الإسلاميون التقدميون .. عن وجه آخر للفكر والسياسة في إيران
الأحد 31 أغسطس 2008

الإسلاميون التقدميون .. عن وجه آخر للفكر والسياسة في إيران

عرض: سمير محمد شحاته - عن مجلة السياسة الدولية ـ يوليو 2008
( هذا الكتاب صدر عن مركز الدراسات السياسية والاستراتيجية بصحيفة الأهرام المصرية ،
سنة 2008 وهو من تأليف د. وليد محمود عبد الناصر) الراصد
 
يناول هذا الكتاب في 7 فصول وخاتمة، ما اصطلح على تسميته بالتيار الإسلامي التقدمي في إيران على الصعيدين الفكر والسياسي، ويعرض الكتاب بشكل خاص لتطور هذا التيار وفكره ونشاطه السياسي خلال الفترة ما بين الحرب العالمية الثانية وحتى وقتنا الراهن، وإن كان هذا الكتاب سيركز بالذات على المفكر الراحل الدكتور علي شريعتي، ورجل الدين الراحل آية الله سيد محمود طلقاني، ومنظمة "مجاهدي خلق إيران" كممثلين أساسيين لهذا التيار في إيران في الفترة موضع الدراسة.
فتناول المؤلف في الفصل الأول المعنون "ثلاثة على الطريق" ثلاث شخصيات يعدهم جزءا من هذا التيار وهم: أحمد قصراوي وجلال الأحمد اللذان غلب على نشاطهما الجانب الفكري، والدكتور أبو الحسن بني صدر، الذي جمع بين العطاء الفكري والسياسي بشكل متوازن، وهو أول رئيس للجمهورية الإيرانية الإسلامية. وعرض المؤلف للأسباب الموضوعية التي تتصل بمحتوى الطرح الفكري والمشروع السياسي والاقتصادي والاجتماعي والثقافي والديني لدى كل من الشخصيات الثلاث والدور الفكري والسياسي للتيار الإسلامي التقدمي في إيران، باعتبارهم مثلوا ـ بشكل أو بأخر ـ إسهاما في مسيرة هذا التيار وفي تطوره المعرفي والأيديولوجي، بحثا عن صياغة بديل آخر في إيران، يكون إسلاميا وتقدميا في آن واحد، ويكتسب الانسجام والتناغم الداخلي بين مكوناته، ومصداقيته مع ذاته ومع الشعب الإيراني، وبالتالي القاعدة الشعبية المؤيدة له واللازمة لترجمة هذا المشروع الفكري والبرنامج السياسي إلى واقع ملموس.
وفي الفصل الثاني. قدم المؤلف عرضا شاملا وموجزاً لحياة الراحل الدكتور علي شريعتي (1933ـ 1977)، وللسياق السياسي والاجتماعي الذي كان يطرح فيه فكره وكتاباته ونشاطه وذلك أملاً في أن يسهم هذا العرض في تحسين قدرتنا على التعرف على فكر شريعتي وتحليله بشكل نقدي يسمح بإدراك البعد الإسلامي التقدمي في المشروع الفكري لشريعتي، أو إطار التأثيرات الفكرية التي تعرض لها، أخذا في الاعتبار الظروف السياسية والأوضاع الاجتماعية والثقافية التي كانت سائدة في إيران خلال حياته، وهي مسئولية علمية وموضوعية، فكرية وتاريخية، يتعين القيام بها لتعريف الكثيرين بالطابع الإسلامي التقدمي لفكر شريعتي، وإلى أي درجة مثل فكرة مشروعا بديلا للمشروع الفكري الذي جسده الراحل أية الله الخميني، وأثر في آخرين من أبناء النخبة السياسية والثقافية.
وأشار المؤلف إلى أن الدكتور علي شريعتي كان على معرفة متعمقة بالتاريخ والفلسفة العربية مع وعيه الذاتي بدينه وتقاليده، وبالتالي كان الأجدر على إدماج الفكر الراديكالي في الغرب والعالم الثالث مع المبادئ والتقاليد الشيعية، إلا أنه انتقد الأفكار الأجنبية بنفس القدر الذي انتقد به الأفكار الإسلامي التقليدي، فقد انتقد المفكر العالم ثالثي لفرانز فانون، خاصة دعوته لشعوب العالم الثالث للتخلي عن تقاليدها الدينية، حتى تتمكن من