"عيد النيروز ": الأسطورة والتاريخ والموقف الإسلامي
الأحد 31 أغسطس 2008
"عيد النيروز ": الأسطورة والتاريخ والموقف الإسلامي
"عيد النيروز ": الأسطورة والتاريخ والموقف الإسلامي
محمد العواودة - خاص بالراصد
 
عيد النيروز كما في العربية، أو " نوروز " كما في الفارسية والكردية، هو من أشهر الأعياد التي عرفها الشرق وأقدمها، وكما هو معروف، فإن النيروز يتصادف قدومه مع بداية شهر الربيع في (21 آذار) في أول السنة الشمسية عند الكرد والفرس، حيث تسود فيه مظاهر البهجة والسرور والشعور بالأمل في تجديد الحياة نحو الأفضل، كما يكون ذلك في الحواضر والثقافات الإنسانية الأخرى التي تحتفي بقدومه وتعتقد به.
التصق عيد النيروز في الوعي واللاوعي المشرقي القديم بالأسطورة التي كرستها خيالات تلك الثقافات سيما الكردية والفارسية، التي كانت تتماشى مع الذوق الديني الأسطوري العام في الثقافات الإنسانية المتحرفة عن الديانات السماوية، والتي كانت تمثل للصراع بين قوى الظلام والنور، أو الخير والشر، أو الفضيلة والرذيلة. ولكن ما هي الجذور التاريخية التي تربط الخيال الفارسي والكردي بالثقافات الأسطورية الإنسانية الأخرى؟ وهل من مقاربة تشي بعلاقة ما  بين الأسطورة والحقيقة ؟ وهل ثمة دلائل فعليه تظهر بان النيروز احتل مساحة من الوعي الثقافي العربي؟ والاهم من ذلك، ما هو موقف الإسلام من " النيروز" ؟
هذه الأسئلة يحاول أن يجيب عليها عبد الكريم شاهين في كتابه "عيد نوروز: الأصل التاريخي والأسطورة "( دار الزمان 2008)، فيبين ابتداء أن كلمة " نوروز " هي كلمة مركبة من "نو": بمعنى جديد، و" روز " بمعنى يوم، فيصبح المعنى مكتملا " يوم جديد " والمقصود منه، انه يوم حظ وتنزه، وإذ يتفق الكرد والفرس على الشهر واليوم الذي يبدأ فيه النيروز، فإنهم يختلفون حول الأسطورة التي جعلت من النيروز عيدا، فكل من الخيالين ينطلق من أسطورة خاصة به.
فالأسطورة الفارسية تقول: أن ملكا كان اسمه "جمشيد بن طهمورث" احد ملوك إيران القدماء، وقد سخر للملك جمشيد من الملك ما لم يكن لأحد من قبله، فتنقل بمركبة في أطراف الأرض، ووضع الجن تحت إمرته، وطار إلى كل الممالك على سرير مرصع بالجواهر حمله الجن في أول يوم من السنة وقت حلول الشمس في برج الحمل، فسر سرورا عظيما، وانتشى بأقداح الخمر الصوفي الإلهي، فعرف ذلك اليوم بـ" النوروز "، ليبقى عرفا مقدسا لدى شعوب إيران.
أما الأسطورة الكردية فتقول: أن ملكا كان اسمه "سرجون" الملقب بالضحاك، وكان ملكا ظالما، وكان يذبح كل يوم عددا من خيرة الشباب من أجل أن يشفى من مرضه عملا بنصيحة مستشاريه من الأطباء والحكماء، فقام رجل كان يعمل حدادا اسمه " كاوا " بثورة على الملك مع مجموعة من الشباب الأقوياء، وأضرموا النار على جبال ووديان كردستان ليعلنوا نهاية حكم الملك الظالم، وبدء يوم جديد من الحرية والتخلص من الاستبداد والعبودية، وهذا كان قد تصادف مع دخول الشمس في برج الحمل وحدوث الاعتدال الربيعي.
 كما يبدو، فالرواية الفارسية تختلف عن الرواية الكردية، ولكن هذا الاختلاف في الرواية لا يعده شاهين أمرا غريبا، لأن ثمة سمات مشتركة في تداول الأساطير والعقائد بين الشعوب السامية واللاسامية التي تجمعها خصائص حضارية مشتركة، فشخصية "الضحاك" في الأسطورة الكردية وبعض الأساطير الفارسية والأساطير الآرية والشهنامة، تجمع بأن هذا الملك كان ملكا جبارا يرمز إلى الشر، كما ويوازي اسم "كاوا" الثائر على الظلم اسم "فريدون" في بعض الأساطير والثقافات الأخرى.
