كتاب الشهر\العدد السادس والخمسون صفر 1429هـ
تاريخ غير معروف لسورية في القرن العشرين
الأثنين 11 فبراير 2008
تاريخ غير معروف لسورية في القرن العشرين
تاريخ غير معروف لسورية في القرن العشرين
محمد م. الأرناؤوط الغد 15/12/2007
(هذا الكتاب مؤلفه زعيم من زعماء المرشدية ، ولذلك يجب الحرص في التعامل مع تبرئته لطائفته من تهمة ادعاء الألوهية لزعيمها سليمان المرشد . الراصد )

ما الذي يجعل كتاباً يصدر في ثلاثة آلاف نسخة ينفد في ثلاثة أسابيع فقط؟ لو أن الأمر يتعلق بكتاب صادر في اليونان(التي يبلغ عدد سكانها ضعف سكان الأردن)، لما توقف أحد عنده لأن هكذا رواج(3 آلاف نسخة) يكاد لا يذكر هناك. ولكن في عالمنا العربي، وفي ظل أزمة الكتاب التي تشتد قتامة، يبدو أن الأمر يتعلق بكتاب غير مألوف.

وربما يخفف من هذا أن الكتاب أقرب إلى المذكرات، حيث إن كتب المذكرات تستقطب في العادة مزيداً من القراء وخاصة إذا كانت تكشف عن خبايا أو جوانب مجهولة. ولكن الأمر يعود هنا أيضاً إلى أن هذا الكتاب يشكل أول عرض تاريخي للطائفة المرشدية (نسبة إلى سلمان المرشد) التي كان لها دورها في النسيج الاجتماعي والسياسي السوري المعقد خلال القرن العشرين، وذلك منذ استقلال سورية عن الدولة العثمانية وحتى الصراع المعروف على السلطة الذي اندلع في1984م بين حافظ الأسد وأخيه رفعت الأسد. فقد كانت هذه الطائفة متهمة بشتى التهم وملاحقة من عدة أنظمة توالت على حكم سورية حتى1970م، حين أصدر حافظ الأسد بعد تسلمه للسلطة أوامره بإنهاء الحصار المفروض على هذه الطائفة. ولذلك فقد كان لأفراد هذه الطائفة، الذين كانوا يشكلون الأغلبية في "سرايا الدفاع" التابعة لرفعت الأسد، دورهم في ترجيح كفة الصراع لصالح حافظ الأسد في1984م.
في هذا الكتاب الذي نشره نور المضي بن سلمان المرشد تحت عنوان "لمحات عن المرشدية: ذكريات وشهادات ووثائق"، لدينا رؤية مرشدية مختلفة مدعومة بالوثائق عن تاريخ سورية في القرن العشرين. صحيح أن هذه رؤية ذاتية (مرشدية) عما كان يحدث في سورية وعما كان يحصل للطائفة، ولكنها قطعة فسيفساء لا بد منها لاستكمال الصورة البانورامية عن تاريخ سورية في القرن العشرين.
في هذا الكتاب لدينا صورة مفصلة عن أوضاع الفلاحين الصعبة في الساحل السوري خلال النصف الأول للقرن العشرين، وهي تشكل خلفية مهمة لفهم الاهتمام بالمنطقة ومحاولة استقطاب أبنائها من قبل أطراف عديدة محلية وخارجية. فقد عملت جهات فرنسية خلال فترة الانتداب الفرنسي على تحويل سكان المنطقة من ديانتهم النصيرية إلى النصرانية، وذلك بدعم من سلطات الانتداب، كما سعت أحزاب سورية ناشئة(الحزب القومي السوري وحزب البعث إلخ) إلى التمدد في هذه المنطقة واستقطاب كوادر عسكرية في لعبة الانقلابات العسكرية (حالة غسان جديد الذي انضم إلى الحزب القومي السوري وأخوه صلاح جديد الذي انضم إلى حزب البعث).
وفي هذا الكتاب لدينا قاعدة معلومات مدعمة بالوثائق عن الصراع الذي دار بين النائب في البرلمان السوري سلمان المرشد(الذي تنسب إليه هذه الطائفة خطأ) وبين حكومة الاستقلال في 1946م الذي انتهى إلى إعدام المرشد في16/12/1946م.فقد كان هذا الصراع في جوهره بين الفلاحين المحرومين من الأراضي وبين الأسر الإقطاعية التي حازت على هذه الأراضي في أواخر الحكم العثماني بشتى الطرق، حيث قام الفلاحون بتحريض من المرشد على طرد الإقطاعيين من أراضيهم والتصرف بها كما لو كانت لهم. وقد خشيت الأسر الإقطاعية، التي كان لها نفوذ على حكومة الاستقلال، أن تمتد هذه الحركة إلى المناطق المجاورة. وهكذا يتضح هنا، من عريضة الاتهام و سيرورة المحكمة، أن المرشد لم يعدم بسبب ادعاء الألوهية كما كان يشاع عنه طويلاً ولكن لأجل قتل زوجته أم الفاتح بعدما قرر الاستسلام لرجال الدرك الذين حاصروا قريته جوبة البرغال لكي لا تساء معاملتها كما كان يعتقد.
