجماعات خطورة على الأمن القومي العربي، وخاصة الأكراد، والتركمان، والشيعة، والجنوب السوداني، والأقلية البربرية، والأقلية العلوية في سوريا، وذلك كله عبر ستة محاور رئيسية.
أولاً: المشكلة الكردية والأمن القومي العربي
إن التحليل العلمي الموضوعي لواقع وتطورات المشكلة الكردية في ارتباطاتها بقوى غير عربية إقليمية "شرق أوسطية" كإيران وتركيا، وقوى دولية كبرى، كالولايات المتحدة، وأوروبا، يكشف عن حقيقة ما تمثله هذه المشكلة واستغلالها من قبل هذه القوى الأجنبية من ثغرة في الأمن القومي سواء بالمعنى القطري (العراق) أو القومي (العربي)، لاسيما أنه من الوارد أن تكرر هذه القوى الدولية بعض سياساتها إزاء تلك المشكلة في الآونة الأخيرة (مثل خطة المنطقة الآمنة للأكراد في شمال العراق بعد حرب الخليج الثانية) في دول عربية أخرى، أو مناطق معينة مثل جنوب السودان.
وفي محاولة لاستقراء واقع واحتمالات المستقبل للمشكلة الكردية وتأثيراتها في الأمن القومي العراقي والعربي، يمكن القول، إن هذه المشكلة بالغة التعقيد، فإضافة إلى تمسك الأكراد بهويتهم نتيجة التمايز العرقي واللغوي، والتنظيم الاجتماعي القبلي، فإن العمليات التمردية الكردية المدعومة إقليمياً وخارجياً، والأساليب الحكومية في التعامل معها، وخصوصاً القمع، والعنف الواسع النطاق، والمفتقر في كثير من الحالات للتمييز بين المتمردين المسلحين وغيرهم من المدنيين الأكراد ـ تؤدي إلى خلق حالة من عدم الثقة من جانب الأكراد إزاء الوعود الحكومية، ويزيد المشكلة تعقيداً ارتباطها بسعي قوى مجاورة غير عربية، وقوى دولية كبرى إلى استخدام الأكراد كأداة للضغط على العراق (وسياسة الإقليمية).
وتبرز هذه الناحية الأخيرة بدرجة أكبر في حالات معينة مثل سعى العراق إلى أداء دور إقليمي أكبر، لاسيما في الخليج، كما رأينا بصدد تحالف ودعم إيران للأكراد العراقيين، سواء في عهد الشاه في منتصف السبعينيات، أو في عهد الخميني خلال حرب الخليج الأولى أو في حالة دخول العراق في حروب واسعة النطاق، سواء مع إحدى البلدان المجاورة (حرب الخليج الأولى) أو غيرها.
وبلا شك فإن عدم التوصل حتى الآن إلى تسوية دائمة للمشكلة الكردية في العراق ـ نتيجة عوامل تعود إلى الأكراد أنفسهم، وإلى السلطة العراقية الحاكمة، وخصائصها، وأساليبها في التعامل مع الأكراد وغيرهم من العراقيين، ولا يقل عن ذلك أهمية ارتباطات الأكراد بقوى مجاورة غير عربية، وقوى دولية كبرى ـ يشكل ثغر للأمن القومي العراقي، وللأمن العربي، لما يعنيه استمرار وتفاقم هذه المشكلة من تهديد للتكامل الإقليمي للعراق، الذي يمثل ركيزة مهمة للأمن العربي، وخلل بالتوازن في مواجهة أطماع قوى "شرق أوسطية" كإيران وتركيا وإسرائيل.
والواقع القائم حالياً في شمال العراق بعد الحرب الأنجلو أمريكية، واحتلال العراق يكاد يدعم احتمالات تحول السلطة الكردية في المنطقة إلى دولة كردية، قد يتم إعلانها في المستقبل القريب، ولكن هناك عدداً من الباحثين يرون أن هذا الاحتمال يتسم بالضعف بالنظر إلى:
(أ‌) عدم وجود مصلحة حقيقية للدول المجاورة، وتحديداً تركيا وإيران، في قيام مثل هذه الدولة، والتي قد تنقل عدواها إلى الأكراد في كل من البلدين، لاسيما وأن وضع أكراد العراق يظل أفضل نسبياً من وضع الأكراد، سواء في تركيا أو في إيران.
