كتاب الشهر\العدد الثامن والخمسون ربيع ثاني 1429 هـ
خلافات الصحابة: بين مبدأية الشنقيطي وسردية الغضبان
الأربعاء 9 أبريل 2008
خلافات الصحابة: بين مبدأية الشنقيطي وسردية الغضبان
 
 
[ نهدف من التعريف بهذين الكتابين فتح باب الحوار والنقاش حول الكيفية الأمثل لقراءة تاريخنا الإسلامي وأخذ الدروس والعبر منه لحاضرنا.
نقدر الجهد الذي بذله الأستاذ الشنقيطي وإن كنا لا نوافق على جميع ما توصل له من نتائج، كما أننا نوافق الأستاذ الغضبان على بعض ما جاء به وإن كنا نخالفه في طريقة الوصول إليه! الراصد]
  
خلافات الصحابة: بين مبدأية الشنقيطي وسردية الغضبان
محمد العواودة
 
في كتابه "الخلافات السياسية بين الصحابة" (مركز الراية 2004) فجر الباحث الموريتاني محمد المختار الشنقيطي " قنبلة أعماق " من الوزن الثقيل؛ لينسف بها الوعي السائد للتاريخ الإسلامي من جذوره؛ محاولا الوقوف على أسباب الأزمة التي عصفت بالعقل المسلم حسب زعمه منذ لحظة "صفين" التي نشأ منها الفقه السياسي الإسلامي مكيفا مع واقع القهر والاستبداد، محاولا من ذلك الوقوف على ملامح هدي منهجي وحقل معرفي جديد، حيث تجاوز هذا التكيف إلى النظرية السياسية الإسلامية، وهي المهمة التي مازالت عسيرة حتى اليوم.
يحدد الشنقيطي ابتداء أسباب الأزمة التاريخية في الوعي الإسلامي بلحظة الخلاف السياسي بين الصحابة رضوان الله عليهم، التي ترسخت في هذا الوعي بخلط بين هدي الوحي والوعي التاريخي العام في المرجعية، والتقصير في دراسة حياة السلف دراسة استقصائية تلم بالجوانب المضيئة التي لا تقف عند حدود سرد المناقب، وهو الأمر الذي يرجعنا إلى دراسة اصل الخلاف بعد عصر النبوة، أي "الخلاف السياسي بين الصحابة ".
 ولهذا العنوان مدلول كبير في ذهن المؤلف، ففيه قد حدد سلفا خطة الكتاب العامة، وهي؛ أنه ليس من مقصود المؤلف أن يخوض في أي نوع من التقييم أو المفاضلة بين الصحابة رضوان الله عليهم، وإنما أراد من ذلك تقييم المسار السياسي واجتهداتهم في هذا المسار الذي يحدد مقدار قرب اجتهاد احدهم من المبدأ الإسلامي أو مقدار بعده عنه، وهو ما يشبهه الشنقيطي بالقول - حتى لا يساء مقصد الكتاب - انه يشبه ما قال مسلم في صحيحه عند العرض لجرح الرواة " ليس من الغيبة المحرمة بل من الذب عن الشريعة المكرمة ".
 تأسيسا على ذلك، يحدد الشنيقطي إطاره المنهجي الجديد لقراءة التاريخ الإسلامي على أساس الدعوة إلى المفاصلة بين التأصيل الشرعي والوعي التاريخي الذي يمنح قدسية المباديء رجحانا على مكانة الأشخاص ، مع الاعتراف بفضل السابقين ومكانتهم في حدود ما تسمح به المباديء التي استمدوا مكانتهم منها ، قاصدا غربلة كل المفاهيم التاريخية المتعلقة في هذا الحقل على طريقة المناهج التاريخية السردية القديمة التي اشتغل عليها العقل الإسلامي منذ أزيد من قرن من الزمان ".
