كتاب الشهر\العدد الرابع والخمسون ذو الحجة 1428 هـ
حسن العلوي: الدعوة إلى المصالحة أم إلى القطيعة ؟
الأثنين 10 ديسمبر 2007
حسن العلوي: الدعوة إلى المصالحة أم إلى القطيعة ؟
حسن العلوي: الدعوة إلى المصالحة أم إلى القطيعة ؟
محمد العواودة
في منتصف هذا العام (2007) وفي لقائه مع الإعلامي المعروف تركي الدخيل في برنامجه "إضاءات" على قناة العربية، كان حسن العلوي - المفكر العلماني والبعثي العراقي السابق - يبشر بأطروحته الإصلاحية "النوعية" الجديدة في معادلة النزاع الطائفي الدائر بين أهل السنة والشيعة في العراق بعنوان " عمر والتشيع " التي ستقوم على أساس المقاربة التاريخية - هذه المرة - من خلال غربلة جريئة لمكامن التأجيج في كل من الخطابين السني والشيعي الثاوي في كل من التراثين، أو بمعنى آخر إجراء مصالحة تاريخية بين الطائفتين تسهل مهمة المصالحة المجتمعية وتكريس السلم الأهلي، مساهمة منه لحقن دماء العراقيين وترسيخ مبدأ المشاركة الفاعلة في المشهد العراقي.
 
جاء الرد السني سريعا، ومن العراق نفسه على الكاتب والكتاب فور نزوله في السوق، فيؤلف الدكتور طه حامد الدليمي كتابا بعنوان " العلوي وكتابه: عمر والتشيع، وحدوية العلماني والديني عند الشيعي " الذي حاول فيه بداية، تحديد المنطلقات النفسية والأطر الفكرية عند العلوي التي يجدها ثاوية في كل من البعدين السياسي والتاريخي المستبطن للبعد العقدي الشيعي، حيث يجد العلوي يحاول أن يتنصل منها في ظاهريتة المقاربية، وليس أدل على ذلك أن يمهرها ببعض القوالب الفكرية الشيعية المعاصرة واستخدامها كجوازات عبور إلى الوعي السني، متمحورا- العلوي - في قراءته كلها على مبدأ التقية الخالدة في الوعي الشيعي، واستخدام أمير المؤمنين عمر بن الخطاب - رمز الكره الايدولوجي للشيعة - كرافعة للقفز لظاهريته العلمانية وتسويق دعوته للمصالحة التاريخية والسلم الأهلي.
 
فهل سينجح العلوي في تقديم رؤى تصالحية حقيقية مع التاريخ؟
 في سياق تناوله التاريخي لمقاربته المجتمعية التصالحية للماضي والحاضر، يستدعي العلوي أمير المؤمنين عمر- رضي الله عنه – إلى مشروعه ويثني على إنجازاته وأفعاله، ولكن الدليمي، يرى أن العقل الباطن وترسبات الطفولة عند العلوي "العلماني " تأبى إلا أن تطفو على عقله الواعي ليلمز عمر على طريقة الشيعة في التنقيص منه، ولكن في سياق إظهار إعجابه بعمر، فينعته بـ " ابن حنتمة" غير مرة، وهي ما تستخدمه الأسطورة الشيعية للنيل من نسب عمر، أو ترديد العلوي في كتابه القول: إن قوم عمر – عشيرته - لم يكن لهم ثقل أو بلاء في القتال، أو التأصيل بالقول - استنادا إلى مرويات شيعية معتدلة !! - إن مقتل عمر كان على أيدي أبناء جلدته من قريش "غير المؤمنين !!" وليس على يد أبي لؤلؤة المجوسي كما تقول الرواية السنية، وهو الذي دخل قومه – أبو لؤلؤة - في الإسلام عن إيمان ويقين غير قريش الذين دخلوا الإسلام تملقا وخيفة وإغراء.
 