الانتصار في نضالها ضد الإمبريالية الغربية. ورغم أن البعض ذكر أن شريعتي كرس حياته لمهمة إدماج الاشتراكية مع المبادئ التقدمية الموجودة في المذهب الشيعي، فإن الواقع يؤكد أن هدف شريعتي كان جعل الأصالة وسيلة للتحرير والتغيير، ولهذا الغرض، استخدم شريعتي كافة المفاهيم والأساليب وأدوات التحليل التي وجدها مفيدة له في تلك المهمة، مهما تعددت مصادرها ولم يكن كافيا بالنسبة لشريعتي أن يقول إن المسلمين لديهم القرآن والسنة، بل كان من الضروري فهم جوهريهما ودراسة ما هو موجود لدى غير المسلمين في بقية أنحاء العالم لمعرفة ما قد يفيد المسلمين ويتفق مع مبادئ الإسلام.
وأشار المؤلف في الفصل الثالث "الإجابة على سؤال: هل يوجد رجل دين إسلامي شيعي تقدمي؟"، إلى أنه رغم كثرة ما كتب وذكر عن ثورة عام 1979 في إيران، فإن الكثير من جوانب هذه الثورة لا يزال بعيداً عن متناول الباحثين، ومن بين تلك الجوانب شخصيات لعبت أدواراً رئيسية، سواء في الإعداد للثورة على المستويين الفكري والحركي، أو في قيادتها وفي المراحل التي تلت انتصار هذه الثورة. من هذه الشخصيات هو أية الله سيد محمود طلقاني (1911 ـ 1979) الذي عرض هذا الفصل لأهم أفكاره وممارساته في محاولة لاستكمال حلقة جديدة من حلقات فهم الثورة الإيرانية، فكراً وأحداثا، خاصة من منظور إسهامه في صياغة طرح إسلامي تقدمي في الحياة الفكرية والسياسية الإيرانية.
وكان تعريف طلقاني للجهاد متصلا بتفسيره الممتد عالميا لمفهوم "المستضعفين" وبتفسيره السياسي والاجتماعي لأسباب الحروب إلا أنه كان يعني دائما أولوية الحفاظ على قوة الثورة الإيرانية كقوة دعم لثورات المستضعفين على مستوى العالم، كما كان طلقاني صارما في عدائه للاستعمار بكافة صوره، ولإسرائيل، خاصة من حيث ربط هذا العداء بأسباب داخلية في إيران، سواء كانت أحداثا أو مشكلات بعينها. فقد تنازعت اختيارات طلقاني فكرة الإجماع والانسجام والتناغم بين كافة القوى السياسية والاقتصادية والاجتماعية تحت قيادة إسلامية من جانب، ومفهوم الصراع بين الأضداد من جانب آخر.
وخلص المؤلف في الفصل الرابع المعنون "التيار الإسلامي التقدمي في إيران بين الفكر والحركة" إلى أن غياب التصور المؤسسي الشامل الذي يجسد أيديولوجية مجاهدي خلق كان عاملا في فشل المشروع السياسي لمجاهدي خلق ورؤيتها الإسلامية التقدمية، وبالمقابل في انتصار خصومها الذين بلوروا وطبقوا هذا التصور سريعا، وهو ما يكشف عن أن المنظمة لم تستفد من دراسة التجارب الثورية السابقة التي أظهرت أهمية دور الأطر المؤسسية في ترجمة الأهداف الأيديولوجية وتنظيم صفوف المؤيدين وضمان التزامهم.
وفي نهاية الفصل، أشار المؤلف إلى أن تجربة مجاهدي خلق في إيران تثبت بما لا يدع مجالا للشك أن الأديان في حد ذاتها لا توجه لليمين أو لليسار، وإنما الأمر يتصل بالقوى التي تحمل لواء الدين في المعترك السياسي وانتماءاتها ومصالحها العقائدية والاجتماعية والاقتصادية والإطار العام الذي تتحرك فيه.
وتناول المؤلف في الفصل الخامس "قراءة في فكر الرئيس السابق محمد خاتمي" موضوع الحوار بين الحضارات، الذي يشير فيه خاتمي إلى ضرورة أن يتأسس هذا الحوار على أساس المساواة بين الدول والشعوب والاحترام المتبادل، ويبرر أن الدعوة للحوار جاءت من العالم الإسلامي، مما يعكس الثقة بالنفس، ولكنه يقر بوجود مشكلات تواجه العالم الإسلامي، أبرزها غياب الوحدة عنه لأسباب داخلية وخارجية والتناقض المزعوم بين العقل والنقل، وسعي بعض المسلمين للعودة إلى الماضي وهو ما يشكل نزعة رجعية.
