كتاب الشهر\العدد الثالث والخمسون - ذي القعدة 1428 هـ
القراءة الجديدة للنص الديني
الأحد 11 نوفمبر 2007
القراءة الجديدة للنص الديني
القراءة الجديدة للنص الديني
( الباطنيون الجدد والقراءة المتهافتة للنص الديني )
تأليف : الدكتور عبد المجيد النجار
عرض : محمد العواودة
 
يرصد الدكتور عبد المجيد النجار في كتابه القيم " القراءة الجديدة للنص الديني " ( إصدار مركز الراية للتنمية الفكرية، 2006) أفكار أبرز رواد المدرسة التأويلية الجديدة، أو " الباطنيون الجدد " كما يحب أن يسميهم وهم: نصر حامد أبو زيد، جمال البنا، عبد المجيد الشرفي، محمد الشرفي، محمد سعيد العشماوي، محمد محمود طه، محمد شحرور، محمد أركون.
والمدرسة التأويلية الجديدة التي يقدم لها النجار - الذي بات متخصصا قصريا في التصدي لهذه المدرسة في مجمل كتبه ورسائلة وتعليقاته- ليست جديدة بمعنى أنها بدعا من بنات أفكار هؤلاء الرواد؛ وإنما هي امتداد لأفكار بعض الليبراليين العرب في بواكير القرن الماضي أمثال قاسم أمين اللذين تبنوا خطاب الإصلاح الديني الغربي، وصولا إلى محمد عبده الذي يعتبر المؤسس لهذا الخطاب وداعيته في العصر الحديث.
إلا أن ما يميز هذه المدرسة التي يعرض لها النجار خطابها الفج وجرأتها على الدين الإسلامي بشكل غير مسبوق، وتبنيها منهجية وأدوات التحليل الاستشراقي الغربي في تفسير النصوص الدينية بالقراءة التفكيكية من زاوية العلوم الأدبية والإنسانية للطعن في قدسية النص الديني مثل: التاريخية، والهرمنيوطيقا، والنسبية، والرمزية، وإدخال بعض المعادلات والقوانين الرياضية، حتى يغدو النص الديني بهذا التفسير مجموعة من النصوص الوضعية تمكن من قراءته وبناءه من جديد من خلال جملة من المقاصد والمعاني ذاتية القراءة.
 ومع أن النجار اكتفى بذكر هؤلاء الرواد كونهم أهم المؤسسين المعاصرين لهذا الخطاب إلا أن هذه المدرسة لا تقف عند حدودهم بل تمتد لتشمل الكثيرين من أتباعها والمتساوقين بفكرها من المثقفين والاكادميين والكتاب العرب المعاصرين، الذين لا تسع هذه العجالة عرض آرائهم ومناقشة كتبهم أمثال: صادق بلعيد، حسن حنفي، صادق جلال العظم، الطيب التيزيني، تركي علي ربيعو، سيد القمني، عبد الهادي عبد الرحمن، أنور خلوف...... 
فخلاصة آراء هذه المدرسة تقدم الدين الإسلامي على أنه ليس هو هذا الدين الذي تدينت به الأمة طيلة أربعة عشر قرنا، وإنما هو شيء آخر ما تزال النصوص متضمنة إياه بافهام أخرى تنتظر من يستخرجها، معتمدين في ذلك على عدة عوامل لتحقيق هذه الغاية أهما إهدار التراث الإسلامي كونه منافيا لمفاهيم العدل والمساواة وحقوق الإنسان، ما تطلب عندهم إحالة تأويل النص لذاتية مطلقة من حق كل فرد أن يمارسها باحتمالات غير متناهية من المعاني يتحكم في أساسها الضمير الإنساني.
في سياق رده على هذه القراءة الجديدة، فإن النجار يبين تهافتها وعدم أصالتها من عدة وجوه تجتمع على أنها تعاملت مع النص الديني كما لو كان نصاً بشريا، مهدرة بذلك أو تكاد طبيعة كونه وحيا من الله، ومتجاوزة في كثير من الأحيان طبيعتة اللغوية وما تقتضيه قوانين اللغة العربية من وجوه الدلالة على المعاني بحجة أن الألفاظ هي ألفاظ النبي صلى الله عليه وسلم أو إن لم تكن كذلك فقد طالها التغيير البشري لأن مقصود كلام الله عندهم خاص بالمعاني دون الألفاظ.
