كتاب الشهر\العدد الثاني والستون شعبان 1429هـ
قراءة تاريخية في عقدية الجيش ونظام الحكم الطائفي في سوريا
السبت 2 أغسطس 2008
قراءة تاريخية في عقدية الجيش ونظام الحكم الطائفي في سوريا
قراءة تاريخية في عقدية الجيش
ونظام الحكم الطائفي في سوريا
محمد العواودة
 
 في محاولته النقدية " الجيش والسياسة في سوريا "، يثير الدكتور بشير زين العابدين قضية تفوق الوعي الطائفي على سؤال المواطنة والدولة في سوريا، واثر ذلك على المؤسسة العسكرية ونظام الحكم فيها منذ مرحلة الانتداب الفرنسي وحتى الفترة الراهنة، كما ويعرض للحظة التاريخية التي شكلت هذا الوعي،التي يحددها بانهيار الخلاف العثمانية، وعجز السلطة الفيصلية بعد ذلك، ومن بعدها الانتدابية، في تبني نظرية أيدلوجية ناضجة وبديلة.
فقد عمد الانتداب الفرنسي منذ دخوله سوريا إلى سياسة فرض الكانتونات الطائفية وإثارة النزعات الانفصالية فيها، حيث كانت ترغب هذه الأقليات في نفس الوقت تأكيد خصوصيتها بعد انهيار الخلافة العثمانية، وترسيخ انفصالها عن غالبية المجتمع السوري، كما عمل الانتداب على ترسيخ الثقافة الطائفية، وتضخيم مظالم أبناء الأقليات، وحشدها كمعارضة ضد الأغلبية السنية، ما أدى إلى عرقلة فرص تحقيق التجانس بين أبناء المجتمع السوري، وظهور هويات متعددة وانتماءات متضاربة داخل الكيان الجمهوري الذي زَرع فيه بذور الفتنة والانقسام.
وقد عُزز هذا الانقسام، تشجيع الانتداب ( 1920- 1945 ) على الانخراط في التشكيلات العسكرية التي اشرف على تدريبيها الانتداب ذاته مثل:"جيش الشرق" ، و" قوات الشرق " لأبناء الأقليات مثل: النصارى، والعلويون، والدروز، والاسماعليون، والنصيريون، والمتاولة...الخ ، وأردفه بتسليم أبناء الطوائف أرقى المناصب في الحكومات التي أمر بتكليفها، وتحريضهم على مقاتلة الأغلبية السنية التي كان جل صفوف المقاومة منها.
 كان لهذا الإرث القاتم الذي خلفة الانتداب امتداداته الزمنية فيما بعد خروجه لزعزعة الاستقرار في سوريا، إذ بقي الجيش رهينة بأيدي الأقليات، ما أدى إلى هشاشة النظام المدني في سوريا الذي كان تبعا لسياسات الجيش ، وهو ما يفسر بدوره، قيام ضباط الجيش بشن سلسلة من الانقلابات العسكرية لتسلم زمام الأمور في الدولة، وهو ما يفسر أيضا، انفراط عقد الوحدة مع مصر، وشمولية الحكم القائم في سوريا حتى اليوم، والانفاقات الضخمة التي كانت تنفق على الجيش، فقوة الجيش وتماسك الطائفة الحاكمة ، كانا يشكلان الركن الأساس في إطالة عمر أي سلطة تحكم سوريا، ومعيارا لقوتها وصيرورتها. 
كما كان للوضع الدولي القائم وتنافس القطبين الرأسمالي والاشتراكي أثره الآخر أيضا على سوريا، إذ بدأت تيارات يسارية تخرج على الساحة السورية تحت مسمى "الأحزاب التقدمية " مثل حزب البعث العربي الاشتراكي، والحزب القومي السوري، والحزب الشيوعي، وبدأت السياسة السورية تتجه بصورة متسارعة نحو اليسار على حساب الأحزاب الوطنية التقليدية، فقد شهدت سوريا خلال الفترة الممتدة من مارس 1963 وحتى نوفمبر1970 متغيرات كبيرة على الصعيدين المدني والعسكري في ظل هيمنة حزب البعث، حيث أصبح المشهد السياسي في سوريا أكثر دموية مكرَّسا بانقلاباته الثلاث، ومحاولات الانقلاب الثلاث الأخرى،  والتصفيات التي طالت فئات كبيرة من المجتمع السوري، واستخدمت فيها أسلحة الجيش ومدرعاته على نطاق واسع في المدن السورية.