يضيف الدليمي، إذا تجاوزنا الطعن المبطن بعمر بن الخطاب وبقية الأصحاب والطعن الصريح بقريش؛ فان العلوي يتهم أهل السنة اليوم ويصف تسننهم بـ "التسنن الأموي"، فجمهور المسلمين في البلدان العربية والإسلامية متهم وغير معترف به عنده، علما أن المصطلح المخترع "التسنن الأموي" هو مصطلح شيعي صفوي يقصدون به المواجهة بالمثل، محاولا العلوي من هذا، استبطان القطيعة وإن أظهر المصالحة، تلك المصالحة التي تشطب على تاريخ قرن هو من أخصب القرون وله في نفوس مئات الملايين من المسلمين ماله من منزلة، محاولا التشنيع على الأمويين بمعادلتهم ومقابلتهم بالصفويين، فهل يستوي المثلان؟
 
يمكن للناظر في هذا الكتاب أن يرى بوضوح اختباء العلوي خلف علمانيته التي يحاول أن يظهر بها في هذا الكتاب كطرف غير منحاز، إلا أنه يأبى إلا أن يظهر شيعيا منحازا وهو يلمز صلاح الدين الأيوبي وإنجازه العظيم بالقضاء على الدولة الفاطمية الشعوبية ومستحدثاتها في سب الصحابة...الخ، ولكنه كشيعي نموذجي يستعمل أسلوبا حلزونيا في الوصول إلى المراد، فلا يذكر صلاح الدين باسمه وإنما يشير إليها إشارة بالمرحلة الأيوبية ويجعلها مثالا للتراكم الطائفي.
 
إن هذه التقريرات التاريخية المبتسرة تعبر في رأي الدليمي عن أمرين: معلومات تاريخية سطحية، وعقليه جمعية شيعية، وبالرغم من أن الدليمي لم ينقص العلوي باعه في التاريخ إلا أنه يجده حين يقترب من نقاط التماس التاريخية مع الاتجاه الشيعي تتسطح معلوماته وتتقعر لينقلب قزما قصير اليدين، أعشى العينين، لينفلت لتشيعه متخندقا خلف علمانيته.
 
 ويتساءل الدليمي، فهل يمكن لنا من بعد أن نتصور أن الشيعي يمكن أن يتصالح مع التاريخ؟ الجواب طبعا : كلا ،لأن هذا التصور كما يراه الدليمي لا يعدو أن يكون إلا وهماً ،لأن علماء التشيع أدخلوا التاريخ في العقيدة في بيعة الغدير، واغتصاب أبي بكر للخلافة ، وتكفير الصحابة ، وكسر ضلع الزهراء ...الخ من الخزعبلات التاريخية التي امتزجت عند الشيعي مع عقيدته امتزاجا لا يمكن بعده الفصل أو التمييز بينهما.
 
يستحضر الدليمي كتابين من مؤلفات العلوي يستند عليها في تحليل شخصيته - الكتابان اللذان يؤوّلا مبدأ التقية عنده والتلون عند اختلاف الحال وتغير مراكز القوى ضمن الدائرة التي يدور فيها - فمثلا نراه في كتاب " دماء على نهر الكرخا " الذي كتبه العلوي باسم مستعار هو حسن السوداني - لعله يقصد من ذلك حفظ خط الرجعة عندما تتغير الأحداث - وقد كتبه العلوي وهو ما يزال يعمل سكرتيرا صحفيا للرئيس صدام حسين، يتحدث فيه عن الفرس وكيف تلبسوا بالتشيع مستترين به على مكائدهم ضد العرب ودينهم الجديد ودولته القومية الجديدة وإرجاع أسباب الحرب ودوافع الصراع إلى جذور عرقية قديمة تمتد إلى فجر التاريخ، ثم هرب العلوي وكتب عدة كتب منها " الشيعة والدولة القومية " يقلب فيه الحقيقة، و يتهم فيه أهل السنة بالطائفية والاستحواذ على السلطة والعمالة للإنكليز والتمالؤ معهم على إقصاء الشيعة الذين دافعوا عن الوطن في ثورة العشرين ورفضوا أن يضعوا أيديهم بأيدي الإنكليز- مثل السنة -.
 
بينما نجده في كتاب "عمر والتشيع "( الكتاب التصالحي ) يقول عن الحرب – الخليج الأولى – إنها حرب أمريكية ضد الشيعة خاضها العراق بالنيابة عن أمريكا، ويمجد الخميني ويقارنه بعمر الفاروق بشخصيته وعدالته وتفاصيل حياته.
 
لينتهي الدليمي من خلال هذا الكتاب إلى أن المنظومة الفكرية والنفسية للإنسان الشيعي كاملة بعقائدها وعقدها وعاطفتها، وهيجانه ورؤيته الأشياء والأشخاص والواقع والتاريخ وتعلقها بإيران ورجالها، تبين أن الوطنية والعروبة لدى هؤلاء مجرد دعوى هائمة أو عاطفة تائهة عائمة ليس لها عند الامتحان من حقيقة وبرهان، كما أنه لا فرق بين شيعي علماني وآخر متدين، فكلاهما سواء عند خط النهاية، وان العلماني والديني يتوحدان في شخصية الشيعي توحدا تاما ويشتبكان في النسيج الواحد.
 