 وحينما حُددت طبيعة النص الديني في هذا الاتجاه من الوصف بالبشرية والتاريخية والظنية فإن القراءة التي مورست عليه كانت في طابعها العام قراءة اسقاطية بما هو حاضر سلفا في الأذهان بمقتضى انتماءات مذهبية ومواقف أيديولوجية باعتبارها أحد الاحتمالات الممكنة لهذا النص مادام نصا مفتوحا على احتمالات غير متناهية.
فقد كان أغلب هؤلاء القراء الجدد للنص الديني ممن تكونوا ثقافيا على الفكر العلماني - بشقيه اليساري والرأسمالي - حتى أصبحت كبرى قضاياه مسلمات بالنسبة إليهم وعلى اعتبارها مدلولا من مدلولات النص واحتمالا من احتمالاته، فقد كان من تلك المسلمات على سبيل المثال: فكرة التغيير المطلق التي انبنت عليها الفلسفة العلمانية في تقديرها للطبيعة كما بدا في نظرية التطور، وفي تقديرها للقيم الإنسانية كما بدا في المذهب الأخلاقي الاجتماعي، وفي تقديرها للماهية الإنسانية ذاتها كما بدا في الفلسفة الوجودية، وشخصنة الدين وفصله عن الحياة العامة كما في فكرة العلمانية وإسقاط القانون الوضعي فيما يتعلق بالعقوبات والأحوال الشخصية على النص الديني، منتهين إلى أن هذه الإسقاطات التي يسموها قراءة جديدة لا تحمل صفة موضوعية ثابتة في النص وإنما هي قيم متغيرة بتغير الظروف والأوضاع ينبغي التأول فيما يناسبها من المعاني والأحكام.
إن ما أثاره هؤلاء المؤولة من مطاعن في موثوقية النص الديني يكاد يكون كله مستصحبا لما أثاره المستشرقون من شبهات متعلقة بالقرآن والحديث منذ ما يزيد على قرنين، فالاستدلال على ذلك بأن النبي صلى الله عليه وسلم هو ذاته الذي منع تدوين الحديث، فيه ضحالة فكرية كبيرة عند الوعي أن المنع كان تحوطا لكي لا يختلط ما هو قرآن بما هو حديث وهو ما ينافي أيضا قوله تعالى " وما أتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا "( الحشر، 7 ) وقوله " يا أيها الناس إني رسول الله إليكم جميعا " (الأعراف، 58 ) " فهذا خطاب عام يدلل بوضوح على موثوقية السنة وديمومتها، ولا يمكن فهمه على أنه خطاب محصور بالزمان والمكان وإلا كانت الرسالة نفسها لا تتجاوز ذلك الزمان وذلك المكان، كما أن الأمر قد اقتضى المنع من التدوين ولم يقتضي المنع من الحفظ ولم يقتضي المنع من العمل بالسنة والفرق جلي واضح بيهما، ولئن كان الحديث النبوي قد داخله الوضع حقا فإن هذا النص النبوي قد حظي من العلوم المنهجية التي تميز صحيحة من سقيمه بما لم يكن له سابقة أو لاحقة في التاريخ الثقافي الإنساني وهي تلك العلوم التي تتحرى الصادق من غيره في الرواية المنقولة.
أما ما اعتمدته هذه القراءة من تشكيك في موثوقية القرآن من حيث انتقاله من النبي صلى الله عليه وسلم مقروءا إلى المسلمين بعد ذلك مكتوبا فليس من غاية لهذا التشكيك إلا أن يكون مدخلا لبعض تأويلاتهم الباطلة للنص القرآني، فإن الفيصل في ذلك ما يقدمه القران نفسه للناس فيما إذا كانت لغته نبوية بشرية أو إلهية، فالمعاني وحدها لو كانت هي النازلة في قوله تعلى " إنا أنزلناه قرآنا عربيا " ( يوسف، 2) فإنها لا توصف بأنها عربية إذ هي من المشترك بين جميع أهل اللغات، وإنما الألفاظ من حيث ذاتها ومن حيث نظمها ودلالتها على معانيها هي التي توصف بذلك.