 وقد رأى الشنقيطي في كتاب " منهاج السنة " لابن تيمية وبعض فتاوية ما يعكس طموح كتابه ويحدد سير عمله في اقتناص القواعد المنهجية الاثنتين والعشرين كمنهج علمي وعملي ، سيما إنها جاءت من تحليلات عالم كبير صاحب ميراث علمي ضخم أهم ما يميزه في هذا المجال: العلم ، والعدل، والاتزان ، واستطاع أن يجمع إلى حد كبير بين الدفاع عن مكانة الصحابة والدفاع عن قدسية المباديء الإسلامية ، وهو ما أعيا الكثيرين وحتى  ممن ينتسبون إلى مدرسة شيخ الإسلام في هذه الأيام .
 لكن الشنقيطي، يلفت إلى أن الكتاب لا يخرج عن كشف الأصول المنهجية الكلية في التعامل مع تلك الخلافات لا الخوض بتفاصيلها وجزئياتها وقد أشار إلى بعض الأخطاء اليسيرة والقليلة في الرواية أو التحليل عند ابن تيمية بحسب وجهة نظره، لذلك فإن الشنقيطي رأى أن يدعم المنهجية التي اتبعها بمنهجية أخرى تعتمد ذات الأسلوب وهي " المفاصلة بين المبدأ الإسلامي ومكانة الأشخاص " منهجية أهل الحديث مفيدا من تحليلاتهم ، سيما الحافظين الكبيرين " الذهبي وابن حجر " .
على قائمة البحث، عرض الشنقيطي لمنهجية ابن العربي ومنهجيته في طرح الخلافات السياسية بين الصحابة وخصوصا حربي الجمل وصفين، ليكشف أن ابن العربي من أهم مؤسسي ما سمي مدرسة التشيع السني التي أحياها وجددها محب الدين الخطيب وتلامذته في العصر الحديث، وهي المدرسة التي يراها تميزت بالسطوة والشدة والتحامل على المخالف، ويحشد لذلك كثيرا من نصوص ممن انتقدو ابن العربي من أكابر علماء الإسلام كالقرطبي والسيوطي والشوكاني وابن حجر.
 وقد سجل بعض الملاحظات المنهجية على مدرسة ابن العربي أهمها:
أولا: " أحكام على النصوص " مثل إنكار ابن العربي أن مروان بن الحكم هو الذي قتل طلحة يوم الجمل، وإنكاره حديث " الحوأب " ودفاعه عن الوليد بن عقبة.
 ثانيا:" أحكام على الوقائع " كقوله إن عليا بايع بيعتين ؛ كانت الأولى  في سقيفة بني ساعدة والثانية بعد ستة شهور من توليه أبي بكر الخلافة،  وفي ذلك مخالفة لما في الصحيحين ،أو عرضه  لحوار معاوية وابن عمر حول بيعة يزيد بما مقتضاه أن ابن عمر تمنع عن بيعة يزيد، مع أن الخبر ليس له علاقة ببيعة يزيد ، إنما يتعلق في قصة اجتماع الحكمين بدومة الجندل.
 والثالث: " أحكامه على الرجال " كقوله في مروان ابن الحكم أنه عدل من كبار الأمة عند الصحابة والتابعين وفقهاء المسلمين ، حيث يرى الشنقيطي أن ابن العربي قد خلط في الخلاف الاصطلاحي في مفهوم العدالة ، عدالة الرواية أم عدالة السلوك ؟، إذ يرى أنه يصح في حق مروان عدالة الرواية دون عدالة السلوك ، وهذا الخلط واجهه أيضا في الثناء على يزيد ، عند عدم تمييزه بين شخصية يزيد ابن أبي سفيان ويزيد بن معاوية النخعي ، ونسبته – ابن العربي – قولا عن الإمام أحمد كان فيه ابعد ما يكون عن الدقة وإدخاله يزيدا في الصحابة .
وبعد ثلاث سنوات قدم " مركز الراية " كتابا للدكتور منير العضبان رد فيه على كتاب الشنقيطي تحت عنوان " جولات نقدية في كتاب الخلافات السياسية بين الصحابة " ابتداه بنقد حاد لمؤلفه ومقدمه الأستاذ راشد الغنوشي، وحتى ابن تيمية لم يسلم من نقد الغضبان؛ عندما لم يشخص الغضبان ابن تيمية من زاوية الظرف وضرورة العصر الذي عاش فيه، وهي نقطه مهمة لفهم السياق الفكري والعلمي الذي يضطر إليه إمام عصره. واقل ما نقوله في كتاب الغضبان أنه مارس نوعا من التحكم الملفت على متن الشنقيطي ليعطية مرونة في النقض والنقد ليرجع القاريء إلى الطريقة التاريخية السردية التقليدية المغلفة بالوعي العاطفي.    