والمهم هنا أن صاحب الكتاب، الذي هو ابن سلمان المرشد، يوضح بجلاء أن سلمان اقتصر دوره على تنبيه سكان المنطقة على التخلف الذي كانوا عليهم وخلق منهم جماعة منظمة تمكن بفضلهم من النجاح في الانتخابات والوصول إلى البرلمان. فقد شق لهم الطرق التي أخرجتهم من عزلتهم الطويلة عن العالم، ومن ذلك الطريق الملتوي من الجبل إلى سهل الغاب الذي لا يزال يعرف بـ"طريق سلمان"، وشجعهم على إرسال أولادهم إلى المدارس حتى يتمكنوا من الالتحاق بالوظائف.
وفي هذا السياق فقد كان لسلمان دور مهم في تخليص سكان المنطقة من بعض العقائد المتوارثة كالاعتقاد بالترائي(القول بأن الرسول محمد والإمام علي وأولاده لم يكونوا من لحم ودم وإنما أنوار تتراءى على الأرض) وتقديس الشمس والقمر وتقديس بعض الأعياد (القوزلي والبربارا والصليب) وإبطال وراثة المشيخة حيث ربط المشيخة بامتحان يثبت فهم الشيخ المعمم بدينه إلخ. وعلى صعيد العلاقات الاجتماعية فقد كان له دور كبير في تخليص المرأة من الوضعية المهينة التي كانت تعيش فيها. فحسب النظرة الموروثة كانت النساء يعتبرن نجسات ولا يفضلن الحيوانات في شيء، ويحرمن حتى من أكل النذور.
وبعبارة أخرى فإن استقلال الجماعة دينياً عن النصيرية أو العلوية إنما تم بواسطة ابنه مجيب الذي أعلن الدعوة في25/8/1951م ولكنه اغتيل في منطقته في 27/11/1952م على يد عناصر أرسلت من قبل الحاكم الجديد لسورية أديب الشيشكلي، وهو الذي اتخذ موقفاً متشدداً من بعض الطوائف الدينية في سورية(الدروز والنصيرية والمرشدية) مما أدى إلى اغتياله لاحقاً في البرازيل التي لجأ إليها. ولذلك يمكن القول إن الدعوة إنما قامت واستمرت على يد الابن الثاني لسلمان المرشد(ساجي)، الذي سمحت له سنواته الطويلة بالعمل لنشر الدعوة بالدروس والأشعار حتى وفاته في1992م. ويلاحظ هنا أن ساجي لم يوص لأحد من بعده فاستمرت هذه الطائفة بدون رأس روحي، حيث إن الأخ الأصغر له(نور المضي) يتمتع فقط بمكانة محترمة في الطائفة باعتباره الابن الأصغر لسلمان المرشد وليس بمكانة دينية.
ويوضح الكتاب بالتفاصيل والوثائق الحملة المتواصلة التي تعرض لها أفراد الطائفة منذ 1956، ومرورا بفترة الوحدة 1958-1961 وفترة الانفصال1961-1963 وحتى الفترة الأولى من حكم حزب البعث 1963-1970. فقد كانت هذه الحملة تستند إلى المادة(307) من قانون العقوبات الصادر في1949، التي لم تطبق إلا على أفراد الطائفة. و تنص هذه المادة على أن "كل عمل وكل خطاب وكل كتابة يقصد بها أو ينتج عنها إثارة النعرات المذهبية أو العنصرية أو الحض على النزاع بين الطوائف ومختلف عناصر الأمة يعاقب عليه بالحبس من ستة أشهر إلى سنتين". ولا يوجد هنا تفسير للسبب الذي كانت فيه السلطات تطبق نص هذه المادة على المرشديين فقط من دون الطوائف الأخرى حتى 1965، حين أصبح حافظ الأسد وزيرا للدفاع. فقد أصدر الأسد آنذاك أمرا(ظهر في الكتاب لأول مرة) يطلب من رجال الأمن عدم توقيف أي مرشدي بالاستناد إلى المادة(207) " لما كان من سمّوا بالمرشديين إنما هم فئة من العلويين الذين يشكلون بحد ذاتهم طائفة يجب أن تحترم أراءها و أفكارها" و"لذلك تلغى جميع البرقيات والكتب والبلاغات السرية السابقة المتعلقة بتوقيف المرشديين".
ومع هذا الكتاب شاء المؤلف أن يقف عند سنة1970م، أي مع تسلم حافظ الأسد للسلطة. ومن الواضح هنا أن المرشديين لعبوا دوراً ما في الصراع الخفي/ العلني على السلطة في سورية ما بين جناح صلاح جديد وجناح حافظ الأسد الذي انتهى في13 تشرين الثاني1970م، نظرا لما قام به الأسد لأجلهم خلال1965-1970. ولذلك فإن الجزء الثاني الذي يغطي سنوات1970-1984م سيكون من الأهمية بمكان لأنه سيكشف عن جوانب خفية في تلك السنوات المهمة في تاريخ سورية، وهو ما نتمنى أن نطلع عليه في أقرب وقت.
 
