كتاب الشهر\العدد الخامس والخمسون محرم 1429هـ
فرقة البوهرة: شناعة التاريخ وفساد العقيدة
الخميس 10 يناير 2008
فرقة البوهرة: شناعة التاريخ وفساد العقيدة
محمد العواودة
لا يعسر على الدارس للفرق والطوائف الإسلامية أن يعرف أن من أكثر النماذج الطائفية التي شكلت أكبر الخطر في التاريخ الإسلامي على المؤسسة الدينية الإسلامية؛ عقيدة، وممارسة، ومجتمعا، وسياسة، ودولة، هي فرقة "الشيعة الإسماعيلية"، المنسوبة إلى إسماعيل بن جعفر الصادق. وتكمن خطورة هذه الفرقة؛ في تطرفها الديني والعقدي وزوغانها عن هدي النبي صلى الله عليه وسلم، وممارستها الفساد ضمن نظام معرفي مزدوج باطن / وظاهر، فالباطن هو حقيقة العقيدة والرؤية والفعل والنظام، أما الظاهر فهو على المستوى المعرفي إسقاط ما في الباطن على ظاهر النص الديني وليّ عنقه ليخدم العقيدة والرؤية والفعل والنظام، أما على مستوى الممارسة العملية فان جميع المضامين الباطنة تخضع للظرف والواقع المحيط، فإن تجلى الظاهر للباطن ظهرت، وإلا كان الظاهر تقية تمارس مع الخصم الديني حتى يتجلى الظاهر للباطن.
 والتقية - بفتح التاء وكسر القاف - بشكل عام هي: ضرب من ضروب المراوغة والكذب يلجأ إليها الممارس لهذا النمط العقدي لحماية دعوته أو حماية نفسه عندما لا يخدمه الظرف والواقع، وقد ازدهر هذا المبدأ في العقيدة الباطنية عامة عندما طارد الخلفاء العباسيون والسلاجقة والأيوبيون أئمة الدجل والنفاق منهم في مراحل تاريخية مختلفة تحت أسماء وألقاب مختلفة انتزعوها من جوانيهم أو استدعاهم بها غيرهم في إطار التنافس بين الشيعة أنفسهم أو مع غيرهم كـ" الإسماعيلية والتعليمية والفاطمية والعبيدية والطيبية والقرامطة...الخ مثلت كلها عقيدة واحدة وان اختلفت المسميات  .
وفرقة البوهرة، التي نحن بصدد التقديم لها في كتاب هذا الشهر، هي: فرقة لها امتداد أصولي وعقدي ومعرفي لفرقة الإسماعيلية متقدمة الذكر، وتمتاز هذه الفرقة عن غيرها من الأصول الإسماعيلية البائدة؛ أن لها امتدادا حيا في واقعنا المعاصر في بعض الدول العربية والإسلامية، ما يعني أنه يجب التنويه إليها واخذ الحذر منها ، وخاصة أن ثمة من لا يزال يظن بها الخير كفرقة إسلامية في بلاد شركية، أو لأن بعضا من البوهرة رجع إلى السنة مع بقاء نسبته إليها، ولهذا جاء كتاب " البوهرة: تاريخها وعقائدها " للدكتور رحمة الله قمر الهدى الأثري، في ثلاثماية وأربعين صفحة من القطع المتوسط ( دار عمار – عمان 2006 ) ليعرّف حقائقها، ويفند مزاعمها، ويؤصل مبادئها.
وهذا الكتاب هو في الأصل أطروحة علمية من الجامعة الإسلامية بالمدينة النبوية .
فالبوهرة هي: فرقة من فرق الشيعة الإسماعيلية الطيبية القائلة بإمامة احمد المستعلي دون أخيه نزار، وذلك بعد انقسام الدولة الفاطمية الإسماعيلية بين المستعلية والنزارية .