باعتناق شيء من الأنا، لا يرى الغضبان الشنقيطي أهلا لكتابة مثل هذا الكتاب ، لأنه لا يتمتع بخصوصية المؤرخ التي يتمتع بها الغضبان نفسه ، وهذا صحيح من ناحية الاختصاص  ، ولكن الغضبان نسي أن الرجل قد جمع بين دفتي عقله كثيرا من علوم الأكابر بطريق الحلقات ، وصحبة العلماء  وبين الدراسة الأكاديمية ، كما أن تقديم كتابا مثل كتاب الخلافات السياسية بين الصحابة " والتنقيب عن المناهج؛ لا يحتاج إلى مؤرخ بقدر ما يحتاج إلى علوم أجادها الشنقيطي " كعلم الأصول، والحديث ، والجرح والتعديل ، إضافة إلى إطلاعه على التاريخ والمذاهب النقدية الحديثة ، فضلا عن تمتعه برؤية نقدية مميزة للتاريخ الإسلامي يلمسها قاريء الكتاب بيسر دون أن ننسى اختصاص الرجل في الفقه السياسي الإسلامي .
 وهذا ما يعكسه الغضبان على شخصية ابن تيمية أيضا في عدم قدرة الإمام في الاشتغال على استخراج المنهج، إذ يرى الغضبان أن الإمام ليس أهلا لذلك أيضا، لأن ابن تيمية فقيها ومفكرا وليس محدثا ومؤرخا، دون أن يلتفت الغضبان إلى أن اختصاص عالم كبير كابن تيمية بنسق فكري معين لا ينفي عنه براعته في غيره أو إجادته له، وإنما يقتضي الاختصاص حاجة العصر والظرف التاريخي لذلك العلم، كما برز الغزالي للفلسفة، والذهبي وابن حجر للحديث, والقرطبي للتفسير....
اتهم الغضبان الشنقيطي بالاضطراب والتناقض؛ بسب إشارة الشنقيطي لما سماه " هنات " ابن تيمية مثل نقد الشنقيطي دفاع ابن تيمية عن أهل الشام، إذ يعتبر الغضبان ذلك اضطرابا وتناقضا !
ويحاكم الغضبان الشنقيطي أيضا بنفس الطريقة عند عرضه لمنهجية أبو بكر ابن العربي ومحب الدين الخطيب وذلك حينما رآهما يغاليان بالدفاع عن يزيد ومروان ابن الحكم وأمثالهم، ثم يعود الشنقيطي ليصف ابن العربي بالعظيم حين يهاجم طلحة والزبير وعائشة وأصحاب صفين من أهل الشام، ويصف الغضبان ذلك بالهجوم الذي اقتضى التعرض للأشخاص المذكورين بالنقد، والرجل – الشنقيطي - بريء من ذلك، وكل ما قاله أنه فاصل بين رؤية عمار حيث أصاب المبدأ ورؤية عائشة رضي الله عنها إذ أخطأته، فتذكرت ورجعت وقالت لعمار ما قالته، وهو ما قصده الشنقيطي من المعالجة المبدأية للتاريخ ولم يفهمها الغضبان فرآها تناقضا وهجوما.