 أما القول: إن القران قد زيد فيه في عصر التدوين بعد وفاة النبي فهذا أيضا قول متهافت،  فما جمع في عهد عثمان لم يكن سوى جمع لما دون في السطور متفرقاً بما يماثل ما هو محفوظ متواتراً في الصدور، والادعاء بحصول تغير في القرآن بتدوينه على ترتيب غير ترتيبه الزمني لا يخضع لأي أساس منطقي، وهو ادعاء مردود أيضا لأن الترتيب التوقيفي للقرآن الذي هو مدون به الآن في المصحف كان ترتيبا مصاحبا لنزوله فما من آية نزلت على النبي عليه السلام إلا أمر كتّابه أن يضعوها في مكانه التوقيفي من سورته فعندما اكتمل النزول كان الترتيب التوقيفي مكتملا، وعلى حد زعم هؤلاء الباطنية لن يكون الدين والتاريخ الإسلامي كله إلا أكذوبة كبرى صنفها رجال متواطئون على الباطل، وهذه النتيجة لا يقبلها عقل سليم حينما يتعلق الأمر بجهود أمه بأكملها في فهم دينها من مصدره المحفوظ.
ومما وقعت فيه هذه القراءة من مزالق خطرة؛ تقدير العلاقة بين النص فيما يتضمنه من حكم شرعي وبين المقصد الذي من أجله شرع ذلك الحكم، وكذلك تقدير العلاقة بين ذلك النص وبين ما يجري به واقع الحياة الانسانيه، فهذه العلاقة المزدوجة أقيمت في القراءة الجديدة على خلل كبير في كل من طرفيها، لأن النص الديني إذا كان قد حدد مقاصد ما يتضمنه من أحكام فإنه أيضا قد حدد أحكاما تفضي إلى تلك المقاصد وجعل هذا مرتبطا بذاك وملازما له ولم يوجه هذا النص بأي حال من الأحوال إلى أن تلك المقاصد إذا ما أمكن تحقيقها بغير الأحكام الموضوعة لها فإنه يمكن إهدار تلك الأحكام، فبأي مبرر إذن تلغى الأحكام إذا ما تحققت مقاصدها بطريق غيرها ؟
إن المقصد من أي حكم محدد يتضمنه النص الديني إذا كان باديا في تحقيق مصلحة أو درء مفسدة جراء تطبيق ذلك الحكم فان ذلك المقصد يتضمن بصفة أساسية إيقاع الحكم نفسه، فإذا ما أهدر ذلك الحكم فقد أهدر المقصد أو شطر كبير منه وذلك أيما حكم من أحكام الدين في المفهوم الإسلامي عبادة كان أو معاملة فان مقاصده الأساسية عبادة الله تعالى وطاعته في تطبيق ذلك الحكم مهما يكن له من مقصد يتعلق بالمصلحة الدنيوية.
ولكن يبقى أخطر ما يعتمده هؤلاء المفكرون في قراءتهم الجديدة - كما يرى النجار- معادلة النص والواقع بحيث تجعل ما يجري به الواقع من قيم ثفافيه وحضارية وحقوقية هي الحكم الذي يحتكم إليه في تبين دلالة النص الديني وفي استبدال الأحكام المستفادة من النص بمقتضى تلك الأدلة بما يقتضيه الواقع الجاري بأوضاعه المتغيرة على الدوام، فلا يكون بحسب هذه القراءة للنص الديني مضمون موضوعي ثابت، فإذا ما كان هذا الواقع هو القيم على النص الديني بحيث يقع تأويله بحسب ما ينقلب إليه الواقع من أوضاع لتكون مضمونا له، فإن ذلك سيفضي لا محالة إلى أن يكون هذا النص متضمنا في بعض الأزمان الأمر باعتقاد الباطل وفعل الشرور باعتباره دينا !! وتصوره يكفي في رده وبطلانه .
 ولنا أن نتصور فظاعة هذا المآل الذي تنتهي إليه القراءة الجديدة بهذا التأويل الواقعي،ٍ فتصبح القيم والقوانين السائدة في هذا الواقع هي التي يؤول على أساسها النص القرآني ، لتبقى مهمة النص الديني مقصورة على التوجيه الروحي دون محددات الأحكام.
 
 
 
 
الاسم:  
عنوان التعليق: 
نص التعليق: 
خانة التحقق