أضواء على طائفة المرشدية
 
( سبق للدكتور محمد الأرناؤوط أن كتب عن المرشدية ،
ولفائدة القارئ الكريم نعيد نشر مقاله القديم بتاريخ 10/9/2005 بجريدة الغد الأردنية )
 
     في ربيع 2004 صدر في بيروت الجزء الرابع من مذكرات العماد مصطفى طلاس، وزير الدفاع المخضرم في سورية، الذي أثار اهتماماً كبيراً لكونه يتعرض لفترة الصراع على السلطة بين الشقيقين حافظ ورفعت الأسد في النصف الأول لعام 1984.
     ويوضح العماد طلاس في هذا الكتاب خفايا هذا الصراع وتطوراته، الذي انتهى في نيسان 1984 بانسحاب رفعت الأسد من سورية وفق اتفاق خاص. وفي هذا السياق ركّز العماد طلاس على موقف الطائفة المرشدية التي كانت تمثل مع الطائفة العلوية العمود الفقري لسرايا الدفاع وعددها 40 ألف جندي، التي كان يعتمد عليها رفعت الأسد، وكيف أن الموقف تحول فجأة بعد أن التقى الرئيس حافظ الأسد بأولاد الإمام سلمان المرشد، مؤسس هذه الطائفة، وأعلنوا الولاء له. ويعترف طلاس في كتابه المذكور أن إعلان ولاء أفراد الطائفة لحافظ الأسد قد شكل ضربة قوية لرفعت الأسد، حتى أنه يقول أن انسحاب أفراد الطائفة المرشدية من سرايا الدفاع "زعزع كيانها وهزّ بنيانها" (ص349).
    وقد تصادف أنه بعد عدة شهور صدر في مطلع 2005 كتاب جديد في بيروت يميط اللثام أكثر عن هذه الطائفة ألا وهو مذكرات أحمد السياف "شعاع قبل الفجر" التي حققها وقدم لها الباحث محمد جمال باروت. وعلى عكس الكتاب الأول، الذي لم يسمح له بالوصول إلى المكتبات السورية، فإن الكتاب الثاني حظي برواج كبير في الشهور السابقة مما أخرج هذه الطائفة لأول مرة من الظل والتعتيم إلى النور والتقييم.
     ونظراً لأن الأمر يتعلق بطائفة كبيرة نسبياً، لا تقل عن الدروز في سورية، وتنتشر من الشمال (شمال اللاذقية) إلى الجنوب (حوارن)، كما تروج حولها الغوامض أكثر من الحقائق، يصبح من الضروري والمفيد التعرف عليها عن قرب.
     تعود هذه الطائفة في بداياتها إلى سلمان المرشد (الذي يشتهر أكثر باسم سليمان المرشد) والذي يشاع عنه أنه ادعى الألوهية وأنه اعتقل لأجل ذلك وأعدم في نهاية 1946، وهو ما يأخذ به العماد طلاس نفسه ويكرره عدة مرات (ص347 وغيرها). ولكن جمال باروت في كتابه المذكور يكشف عن خلفيات سياسية لمحاكمة متسرعة للمرشد، الذي كان عضواً في المجلس النيابي عن محافظة اللاذقية، وأن قرار الاتهام والإعدام لم يتطرق أبداً إلى مسألة ادعاء الألوهية كما يشاع بل أنه أعدم بتهمة قتل زوجته والتحريض على قتل آخرين في المواجهة التي حصلت مع الدرك في قريته بنهاية 1946.
     والملاحظة الأولى المهمة أن المرشدية كطائفة دينية قد انبثقت اثنياً وليس عقيدياً من الطائفة العلوية، أي أن المرشديين كانوا في بدايتهم من العلويين من ناحية الدم والعادات والتقاليد، ولا يزال هؤلاء يشكلون الأغلبية بعد أن انضم إلى المرشدية أفراد من مناطق وأديان أخرى. ولكن من الناحية العقدية فقد استقلت المرشدية تماماً عن العلوية وأصبحت طائفة دينية مختلفة عنها لها عقيدتها وطقوسها الخاصة.