أما على الصعيد السياسي، فقد تبنى البعث سياسة تهدف إلى ترسيخ حكم الحزب الواحد، وإلغاء جميع الأحزاب الوطنية التقليدية، وتحقيق دمج كامل بين مؤسسات الحكم المدني والجيش، وثم تنفيذ هذه السياسات من خلال قالب ايدولوجي واحد يرتكز على مبدأ " الجيش العقائدي " وترسيخ البعث كحزب قائد للدولة والمجتمع.
نتيجة لهذه المتغيرات التي طرأت على صعيد العلاقات بين الحكم والجيش فقد تغيرت مراكز القوى في المشهد السياسي السوري فلم يعد لرئاسة الجمهورية أو رئاسة الوزراء أو رئاسة البرلمان تلك الأهمية السياسية، بل انتقل النفوذ الفعلي إلى الأجهزة الحزبية التي تمتعت بصلاحيات أوسع من المؤسسات الدستورية مثل: " مجلس قيادة الثورة، والقيادة القومية، والقيادة القطرية، واللجنة العسكرية، ورئاسة الأركان، وأصبح بذلك رؤساء الجمهورية والحكومة والبرلمان، مجرد شخصيات هامشية يتم تعيينهم من قبل الزعامة الدينية والقيادة العسكرية لحزب البعث.
لعبت اللجنة العسكرية دورا أساسيا في رسم سياسة الحزب والسيطرة على أجهزته، حيث يعزي إليها الانقلابات التي عصفت بسوريا منذ الفترة 1963-1970 والتصفيات الواسعة داخل الحزب في تلك الفترة، التي كان يشكل نواتها خمسة من الضباط جلهم من العلويين، انضم إليهم آخرون من مختلف الطوائف فيما بعد، وكان من بين هؤلاء الضبط الخمسة النقيب حافظ أسد، جمعهم السخط على ميشيل عفلق، والموقف السلبي من موضوع الوحدة بين سوريا ومصر، وتكريس التنافس الطائفي الذي قامت اللجنة العسكرية بإذكائه، من خلال استدعاء الضباط وضباط الصف الذين تربطهم أواصر عائلية أو عشائرية لتعضيد مراكزهم في الجيش، سيما من النصيريين الشيعة الذي كان لهم النفوذ الأوسع بعد انقلاب مارس 1963.
في غضون هذه الفترة قامت اللجنة العسكرية أيضا بتقوية نفوذها حول العاصمة دمشق، من خلال سلسلة إجراءات انقلابية داخلية استهدفت إبعاد الضباط السنة من المواقع الحساسة في العاصمة، واستبدالهم بضباط علويين، وتجنيد عدد كبير من العلويين في الفرق العسكرية ذات الأهمية الإستراتيجية، إذ تشير الدراسات أن التنسيب الطائفي في الجيش بلغ ما نسبته سبعون في المائة من العلويين وفصائل الشيعة الأخرى، كالنصيرية، والإسماعيلية والمرشدية،وبعض الطوائف والأقليات الأخرى الموالية لها.
بعد سلسلة من الأحداث، بدأت باحتدام الصراع الطائفي داخل اللجنة العسكرية ذاتها، مرورا بالصراع بين أمين الحافظ " سني" وصلاح جديد " نصيري " حيث انحاز حافظ أسد إلى تكتل صلاح جديد، وانتهاء بالمعركة التي خاضها الجيش العلوي ضد الضباط السنة بهدف القضاء عليهم، ومن ثم هزيمة هذا الجيش  في يوليو، 1967، برز نجم حافظ أسد بعد انقلابه على نور الدين الاتاسي، وتوليه  مقاليد البلاد عام1971، لتتخذ السياسة في سوريا منحنا آخر أكثر وعيا بالمرتكز الطائفي، والبعد العائلي على مستوى السلطة بشقيها العسكري والمدني.