(ب‌)      هذا الواقع رغم أنه أكثر خطورة من وجهة نظر عراقية، عما شهدته المناطق العراقية الشمالية في منتصف السبعينيات خلال تمرد مصطفى البارزاني اعتماداً على شاه إيران بالأساس، وخلال حرب الخليج الأولى عندما سيطر المتمردون الأكراد بالتحالف مع الإيرانيين على مساحات واسعة من هذه المناطق، لا يختلف سوى في درجة خطورته عن هذين التمردين السابقين، وفي كل من هذين التمردين انتهى الأمر (التمرد الكردي) عندما قررت القوى الإقليمية (إيران) الداعمة للأكراد العراقيين أن مصالحها وظروفها تقضي بالتضحية بالأكراد مقابل تحقيق بعض المكاسب من العراق (اتفاقية الجزائر مارس 1975م)، أو لصعوبة إلحاق هزيمة بالعراق (وقف حرب الخليج الأولى).
ومن هنا يصير من المحتمل ـ ربما في فترة مقبلة غير بعيدة ـ أن ينتهي الواقع القائم حالياً في شمال العراق في غير صالح الأكراد، إذا رأت القوى الغربية، لاسيما الولايات المتحدة، أن مصالحها تتطلب إعادة قنوات الاتصال والعلاقات مع العراق.
(جـ) إضافة إلى العاملين السابقين فإن ما يعزز أيضاً احتمالات تغير الواقع القائم في شمال العراق في غير صالح الأكراد، هو الصراع الحالي على زعامة الحركة الكردية، ولاسيما بين "جلال طالباني" , "مسعود البارزاني" بجوانبه القبلية، وكذا التاريخية.
ثانياً: التركمان في العراق
من الصعب تناول مشكلة التركمان في العراق ومطالبهم السياسية، وآثارها على الأمن القومي العراقي والعربي بمعزل عن تركيا، واهتماماتها بأوضاع التركمان، ولاسيما في مرحلة ما بعد حرب الخليج الثانية خصوصاً في ظل ارتباط هذه المشكلة من وجهة نظر تركيا بالمشكلة الكردية وتطوراتها في العراق بعد الحرب.
إن اهتمامات تركيا بأوضاع الأقلية التركمانية في العراق، وانتقاداتها لما يتعرض لها أبناء هذه الأقلية من "اضطهاد وقمع وتمييز وسوء معاملة" ظاهرة ليست بالحديثة، إذ أنها سبقت زمنياً حرب الخليج الثانية بأكثر من عشر سنوات، ولكن لم تكن تركيا آنذاك قادرة على إثارة هذه المسألة مع العراق في ظل توازن القوى والمصالح المتبادلة آنذاك بين البلدين.
وفي هذا الإطار لابد من الإشارة إلى أن التطورات الداخلية في العراق أتاحت فرصة تاريخية لتركيا للتعبير عن اهتمامها بوضع ومستقبل التركمان في العراق، ومن أبرز جوانب هذا الاهتمام الدعم التركي السياسي والمعنوي للحزب القومي العراقي التركماني الذي تأسس أصلاً في 11 من نوفمبر 1988م بغرض العمل من أجل قضية التركمان الخاضعين "للظلم والقهر والاستعباد في العراق"، علاوة على أن تركيا لن تقبل مطلقاً إقامة أي نظام جديد في العراق ـ خاصة في فترة ما بعد احتلال العراق ـ بشكل متحيز ضد أي جماعة، وخاصة التركمان الذين ترغب تركيا في أن يشغلوا مكانتهم في النظام الديمقراطي، كأحد العناصر الرئيسية في العراق، وأن يتمتعوا بالحقوق والحريات.
من ناحية أخرى؛ أثار الجانب التركي مسألة ضمان أمن وحقوق التركمان في إطار الإصلاحات السياسية في العراق بعد احتلال العراق.
وفي النهاية يمكن التأكيد على أن إثارة تركيا لقضية التركمان في المرحلة الدقيقة من مراحل تطور الأحداث في العراق ـ رغم قلة أهميتها في مشكلة العراق ـ إنما تعكس رغبتها في خلق دور إقليمي مؤثر في المنطقة لتحقيق أهداف قومية غير خافية، ومنها الحصول على مكاسب من العراق بالضغط عليها في المسألة التركمانية، بالإضافة إلى الكردية، ومن ناحية أخرى استغلال القضية في كسب ود الأحزاب المعارضة داخل تركيا نفسها، الأمر الذي يتطلب جهوداً عربية مشتركة لوقف هذا التحرك التركي المهدد للأمن القومي العراقي.