يستشهد العلوي لنظريته في المشاركة بعدة عمائم شيعية هي: محمد مهدي الخالصي، محمد حسين كاشف الغطاء، محمد حسين فضل الله "الأب الروحي لحزب الله "، وآخرون مثل: موسى الصدر "مؤسس منظمة أمل"، ومحمد باقر الصدر" مؤسس حزب الدعوة "، محمد باقر الحكيم " مؤسس المجلس الأعلى ومنظمة بدر" وأخيرا بالخميني نفسه" مؤسس جمهورية إيران الشيعية"، فالثلاثة الأُول، يقول عنهم العلوي " يتفق هؤلاء المراجع في كونهم خارج المنهج الصفوي وهم لا يرون ما يضر بالعامة نافعا للشيعة ولا يرتاحون لحديث يثني على الإمام علي بهجاء عمر و يأخذون بروايات الفرقة والانقسام، أي ليسوا من دعاة القطيعة.
 
يدعو الدليمي إلى عدم الاغترار بكتب مثل كتاب " عمر والتشيع " فهي ليست إلا كتب دعائية تنشر بين أهل السنة ، وهي تغاير الكتب الأخرى التي يعتمدونا في سراديبهم وجوّانيهم، ويتساءل الدليمي في هذا السياق، أليس محمد مهدي الخالصي هو القائل في " أصول مذهب الشيعة الإمامية " لم اذكر الصحابة بخير لأني لا أريد أن أتعرض لعذاب الله وسخطه بمخالفته الكتاب والسنة والإطراء على من قبح أعماله القرآن المجيد والأحاديث المتواترة..." أوليس محمد كاشف الغطاء هو الذي يقول في كتابه " اصل الشيعة وأصولها " لولا علي لكان الإسلام ضرطة عنز " أو ليس محمد حسين فضل الله هو المفتي في كتابه " مسائل اعتقادية " بعدم جواز التعبد في فروع المذهب السني أو أي مذهب إسلامي غير مذهب أهل البيت لأنه المذهب الذي قامت عليه الحجة القاطعة " أو ليس موسى الصدر هو المؤسس لمنظمة أمل صاحبة المجازر الطائفية والابادة للمخيمات الفلسطينية، أو ليسس محمد باقر الصدر مؤسس حزب الدعوة يقول في كتابه " فدك في التاريخ " عن خلافة أبي بكر الصديق أنها خلافة لم تباركها السماء ولا رضي بها المسلمون، ويفسر الخير الذي كان عليه الخلفاء الثلاثة الأول أنهم كانوا ملجأين إلى ذلك لإرضاء الناس لأنهم كانوا تحت مراقبة النظر الإسلامي، أو ليس محمد باقر الحكيم مؤسس منظمة بدر غني عن التعريف في وعي العراقي السني بما قامت به منظمته من أعمال يندى لها الجبين.
 أما الخميني الوجه الذي يظهره العلوي لعمر تحت عنوان " تجارب المشاركة العلوية العمرية " فإنه أغنى أهل السنة عن التعريف أيضا في كتابه " الحكومة الإسلامية " حيث جاء بما لا يحتمله عقل عاقل، فكيف تصح المشاركة بهذه العقليات الغائرة في الأسطورة التاريخية الشيعية في محاربة أهل السنة ؟ وكيف ستتصالح مع التاريخ ؟ وكيف لها أن تكرس السلم الأهلي في العراق، أو غير العراق ؟
 
يخلص الدليمي، أن العلوي قد أغرى في ظاهريته العلمانية من خلال كتابه هذا بانفلاته من اللوازم الدينيه وطقوسه التعبدية وهو يقدم نظريته للمشاركة والإصلاح بين السني والشيعي، لكن سرعان ما ينكشف للقاريء أن تحت لسان هذا الرجل معمما حوزويا مختبئا، يظهر في اللحظة المناسبة، وفي فؤاده لوعة (ملاية) أو قارئة تعاز شيعية تدور بنواحها ودموعها بين البيوت.
 
 
 
 
 
الاسم:  
عنوان التعليق: 
نص التعليق: 
خانة التحقق