وقد تحيز أهل اليمن – الدولة الصليحية التابعة للدولة الفاطمية - للمستعلي وادعوا لجوء ولده " الطيب " لليمن ، وهناك نزاع حول حقيقة وجود عقب للآمر ، وحين ضعفت الدولة الصليحية انتقل دعاتها إلى الهند سنة 946 هـ ، وإن كانت الدعوة قد وصلت قبل ذلك وأصبحت تعرف بالبوهرة.
والبوهرة تعني في اللغة الهندية "التاجر" لأنه غلب عليهم مهنة التجارة واستطاعوا أن ينشروا مذهبهم عن طريقها مثل سلفهم الاسماعليين، أما عن أصلهم فهم من قبيلة "قضاعة" جاءوا مهاجرين من المدينة كما في "القاموس المحيط " للفيروز أبادي، وقيل من المدينة والطائف في بعض المراجع الأخرى، والبوهرة هم خليط من الهنود والباكستانيين والأفغان والعرب، وفر لهم الحكم الإسماعيلي النزاري على السند في أواخر القرن الرابع مرتعا خصبا، ولما فتحها القائد محمد الغزنوي ( 421 هـ) ارتحلوا إلى غجرات ( جنوب الهند ) واستوطنوها، وتاريخهم بالجملة تاريخ له ارتباط وثيق مع تاريخ البريطانيين بجميع تشكيلاتهم الطائفية.
 
عقيدة البوهرة
 تبني عقيدة البوهرة الإسلام على سبع دعائم هي: الولاية وهي أفضلها، والطهارة، والصلاة، والزكاة، والصوم، والحج، والجهاد،  ومن أئمتهم من يسقط الطهارة ويجعلها ست دعائم، أما الإيمان فهو يندرج تحت عنوان كتاب الولاية، بمعنى أنهم يعتبرون الإيمان من الولاية، وقد عرفوا الولاية أنها: اعتقاد بوصاية علي وإمامة الأئمة المنصوص عليهم من ذرية علي بن أبي طالب وفاطمة الزهراء رضي الله عنهما الذين يجب طاعتهم كما الوحي، ومن أهم شروط الولاية معرفة الإمام، وقد جاءوا بأحديث كثيرة منسوبة إلى جعفر الصادق تدلل على هذه المعرفة مثل قوله " من مات ولم يعرف إمام زمانه مات ميتة جاهلية ".
ومن الأصول التي اتفق عليها جميع طوائف الشيعة ومنها الإسماعيلية؛ القول بضرورة وجود إمام معصوم منصوص عليه من ذرية علي وفاطمة، ولا يكون الإمام إماما إلا من نص نبي أو وصي أو إمام، ولذا سموا بـ "أهل النص والتوفيق " وخلاصة رواياتهم عن الأئمة؛ أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يكن إلا إماما مستودعا، وكان علي هو الإمام المستقر وصاحب الحق للمراتب الأربع - التفاضلية - المذكورة في كتبهم، والإمام المستودع عندهم هو الإمام الذي تودع لديه الإمامة مؤقتا لسبب من الأسباب وفي ظروف استثنائية ثم ترد هذه الأمانة إلى وارثها الحقيقي في وقت مناسب.
والشيعة عامة يعتبرون أن الإمام معصوم من جميع الرذائل والفواحش ما ظهر منها وما بطن من سن الطفولة إلى الموت، وقالوا لن تكون الغيبة الكاملة في أمر الله حيث لا يكون زمان يغيب فيه الإمام عن الدنيا ولا تكون سيطرته عليها؛ فلن يغيب هو بل يختفي عن أعين الناس ويكون موصولا بخواصه وهم يعرفونه ويعرفونه، فأول الهداة بعد النبي صلى الله عيه وسلم علي بن أبي طالب ثم الأوصياء من بعده، مستدلين على ذلك بقوله تعالى " وما يعلم تأويله إلا الله والراسخون في العم يقولون آمنا " ( آل عمران، 7 )
ومن عقائدهم في الأنبياء والأئمة، أن الأنبياء كلهم حدهم التنزيل، فشرائعهم مشتبهة وفيها اختلاف، وصدرت منهم الذنوب، وطلبوا مراتب لا يستحقونها، وكانوا غير معصومين، ومن بينهم رسول الإسلام محمد صلى الله عليه وسلم، ولأجل ذلك يخاطبه الله تعالى " ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر " (الفتح، 21) ولكن الأوصياء والأئمة من ذريته حدهم التأويل الذي لا اختلاف فيه ويستدلون على ذلك بقوله تعالى " ما ترى في خلق الرحمن من تفاوت " (الملك، 3) لأنهم لم يطلبوا مراتب لا يستحقونها، فهؤلاء ملائكة ومعصومون وأفضل من الأنبياء أربع درجات.