ثالثا: الأقلية العلوية في سوريا
تمثل الطائفة العلوية في سوريا ظاهرة فريدة؛ حيث لا تخضع هذه الأقلية العددية لسيطرة الأغلبية، بل تسيطر هي على النظام منذ عام 1966م، أي أنها تحظى بنصيب من السلطة يفوق نسبتها العددية على حساب كل من الأغلبية السنية، والأقليات الأخرى، وقد تسبب هذا الصعود العلوي في انتشار ظاهرة عدم الاستقرار السياسي في سوريا؛ حيث أدى الاحتكار العلوي للسلطة إلى معارضة إسلامية قوية للنظام، سنية بالأساس، لا سيما في نهاية السبعينيات وأوائل الثمانينيات، واستخدام النظام سياسة قمعية عنيفة في مواجهة التنظيمات الإسلامية المعارضة، كان أبرزها قصف مدينة حماة عام 1982م.
ويتهم النظام السوري النظام العراقي بتأييد الجماعات المعارضة، كما اتهم الأردن أيضاً بدعم هذه الجماعات عن طريق التسامح مع قياداتها المقيمة في الأردن.
رابعاً: الأقليات الشيعية في العالم العربي والأمن القومي العربي
إن هناك تأثيراً سلبياً للأقليات الشيعية في العالم العربي على الأمن القومي العربي، ويتمثل هذا التهديد فيما يلي:
(أ‌) إعاقة عملية التكامل القومي، وتهديد الاستقرار السياسي، ويتضح هذا في كل من دول الخليج، والعراق، وسوريا، ولبنان، حيث تقوم الأقليات الشيعية بأنشطة عنيفة في مواجهة النظام (العراق ـ لبنان ـ الكويت ـ السعودية ـ الإمارات ـ البحرين)، وتؤدي سيطرتها إلى قيام الطوائف الأخرى بأعمال عنف تهدد الاستقرار السياسي (سوريا).
(ب‌)      إعاقة تتبنى موقفا عربياً واحداً، ويتضح هذا من السلوك السوري في لبنان، ومن السلوك السوري خلال الحرب العراقية الإيرانية؛ حيث تأثر الموقف السوري بالتحالف مع إيران.
(جـ) تيسير السبل أمام قوى إقليمية ودولية معادية للتدخل في الشئون العربية، ويتضح هذا من العلاقة بين حزب الله اللبناني، والنظام الإسلامي في إيران، ومن دعم إيران للقوى المعارضة الشيعية في العراق.
ويتضح هذا أيضاً من التحالف بين الكتائب اللبنانية وإسرائيل، لاسيما خلال زعامة بشير الجميل للقوات اللبنانية، والدعم الأمريكي والفرنسي للطوائف المسيحية اللبنانية.
(د) عرقلة حل الصراع العربي ـ الإسرائيلي، ويتضح هذا من خلال التأثير السلبي للخلاف السوري ـ العراقي على تكوين جبهة شرقية في مواجهة إسرائيل خلال مرحلة الصراع المسلح، ومن خلال الأداء السيئ للجيش السوري في حرب 1967م بسبب حالات الطرد التي كانت تتم لأسباب طائفية، ... ودعم إيران للمنظمات اللبنانية (حزب الله) والفلسطينية (حماس والجهاد الإسلامي) لعرقلة عملية السلام العربي/ الإسرائيلي لأسباب تخص المصالح الإيرانية.
خامساً: الأقليات في السودان الجنوبي وتأثيرها على الأمن العربي
يموج جنوب السودان بالعديد من الأجناس واللغات والأديان والثقافات، حتى أنه لا تسود بين قاطنيه حضارة متجانسة، وطبقاً لدراسات علماء الأجناس يمكن تصنيف سكان الجنوب إلى المجموعات الثلاث الرئيسية الأتية، وذلك استناداً إلى معايير اللغة السائدة، والأصل التاريخي والخصائص التكوينية والبيولوجية، وتتمثل في النيليين (ويتألفون من قبائل الدنكا والشلوك والنوير، والأنواك، والبورون وغيرها)، والنيليين الحاميين (ويتألفون من قبائل المورلي والبارى والديدينجا والبريا والتوباسا واللاتوكا).
والقبائل السودانية (وهي تتألف من الأزاندى والمورو، ماو وغيرها من القبائل الصغيرة التي تعيش غالباً غرب النيل، وقرب الحدود الجنوبية الغربية للسودان).
