كتاب الشهر\العدد الرابع والستون شوال 1429هـ
"الحداثيون العرب" ومناهجهم في نقد وتفسير القرآن الكريم
السبت 4 أكتوبر 2008
"الحداثيون العرب" ومناهجهم في نقد وتفسير القرآن الكريم
"الحداثيون العرب" ومناهجهم في نقد وتفسير القرآن الكريم
محمد العواودة
خاص بالراصد: 
الإسلاميون الجدد، أو قراء النص الديني الجدد، أو الباطنيون الجدد، توصيفات مترادفة، تطلقها التيارات الإسلامية المحافظة على آخر نسخة من العلمانيين العرب، الذين لبسوا الجبة الإسلامية وأخذوا على عاتقهم تقويض البنى المفاهيمية للفكر الإسلامي من الداخل، بعد أن فشل أسلافهم في تقويضها من الخارج ببدائل عقدية وأيدلوجية مستوردة تتربع على عرشها الماركسية بدعوى الحداثة.
ومصطلح الحداثيون العرب، الذي يطلقه الدكتور الجيلاني مفتاح، الأستاذ في الجامعة العالمية الإسلامية في ماليزيا على هذه الظاهرة في محاولته النقدية الجادة بعنوان " الحداثيون العرب والقران الكريم " ( دار النهضة، 2006 )، هو مصطلح يتواطيء مع تلك التوصيفات السابقة، حيث يحاول مفتاح أن يتصدى بالتحليل والنقد؛ لسبر أعماق هذه الظاهرة، وكشف كنهها ضمن سياقاتها التاريخية والفكرية والمعرفية.
 في البدء، يضع مفتاح القاريء في صورة الملابسات التاريخية التي أنتجت هذه الظاهرة،التي حدد لحظة انبثاقها بهزيمة العرب عام1967، حيث فشل التيار العلماني بشقيه "القومي والماركسي" في تحقيق ما وعد به من شعارات التنمية والتحرر، وما مني به العالم العربي تحت ظل قيادته من هزائم ونكسات، وما تبعها من ضمور لمشروعه الحداثي الذي قابله امتداد أفقي للتيار الإسلامي، الأمر الذي اجبر العلمانيين على إعادة النظر في أساليب العمل والنضال السابق، والتمركز على العامل الديني، وإمكانية إدراته ضمن آليات الصراع الجديدة، إذ رأوا أن ذلك يقتضي إنتاج تفكير أصولي تشريعي جديد، يتناول في مجمله أربع آليات أساسية عند ممارسته النقد على مناهج  التفسير الإسلامي وهي: مفهوم القران الكريم، والسنة، والنسخ،واللغة، حيث ركز مفتاح في هذا الإطار على كتابات من تولى كبر هذه المهمة من هؤلاء الحداثيين، أمثال: محمد أركون، ومحمد عابد الجابري، ومحمد شحرور، وأبو القاسم حاج أحمد، وحسن حنفي، ونصر حامد أبو زيد، وسيد القمني وغيرهم .
ففي المجال القرآني، كرس هؤلاء الحداثيون جهدهم لترسيخ رؤية جديدة للقرآن الكريم تتناقض مع الفهم الإسلامي الذي ينظر إلى القرآن على أنه كلام الله الواجب الإيمان به والعمل بأوامره والانتهاء بنواهيه، لتقوم على النقد والحذف والإضافة، أو الطعن مباشرة في صحة المصحف، كما تصدى لذلك محمد أركون عند ادعائه أن المصحف ما هو إلا نتاج ظروف تاريخية محكومة بأغراض المؤرخ وأهدافه الخاصة، أو نفيه أن يكون القران كلام الله، أو حتى أن يكون هناك إله متعال، أو كما يدعي أبو زيد من خلال ترسيخه فكرة أن القرآن هو حصيلة تراكمات تاريخية ومعاناة قاسية للمجتمع العربي، ظهرت في اللحظة المناسبة على لسان محمد عليه السلام في شكل نص أدبي.