فبالموازاة مع ما سطره الضحاك وكاوا في الأساطير الكردية والفارسية، ثمة معركة دار سجالها بين "مارا" روح الشر، و"هاتا" الحكيم في الأسطورة البوذية، انتهت بانتصار هاتا، وكذلك في الصين مع "بانكو" وفي الأسطورة الأرمنية بين الملك الصالح " ديكران " والطاغية "اجدهاك الميدي" وفي الأساطير البابلية بين " مردوخ " و " تيامو " وعند المصريين القدماء بين "أبيب" ثعبان الفسق، وبين "اله النور والشمس" وهكذا استمر تكريس الصراع في الأساطير القديمة على معارك دارت رحاها بين قوى النور وقوى الظلام، ومع تشابه هذه الأساطير في الثقافات القديمة كانت مراسم وطقوس نيروز تتشابه كثيرا مع كافة الأعياد المعروفة في العالم القديم، فكانت مراسم الملك جمشيد في احتفالات النيروز تتشابه كثيرا مع احتفالات ملوك الفرس والعجم والساسانيين في العهد الأسطوري في فصل الربيع، الذي أدى إلى نشوء العقيدة الخاصة بالحياة بعد الموت، حيث ارتبط هذا الفهم بوجود الإله،مثل "اوزويس" عند المصريين، و " تموز " عند السومرييين و "أدونيس " عند الفنيقييين .
يرى شاهين، أن نيروز لم يظهر في الثقافة العربية إلا متأخرا، بعد قيام الدولة العباسية تحديدا التي قامت على أكتاف الأعاجم، ولكن هذا لا يمنع وجود شعراء تغنوا بالنيروز في العهد الأموي وإن كان قليلا، مثل: الشاعر إسماعيل بن عمار، إلا أن العهد العباسي كان فيه نيروز عيدا رسميا للدولة، ومكان فرح للجميع، حيث يجد شاهين مادة ثرية في الأدب العباسي تدلل على ذلك في بعض أشعار البحتري، والشريف الرضي، والمتنبي، وابن الرومي، وأبو تمام، وأبو نواس، وابن المعتز، وغيرهم من شعراء العصر العباسي، أما في الأدب العربي الحديث، فيدل ببدر شاكر السياب في قصيدته "وحي النيروز" التي كرسها للموضوع الإنساني، والثورة، والوطن، والتلاحم بين الشعب الكردي والعربي ضد الاستعمار.
ترتد إذن فكرة النيروز كما يخلص الكاتب إلى فكرة انتصار الخير بعد صراعه مع الشر الذي عبرت عنه الأساطير القديمة بالصراع بين النور والظلام، فالنور هو مقصد الخير وهو المعنى الذي يرتبط بالنيروز، كما حاول أن يكرس لذلك شاهين طيلة صفحات الكتاب، ولكن الكاتب يرتكب خطأ كبيرا عندما حاول تجاوز مهمته التأصيل التاريخي لأسطورة النيروز إلى التأصيل العلمي والديني، ففي السياق العلمي الطبيعي، حاول شاهين أن يربط بين الأسطوري والعلمي بين متناقضات متفككة عن السياق، فيربط مثلا بين النيروز، ونور الله تعالى، والنظرية النسبية الخاصة، وهيروشيما ونغازا كي، حيث يرى أن الإشعاع الذري هو أصل الطبيعة والخلية التي منها قد نشأنا، أي "الخلية النورانية" التي انبثقت من نور الله في النيروز.
أما في السياق الديني، فقد حاول شاهين الربط بين مدلولات قرآنية ونبوية على حوادث أسطورية في الكتاب منزوعة عن السياق، محاولا في ذلك الوصول إلى رؤية مجازية ومقاصدية تكرس للتماثل بين الديني والأسطوري، منطلقا من مرتكزات دينية مؤصلة في العهد القديم الذي يستمد قدسيته أصلا من الأساطير الشعبية كما هو معروف، ابتداء من محاولته المشابهة بين مُلك جمشيد ومُلك سليمان عليه السلام، مرورا بالخواتيم الفصلية لأحاديث نبوية للمقاربة بين مقصد الأسطورة ومقصد الدين، ليصل في النهاية إلى القول " أن عيد النيروز هو العيد الذي خلق الله فيه النور لأول مرة، ثم بث الحياة في كل أرجاء المعمورة من هذا النور بأمره سبحانه وتعالى"، مستدلا بالآية الكريمة "الله نور السماوات والأرض ..." بل ويعتقد أن النيروز هو نور محمدي، مستنبطا ذلك من حديث " أول ما خلق الله نوري" يريد أن نور النيروز مستمد من نور الله أو نور النبي عليه السلام، بل ويجد شاهين في الشعر الصوفي المنحرف كشعر الحلاج خير دليل على هذا الترابط.
أما مقدم الكتاب الملا عبد الله رشيد الغرزي، فيرى في فتوى تحريم النيروز عند ابن تيمية ومن سار سيره من علماء السلف بحجة ارتباطه بالميراث الأسطوري والوثني اجتهادا غير صائب، بل يذهب الغرزي إلى أن النيروز "سنة" يجب العمل على أحيائها، لأنها تذكار لردع الظلم ودفعه، فهو باعتبار المعنى والمقصد الديني حسن، عملا بالقاعدة الفقهية "العبرة بالمقاصد والمعاني لا بالألفاظ والمباني" !!!؟   
      
 
 
 
 
الاسم:  
عنوان التعليق: 
نص التعليق: 
خانة التحقق