ووصفوا أئمتهم بمعرفة علم الغيب، كما ينقل المؤلف عن جعفر بن منصور اليمن احد معلميهم الغابرين في الإسماعيلية كقوله " أولياء الله يعلمون أفعال العباد ويطلعون على سرائرهم" (أسرار النطقاء) بل ويدعون أن الوحي ينزل على الإمام كما في كتبهم السرية، ويوجبون تقديسه وتعظيمه، كما يجب على كل من هو من عبيد الإمام أن يقدم للإمام الصلات والنذائر مرة واحدة على الأقل في كل سنة، وقالوا أن تعظيم الإمام تعظيم لله، والأولياء يقبّلون الأرض بين يدي الإمام، ويستدلون على ذلك بفعل سلمان الفارسي - برأه الله منهم -  انه رضي الله عنه سجد يوما لرسول الله صلى الله عليه وسلم لما رأى عليه السلام في جبينه نور الإمامة" .
أما التناسخ والحلول فهو من صلب عقيدة البوهرة، حيث يرون أن روح الميت تنتقل إلى حيوان أو غيره أعلى أو أدنى منزلة؛ لتنعم أو تعذب جزاء على سلوك صاحبها الذي مات، وهي عقيدة معناها إنكار البعث والحساب، ولهم تأويلات في إثباتها تحريفا للآيات والأحاديث، وهذا ظاهر في كتبهم السرية، وقد المح إليها أبو حامد الغزالي في كتابه "فضائح الباطنية" بوضوح.
ومن فساد عقيدتهم، عملهم بمبدأ الظاهر والباطن، ويروي المؤلف بعضا من جزئيات هذا النظام، منها أقوالا وأحاديث ينسبونها لأئمتهم، وقد ركزوا عقيدتهم على هذا المبدأ "العمل بالظاهر والعلم بالباطن" فالظاهر الذي يتصل بالفرائض والواجبات التي جاءت بها الشريعة، والأخرى هي العبادة العملية وهي: علم التأويل والحقيقة.
والبوهرة وان كانوا يقولون بالظاهر والباطن معا؛ فإن ما يلفت النظر؛ أنهم يؤكدون على الباطن اشد تأكيد في كتبهم، أما الظاهر فهو عندهم مثل الرؤيا في تعبيره، وفي الظاهر تناقض واختلاف، ويقولون أن الظاهر علم كثيف وتقليد محض من غير دليل، وأهل الظاهر أهل كفر بل أهل شرك، والإشراك عندهم هو: الإشراك في الولاية، وقد جعلوا التأويل دعامة علم الباطن وينسبون ذلك إلى رواية موضوعة، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال " للقرآن باطن وللباطن باطن إلى سبعة أبطن ".
ومن هذه التأويلات الفاسدة، قولهم بالمثل والممثولة، وهو ما يسبغون تحت ستاره على أئمتهم كل صفات التقديس والألوهية، واستنادا إلى هذه النظرية؛ ابتدعوا نظام الحدود الروحانية والجسمانية، فقالوا أن الإمام مثل، والسابق ممثولة، والحجة مثل والتالي ممثولة...الخ، وكل صفات العقل الكلي أو العقل الأول صبغت على الإمام، لان العقل الكلي في العالم العلوي يقابله إمام في العالم الجسماني، فكل صفة في العقل الكلي تكون في الإمام، ومعنى ذلك أن الأمام هو صاحب الصفات الإلهية والأسماء الحسنى إلى آخر صفات الالهية.