     والملاحظة الثانية هي أن سلمان المرشد (1907-1946) كان قد لفت الأنظار إليه في 1923 عندما بشّر بقرب ظهور المهدي لـ"يملأ الأرض عدلاً" ودعا إلى إلغاء الكثير من العادات التي تمس سيطرة مشايخ العلويين على أتباعهم. ومع أن المرشدية يجلونه كزعيم وإمام لهم، إلا أن المؤسس الحقيقي للدعوة المرشدية هو ابنه مجيب المرشد(1930-1952) الذي أطلق الدعوة باعتباره "القائم الموعود" في 22 آب 1951. ولذلك يعتبر يوم 25 آب هو العيد الوحيد عند المرشديين، الذي يستمر ثلاثة أيام (25-26 آب) ويحتفلون به في تجمعاتهم.
     وقد أشار مجيب قبل قتله في 27 تشرين الثاني 1952 في عهد أديب الشيشكلي -وبإيعاز منه كما يعتقد- إلى أخيه الأصغر ساجي المرشد باعتباره "الإمام ومعلم الدين". وبسبب هذه الظروف يعتبر ساجي المرشد (1932-1998) هو المؤسس الفعلي للطائفة المرشدية باعتباره بقي حياً حتى 1998، وهو ما أتاح له تأسيس "مدرسة الإمام ساجي" التي تخرج منها الكثير من الشباب الذين أخذوا المعرفة الجديدة منه وساهموا بدورهم في انتشارها.
     والملاحظة الثالثة أن الإمام ساجي لم يوص لأحد من بعده، ولذلك يقال عند المرشديين أن الإمام ساجي غاب ولم يمت انطلاقاً من المعتقد المرشدي بأن موت الإمام غيبه. ومع وجود الأخ الأصغر له النور المضيء، الذي لا يتمتع بأية مكانة أو سلطة دينية، لم يعد هناك مرجعية دينية أو "رجال دين" عند المرشدية بل هناك شخص يسمى "الملقن" الذي يتم اختياره من قبل الجماعة المرشدية في المحلة التي يعيشون فيها، والذي يقتصر عمله لمرة واحدة على تلقين طقس الصلاة لكل من يبلغ الرابعة عشرة من عمره ذكرا أو أنثى.
     والملاحظة الأخيرة تعتمد على أول عملين علنيين عن الطائفة وضعهما النور المضيء نفسه ("محاورات حول الحركة المرشدية" و"لمحة خاطفة عن الحركة المرشدية") حيث يتم التركيز على أن المرشدية "دين وليست حزباً سياسياً ولا برنامجاً اقتصاديا ... فهي تعتني بطهارة السريرة وليس بقوانين الإدارة" وبالاستناد إلى ذلك ينفي النور المضيء أي ادعاء للألوهية عند سليمان المرشد بل انه "بشر بقيام  المهدي، ونادى بقرب وفاء الله لوعده، وحضّر أتباعه لهذا الوعد"، وبذلك فهو "الإمام القائم الذي يقمه الله ليمثل رضوانه للناس حياة وعملاً ويتشخص في كل دور بشريا". ويبدو من هذين الكراسين أن المرشدية تنتمي للديانات الغيبية التي تعتبر الموت انتقالاً خلاصياً إلى حياة أخرى أسمى من الحياة على الأرض وخلاصاً من شرورها.
     وأخيراً تجدر الإشارة إلى أن أبناء الإمام سلمان المرشد (ساجي ومحمد الفاتح والنور المضيء) بقوا في الإقامة الجبرية حتى 1970، حيث كانت المرشدية ملاحقة وكان كل مرشدي يقر بمرشديته يعتقل ويحاكم بتهمة الانتساب إلى جمعية سرية. ولكن بعد 1970، وبالتحديد بعد تسلم حافظ الأسد للسلطة في سورية، أطلق سراح الإمام ساجي وأخويه محمد الفاتح والنور المضيء من الإقامة الجبرية واكتسبت الطائفة حرية الدعوة والحركة كبقية الطوائف. وربما هذا يفسر موقف أفراد هذه الطائفة مرة أخرى في الصراع على السلطة في سورية خلال 1984، حين أعلنوا ولاءهم لحافظ الأسد.
 
 
 
 
الاسم:  
عنوان التعليق: 
نص التعليق: 
خانة التحقق