فقد عمل حافظ منذ توليه مقاليد السلطة في سوريا على فرض نظام حكم يقوم على الدمج بين حزب البعث والقوات المسلحة للهيمنة على مؤسسات الحكم المدني، وإعادة ترسيخ الإرث الفرنسي، المتمثل في قيام نظام حكم مدني ضعيف وأحزاب سياسة لا تملك نظرية سياسية ناضجة في مواجهة مؤسسة عسكرية تبسط نفوذها على كل الأجهزة المدنية، بالاستناد على الأقليات الطائفية، الأمر الذي أدى فيما بعد إلى تفجر الأوضاع في سوريا في يونيو سنة 1980 وقيام الجيش العلوي السوري بقمع الأخوان المسلمين، إذ ترسخ في هذا العمل العسكري الوعي الطائفي بقوة عندما بادر هذا الجيش بارتكاب مجازر جماعية وضرب السجون التي جمع فيها الآلاف من الشوارع بالدبابات.
لقد أوغل نظام حافظ أسد في ترسيخ خصوصية الطائفة النصيرية، حيث عمد الضباط العلويون بالتنسيق مع الاستخبارات الإيرانية، لتشكيل ميلشيات طائفية في لبنان على شاكلة مجموعة المرشديين، وجمعية المرتضى، وحزب الله أخيرا، تزامن ذلك مع قيام الأجهزة الرسمية باستقدام رجال دين شيعة من لبنان من اجل الوعظ في القرى السورية، كما تمكنت إيران من تأسيس وجود مرجعي لها في دمشق، ومكاتب تمثل آيات قم وطهران، في الوقت الذي يعاقب فيه كل من ينتمي إلى جمعية دينية سنية، كما عمدت المخابرات السورية إلى إرسال مجموعات من الشباب العلويين إلى إيران لتلقي التعليم فيها، وهو ما يفسر بدوره عقائدية هذا الجيش وطائفية الدولة التي تكرست في وقوف أسد مع إيران في حربها مع العراق سنة 1980، الذي كانت تربطه معها أمشاج عقدية متينة، مخالفا في ذلك الإجماع العربي ومباديء حزب  البعث الذي أنجبه، وشعاراته القومية التي أوصلته إلى القرار السياسي والسلطة فيما بعد.
رغم كل الانتقادات التي يصبها الباحث طيلة صفحات الكتاب على بنية الجيش السوري وتكوينه العقدي وتهميشه للحياة المدنية في سوريا، منذ مراحل تأسيسه في عهد الانتداب وحتى الفترة الراهنة التي مازال فيها الجيش محافظا على بنيته العقدية الطائفية؛ حيث عمل حافظ أسد على تقويتها بمنحنى أكثر حدة، من خلال دمجه بين السلطات في كيان الحزب، مستندا على البعد الطائفي والأسري، وتكريس مفهوم الزعيم الواحد، والحزب الواحد، من أجل إطالة عمر النظام، إلا أن زين العابدين يعترف بالدهاء السياسي التي كان يتمتع بها حافظ أسد، من خلال قدرته على الجمع بين المتناقضات، وتفويت الفرص على خصومه، وهو ما يراه غير قائم في سياسة ابنه بشار، الذي انتهج السياسة العقدية المطلقة، الملتفة حول إيران وحزب الله، ما أبقى سوريا في عزلة دولية، وقطيعة عربية، لا تبشر بتلبية طموحات الشعب السوري والشعب العربي في المنظور البعيد.   
 
 
 
 
 
الاسم:  
عنوان التعليق: 
نص التعليق: 
خانة التحقق