أما مبدأ التقية فانه يعني في اصطلاحاتهم " ترك فرائض الدين في حالة الإكراه أو التهديد أو الإيذاء، وهي إحدى مباديء عقائد الشيعة الرئيسية على اختلاف طوائفهم، ويروون عن أئمتهم أحاديث كثيرة في الكتمان والتقية منها " التقية ديني ودين آبائي وأجدادي، من لا تقية له لا دين له " ويرى المؤلف، أن السبب في إيجاب التقية ظاهرا هو: تبرير أقوال أئمتهم المتضاربة في مسألة واحدة في أوقات شتى، وجواب الإمام عندهم جواب ملهم من عند الله لا يتصور فيه أي خطأ، ولأنه معصوم من ذلك، أما مسألة التعطيل فإنهم يتساوقون تماما مع أصولهم الاسماعيلية الكبار الذين اظهروا اعتقادهم في التأويل الباطني وطرحوا عن أنفسهم تكاليف الشريعة ودعوا الناس إلى ذلك جهارا، وقد جاء ذلك في كتبهم إجمالا وتفصيلا.
 أما ما أسموه بالشرائع العقلية مثل عقد النكاح والطلاق والمواريث والأملاك ودفن الموتى وتغسيلهم..الخ شرائع لم ترفع عن الإمام وخلاصة مذهبهم ؛ أن الإيمان برسالة الإمام محمد بن إسماعيل هو الركن الأساسي لدينهم، وتعطيل الشريعة ونسخها مستلزم لاعتقادهم بالرسول السابع والناطق السابع، وكما هو معلوم فلا وجود للإسماعيلية إلا ومعها التعطيل .
البوهرة اليوم
ليس من إحصائية تشير إلى أعداد البواهر بدقة، وإنما هي تقديرات متضاربة، وقد أشار بعض المؤرخين إلى أن أعدادهم في الهند بلغت مليوني شخص؛ إلا أن هذا العدد - بحسب المؤلف - قد تقلص كثيرا بعد دخول الكثيرين منهم في أهل السنة والجماعة أو الإمامية الاثني عشرية، ويدل على ذلك تصريحات احد قادتهم أنهم حوالي " 300000 ألف نسمة " ويقيم عدد منهم يقدر بـ " 250000 ألفا " باليمن وفي جزر فيجي، ويقول المؤلف أن عددهم الآن لا يتجاوز نصف مليون نسمة على أية حال، وهم منتشرون في جميع ولايات الهند، نصفهم يسكن في غجرات، أما خارج الهند فغالبيتهم يسكنون مدينة كراتشي بباكستان وعددهم حوالي " 25000" والبقية منتشرون في شتى بقاع العالم.
وجل البواهر يشتغلون اليوم بالتجارة كما كانوا في السابق، ولا يوجد فيهم نسبة مثقفين أكثر من غيرهم، ولهم عدة معاهد وجامعة هي " الأكاديمية العربية " بمدينة سورت، ولهم نحو 300 مدرسة و350 مسجدا، أسس جله في سنة 1915 في عهد داعيتهم ظاهر سيف الدين، كما أن معظم البوهرة في غجرات يتكلمون الغجراتية، أما في بقية مقاطعات الهند فباللغة الهندية، ولهم طقوس وعادات متأثرة بالهندوس، ويعملون بالتقويم الفاطمي الذي اعتمد على الحسابات الفلكية وليس الهلال المعتبر عند باقي المسلمين، وتكون عندهم العشر الأوائل من شهر محرم أيام حزن وعزاء على شهادة الحسين وتقام مجالس العزاء في كل يوم منها.
وفي الختام عرج المؤلف على جهود الداعي الحالي محمد برهان الدين وأبيه طاهر سيف الدين في محاولة إحياء آثار الدولة الفاطمية و تولي رعايتها في مصر.
 
 
 
 
 
الاسم:  
عنوان التعليق: 
نص التعليق: 
خانة التحقق