ومن الثابت تاريخياً أن هذه القبائل الجنوبية لم تنشأ أصلاً في السودان الجنوبي، ولا هي تقضي كل حياتها فيه، وعليه فإن الفوارق في السلالة والأصل التايخي بين القبائل المختلفة في السودان الجنوبي، قد أدت إلى تنوع وتعدد اللهجات المستخدمة فيما بينها، وكذلك اختلاف نظمها السياسية وأنماط حياتها الاقتصادية والدينية، ويبلغ عدد اللغات الرئيسية المستخدمة في السودان الجنوبي نحو (12 لغة) على أقل تقدير... ولا شك أن الصراع الدائر في السودان الجنوبي والأهداف الرامية إلى انفصال الجنوب تترك جميعها أثاراً بالغة الخطورة على الأمن القومي العربي في مجمله، والأمن القومي المصري خاصة، ويمكن أن نشير إلى ثلاثة تأثيرات مهمة:
(أ‌) انفصال الجنوب قد يؤدي إلى تفكك السودان الموحد باعتباره أحد الحلقات المهمة في الحزام الجنوبي للأمن القومي العربي.
(ب‌)      استمرار الصراع والحرب الأهلية في الجنوب يفتح المجال أمام تدخلات خارجية عديدة، بما يزيد من تأثيراتها الرامية إلى تقويض أطراف النظام الإقليمي العربي
(جـ) تأثيرات الصراع في الجنوب السوداني على قضايا تأمين الحدود الجنوبية لمصر، بما في ذلك ضمان وصول حصتها من مياه النيل.
وفي هذا الإطار يجب الإشارة إلى أن أحد المبادئ المهمة والثابتة التي اتبعتها، ولا تزال القوى المعادية للوطن العربي، والتي تمثل تهديداً للأمن القومي العربي هو مبدأ شد الأطراف، ومضمون هذا المبدأ أن إضعاف الجسد العربي يجب أن يأخذ طريقتين مختلفتين في أن واحد: إحداهما تتجه إلى القلب، والثانية تتجه إلى الأطراف، أي إضعاف الأطراف من خلال عملية جذب سياسية محورها إبعاد الأطراف عن مساندة منطقة القلب، وهو ما يؤدي إلى إضعاف القلب، واختلال توازن الجسد، ومن ثم تسهيل عملية الانهيار التي يسعى أعداء الوطن العربي إلى تحقيقها.
ولا شك أن هذا المبدأ يمثل خطورة حقيقية على الجسد العربي في امتداده، ولاسيما السودان، إذ أنه يؤدي إلى تمزيق وحدة السودان، واقتطاع أجزائه الغنية، حيث في الشرق أثيوبيا، وفي الجنوب أوغندة، وفي الغرب تشاد.
وفي النهاية يمكن القول؛ إن التمايز السلالي والثقافي الذي يطرحه السودان الجنوبي بغرض حقه في نوع من الحكم الذاتي، على أن مناهج وسياسات الحكومات المركزية المتعاقبة في السودان منذ الاستقلال قد أدت إلى تصميم أهل الجنوب على المضي قدماً في طرح بديل الانفصال عن الشمال، وتكوين ما يسمى "بالسودان الجديد" وهو ما أفصح عنه مؤتمر توريت الذي عقدته الحركة الشعبية لتحرير السودان عام 1991م.
وإذا كانت الخيارات المطروحة الآن بصفة عامة من جانب القوى السياسية الفاعلة في الجنوب، يمكن حصرها في ثلاثة خيارات أساسية تتراوح بين القبول بمبدأ سودان علماني موحدة، وحكم ذاتي للجنوب في إطار اتحاد فيدرالي، وانفصال الجنوب في إطار دولة السودان الجديد، فإن خيار الانفصال يمكن أن يؤدي إلى تفجير السودان، وانهيار الدولة المركزية، وتفتتها بين دويلات صغيرة، تابعة لجيرانها الأفارقة، وهو ما يمثل تهديداً مباشراً لنظام الأمن القومي العربي والمصري، وتتمثل أهم تلك التهديدات في التأثير على الحزام الأمني الجنوبي للأمن القومي العربي، وفتح المجال أمام التدخلات الأجنبية، والتأثير على تأمين حدود مصر الجنوبية، خاصة فيما يتعلق بقضايا المياه.
سادساً: الأقلية البربرية والاستقرار السياسي
ربما كانت أكبر الجماعات اللغوية غير العربية في الوطن العربي هي البربر في دول المغرب العربي الكبير (المغرب، والجزائر، وتونس، وليبيا، وموريتانيا)، واللغة البربرية ـ أو كما يسميها أصحابها (الأمازيغية) ـ ليست لغة واحدة، ولكنها لهجات متعددة، ورغم أن التعريب لم يشمل إلا بعض البربر إلا أن عملية (الأسلمة) قد شملتهم جميعاً، والذين اعتنقوا الإسلام في أعقاب الفتح العربي مباشرة، تحمسوا وحملوا لواء دعوته وأصبحوا جنوداً بواسل للجيوش الإسلامية، ومنهم "طارق بن زياد".