وينتقد خاتمي ضمنيا إقصاء قوى عديدة خلال مسيرة الثورة الإيرانية بحجة أن رؤيتها للإسلام اختلفت عن الرؤية السائدة، كما ينتقد من سعوا لاستبعاد المرأة من أماكن العمل والدور السياسي، وأدان دور بعض رجال الدين في التأثير على الإمام الخميني بشأن هذه المسائل، واصفاً إياهم بالرجعية والدوجماطيقية.
وتتسم معالجة خاتمي للمشكلات الراهنة للمجتمع الإيراني بالتباين نظراً لتنازع طبيعته كمفكر ومثقف ينتمي أصلا للتيار الإسلامي التقدمي، ثم كزعيم لتيار عريض يضم فئات كثيرة تجتمع تحت راية "الإصلاحيين"، وأخيراً كرئيس للجمهورية في ظل حكم توجهه محددات عديدة، في مقدمتها نظرية "ولاية الفقيه".
وتناول الفصل السادس التيارات التقدمية من منظور تاريخي مقارن ، تيار يساري البلشفيك في روسيا السوفيتية والتيار الإسلامي التقدمي في إيران، مقارنة أراء ومواقف اليسار البلشفيكي خلال الثورة الروسية والتيار الإسلامي التقدمي خلال الثورة الإيرانية فيما يتصل بقضايا بعينها وتطورات لحقت بالحالة الثورية في البلدين، وترتبط بالحالة الإقليمية والدولية القائمة في زمن كل منهما. وهناك عوامل ضعف نجدها في اليسار البلشفيكي في روسيا دون حالة التيار الإسلامي التقدمي في إيران، ومن ذلك الصراعات ذات الطابع الشخصي أو الفصائلي التي دارت، والتي خدمت فقط مصالح منافسيهم اللينينيين. كما أن التزام اليسار البلشفيكي وإصراره على الاستمرار داخل صفوف الحرب اللينينين أسهما بشكل سلبي على تأثير اليسار على هامش حرية الحركة المتاح لها. كما أثبت في نهاية المطاف أنه يصب لصالح لينين الذي كان في الأساس مناضلا من أجل سيطرة الحرب، كما أثبت هذا الموقف أنه شكل ضربه قاضية لليسار البلشفيكي.
وأشار المؤلف في الفصل السابع والأخير من الكتاب والمعنون "رؤية مقارنة للتيار الإسلامي التقدمي في إيران بين ثلاثة عهود" إلى أنه في ظل ما يمكن اعتباره المرحلة الانتقالية التي مر بها نظام الجمهورية الإسلامية في إيران، منذ نجاح ثورة فبراير 1979 عقب انتخاب الرئيس محمد خاتمي المنتمي للتيار الإسلامي التقدمي داخل المؤسسة الدينية الحاكمة لرئاسة الجمهورية في مايو 1997، والتي يجوز أن نطلق عليها مرحلة التحول من الثورة إلى الدولة وبناء مؤسساتها، سواء خلال الفترة الأولى للثورة أي ما بين 1979 و 1981، أو في فترة الولاية الثانية للرئيس الأسبق علي أكبر هاشمي رافسنجاني ما بين 1993 و 1997 خاصة الفترة التي انتهت بالانتخابات النيابية ل "المجلس" (البرلمان) الإيراني في 8 مارس 1996، أو خلال فترة حكم الرئيس السابق خاتمي.
وختاما، فإن تجربة التيار الإسلامي التقدمي في إيران أثبتت ـ بما لا يدع مجالا للشك ـ أن الأديان ليست في حد ذاتها أفيونا للشعوب، ولا هي أيضا دعوات ثورية، وإنما يتحدد دورها السياسي ـ إلى حد كبير ـ بناء على القوى التي تحمل لواء هذا الدين وأفكارها ومصالحها، بالإضافة إلى الإطار الفكري والسياسي والاقتصادي والاجتماعي المحلي والإقليمي والدولي الذي تتحرك داخله.
 
 
 
 
 
الاسم:  
عنوان التعليق: 
نص التعليق: 
خانة التحقق