والهجوم كما يفهمه كل الناس، هو التشنيع والقدح، وهذا لم ينزل له الشنقيطي فضلا عن المفاضلة والتقييم الذي حظر من فهمه في مطلع كتابه ، إلا انه يمكن للقاريء أن يعذر الغضبان حين يكتشف انطلاقة من الفكرة المسبقة والانسياق نحو الفكرة التي  تخدمه في قراءته لمنهجية الشنقيطي وابن تيمية وكأن الغضبان لم يقرأ مقدمة الكتاب جيدا حيث المفاصلة المذكورة التي اتبعها ابن تيمية وحاول الشنقيطي تقعيدها وتأصيلها في إطار منهجي مميز ، ليخرج الغضبان بنتيجة مسبقة ،وهي إن هذا المنهج " يفتح الباب على مصراعيه  لتقويم الصحابة " ، حيث تأبى تحكمات الغضبان وأفكاره  المسبقة إلا القول أن مواقف الصحابة كلها وافقت المباديء ويجب نفي الروايات السقيمة التي تروي غير ذلك التي تقر بخطئهم العلمي في بعدهم عن المبدأ ومن دون علمهم أو تقصدهم ، ولكن على عادة الغضبان الذي أنساه التركيز على تجديد الوعي التاريخي على حساب المفاصلة المبدأية  أن معاوية أول ملك في الإسلام ، وهي مخالفة واضحة للمبدأ الإسلامي الذي وصى به النبي عيه السلام على أن تكون الخلافة على قيافة الوعي الراشد إلا أن تؤول كما يرى الغضبان في منافحته عن التأويل السياسي في سياق الخلاف بين الصحابة  .
فقد تناول الشنقيطي أهم قاعدة منهجية في كتابه وهي " اجتناب التكلف في التأول والتأويل " وقد اظهر الشنقيطي وجه المصيبة إلتي عجت منها الخليقة بالتكلف في التأويل، وقد أورد في ذلك نصا لابن القيم الجوزية أحد أبرز تلاميذ ابن تيمية يثبت مصيبة التكلف في التأويل، ولكن الغضبان عند رده هذه المسالة يعجز أن يفقه مراد الشنقيطي من التأويل، ثم يقول إن الشنقيطي لم يسوق لنا دليلا واحدا على هذه المزاعم، فكيف لمن يجهل شيئا يطلب دليلا على إثباته ؟! والادهى من ذلك واستتباعا لتحكماته – الغضبان - فأنه لم ينتبه لكلمة " تكلف " أي إن الشنقيطي قيد التأويل بالتكلف الذي تنحدر منه المصيبة حتى لا يظن أنه ينفي مجال معقولية التأويل في حدود المعطى الفضائي لأدواته المستنبطة من دلالات الشريعة، وهو ما لا بأس به.
يستمر الغضبان في خطأ استنتاجاته بالاعتراض على كلام الشنقيطي في مجال موضوع كتابه الذي شبهه بعمل علماء الآثار، ويقول الغضبان معلقا " هذا التشبيه صحيح لو كان تاريخنا بلا رواة وأحاديث وأسانيد وان الأحاديث النبوية تقدم اناره كافية " ليضيع الغضبان مقصدا آخر من الكتاب ، وهو اتخاذ جانب العبر من التاريخ لفهم الحاضر، وإصرار الغضبان على العمل التاريخي السردي من خلال الرواية النبوية والتحقق من الرواية وحدها– وان لم يستطع فعل ذلك في كتابه – وليس أدل على ذلك انه كان مازال يصارع في إثبات روايات ضعفاء الطبري ، أو رده على الشنقيطي بالقول إن " العبرة من قصص القران هي أن يربي الله أنبيائه ويذكر أخطائهم وليس من مهمتنا نحن البشر أن نتبارز في إبراز أخطائهم " وكأن قضية الشنقيطي  إبراز أو عدم إبراز ، ولم يعي إن الكتاب إنما  عرض لذلك للاستفادة من أن الخطأ الذي يأتي عندهم من  النزعة البشرية التي قد تبتعد عن المبدأ ، ولذلك كان يسددهم الله بالوحي للبقاء على المبدأ ، كما كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يحاولون تسديد أنفسهم  بالنظر إلى المباديء التي أسسها الوحي ، وهو ما سعى إليه الشنقيطي في منهجيته المبدأية طيلة عرضه للكتاب ، حيث لم يتلفت إلى ذلك الغضبان في كل تعليقاته ، بقدر ما كان همه محاولة إعادة  الطريقة السردية للرواية التاريخية .
 
 
 
 
 
الاسم:  
عنوان التعليق: 
نص التعليق: 
خانة التحقق