والتنظيم الاجتماعي للبربر لا يختلف كثيراً عن مثيله بين العرب؛ حيث يتمحور حول القبيلة والعشيرة، ولعل أكبر التجمعات البربرية التي تجوب الصحراء الكبرى، هي قبائل الطوارق، وتشمل منطقة ترحالها كلاً من جنوب الجزائر،وليبيا، والنيجر، ومالي.
والبربر لهم العديد من المطالب، أهمها: ضرورة اعتراف الحكومة بهم، أو الاعتراف الدستوري والمؤسسي باللغة البربرية واللهجة الأمازيغية كلغة رسمية وقومية، كما في الجزائر، احترام حقوق الإنسان والحريات الديموقراطية، والحق في الاختلاف... إلخ.
وإذا ما نظرنا إلى طبيعة الأقلية البربرية نجد أنها من أقل الأقليات إثارة للقلاقل والاضطرابات، ومن ثم تهديدها للاستقرار السياسي يعد محدوداً مقارنة بأقليات أخرى عديدة، سواء كانت دينية أو قومية، أو... إلخ، إلا أن عدم تفهم الأمور الدينية والإنسانية، لتلك الأقلية البربرية، يؤدي إلى اتساع الهوة بين المسلمين العرب والمسلمين غير العرب من تلك الأقلية، وهي تبدو كافية لتسلل المشاريع التقسيمية الخطيرة، التي يعاني منها كل المسلمين وكل العرب في هذا الجزء من العالم، ويرى البعض أن لهذه المشاريع ثلاثة أبعاد رئيسية لها تأثيرها على الأمن القومي العربي وهي:
(أ‌) البعد الأول: هو ضرب الوحدة القائمة تحت المظلة الإسلامية بين القوميات المتعددة، وذلك بإثارة الفتن بين الإثنيات، وتشجيعها على الانفصال والتطلع نحو إقامة دويلات خاصة بها.
(ب‌)      البعد الثاني: هو ضرب الوحدة الإسلامية نفسها عن طريق إثارة الفتن المذهبية، واختلاق تيارات هدامة باسم الإسلام.
(جـ) البعد الثالث: هو ضرب التعايش الإسلامي القائم في ظل الانتماء العربي الواحد، وفي ظل البعد الأول، أي البعد القومي، فإن مشاريع التقسيم تتمركز حول المجموعتين الأهم والأكبر، معاً: الأكراد والبربر، وتنطوي تحت اللغوية غير العربية بضع جماعات لا تتخذ العربية لغة أولى، وإن اتخذتها لغة ثانية في اضطراد الأخذ بسياسات التعريب، ومن ثم فإن التلكؤ في الاستجابة أو التعاطف مع المطالب الخاصة بهذه الأقلية يؤدي إلى تصعيد النزعات الانفصالية بين أبنائها، خاصة إذا وجدت دعماً أو تشجيعاً من قوى أجنبية، والتحدي الإثنى هو أحد المداخل السهلة للاختراق الأجنبي لبنية المجتمع، والدولة القطرية.
وفي النهاية يمكن القول بأن قضايا عدم اندماج الأقليات العرقية، أو الدينية، أو اللغوية، أو العقائدية تعد من أهم مصادر تهديد الأمن القومي العربي، لما يمكن أن يترتب عليها من استثمار للمصادر الرئيسة للتهديد، وما يمكن أن تؤدي إليه من هدر للقدرات الوطنية والقومية.
ولاشك أن هذا البعد الداخلي يمكن تجنبه، إذا ما اتخذت الدولة السياسات الكفيلة بدمج الأقليات دمجاً قومياً في إطار مفهوم الأمة الواحدة، وذلك بتحقيق أعلى درجة ممكنة من المساواة وعدم التمييز، ولعل هذا يتوقف على مدى ما يتوفر لدى الدولة من قدرات، ومدى ما تملكه من آليات توزيع لهذه القدرات وغيرها من الموارد، ومدى ما تشعر به كافة الأقليات بالمساواة مع غيرها.
وفي هذا الإطار تكمن أهمية توقيع اتفاقات ملزمة سواء بين الدول العربية، أو دول الجوار، توضع فيها أسس معالجة قضايا الأقليات في المنطقة.
 
 
 
 
الاسم:  
عنوان التعليق: 
نص التعليق: 
خانة التحقق