أما في مجال السنة، فالطرق التي انتهجها الحداثيون في التعامل معها، هي طرق متعددة ومتنوعة، غير أنها تلتقي عند غاية واحدة هي: تهميش السنة، وإلغاء دورها البياني للقران الكريم، متحصنين في ذلك بتحوطات واستعارات وتوريات لتهميش خصومهم الإسلاميين، ولتسهيل عملية التسلل إلى وعي الجماهير، كما يحدد فعليا هذه الرؤية محمد أبو القاسم حاج حمد، أو كما يدعي شحرور: أن السنة لا تعدوا أن تكون مجرد اجتهاد قام به النبي عليه السلام في زمان ومكان محددين ، غير ملزم لمن جاء بعده .
أما النسخ، فيرى الجيلاني مفتاح أنه من أكثر المسائل التي حاول الحداثيون استغلالها لتأييد ودعم وجهات نظرهم، فقد حاول أبو زيد الاستدلال بالنسخ على تاريخية القران وعدم صلاحية المناهج التراثية القديمة في تفسيره، ويقرب من هذا تكريس شحرور للنظرية الجدلية وفق نقيضين " الحنيفية والاستقامة " كمقصود رباني، لتعليم كيفية الاجتهاد وتطوير التشريع ضمن حدوده، وتوازيه دعوات أبو القاسم حاج حمد عند محاولته التأصيل للنظرية البنيوية في القرآن الكريم للطعن في مصدرية القرآن.
وكذلك اللغة العربية، فقد تكرس الموقف السلبي للحداثيين من اللغة، على اعتبار أنها لغة دينية ضعيفة وعاجزة عن أداء وظيفتها في عصرنا الحاضر، فلفظ دين، فقد مشروعيته في العصر الحاضر، لذا فقد وجب استبداله بلفظ أيدلوجية، فاللغة التي وردت إلينا عبر المعاجم هي لغة بدائية، عقيمة، راكدة، عائمة، وقاصرة عن حمل المعاني المستجدة كما يقرر حسن حنفي، الذي يرى أيضا، أن اللغة العربية لغة ما ورائية، ليس لها ما يقابلها في الحس، ويبرر له الجابري في القول: لأنها ظهرت في طبيعة وبيئة صحراوية قاحلة، وجدباء، ومتقلبة المناخ، كرست في لا شعور العربي ما أسماه: مبدأي الانفصال والتجويز، فهي لغة إذن تفتقد إلى السببية والترابط المنطقي، بزعمهم.
ينتقل مفتاح بعد عرض آليات النقد التي مارسها الحداثيون على مناهج التفسير الإسلامي، إلى تبيان مناهج الحداثيين التي تبنوها في تفسير القران الكريم، والتي قامت بحسب المؤلف على دعوى مبدأين وثلاثة منهاج، أما المبدأين فهما: الموضوعية والشمولية، وأما المناهج فهي: الألسنية المعاصرة، والمادية التاريخية، والمنهج الأسطوري.
فقد دعا الحداثيون من خلال دعوى مبدأ الموضوعية، إلى ضرورة فصل الذات عن الظاهرة ، والتجرد من أي عاطفة أو فكر مسبق؛ من شأنه أن يوقع صاحبه في الوهم ومخالفة الحقائق  بشروطها الطبيعية والبنيوية والتاريخية، التي تربط المجالات السياسية والثقافية والمجتمعية، والكشف عن وظيفة النص الأيدلوجية الأولى، إلا أن الكاتب يجد الحداثيين هم أول من خرم هذا المباديء والشروط وتنكر لها علميا وعمليا، إذ يظهر عندهم أن الموضوعية التي يستدعونها هي التي تكرس الانتصار لحداثتهم  وإنهاء خصومهم الإسلاميين، وكذلك في مبدأ الشمولية الذي يقف عند حدود تذويب الخاص في العام، الذي يستوعب أجزاء الموضوع ويتناوله بأدوات ومناهج متعددة كشروط لفتح باب الاجتهاد بمفهومه الحداثي على مصراعيه، ولكن عند الكشف على هذا المبدأ، يرى مفتاح، أن الذي تحقق من الشمولية عند الحداثيين، هو النظرة التجزئية والتعميم المخل لحقيقة الأشياء بدل المعرفة والإحاطة بها.
أما على مستوى منهاج التفسير التي اتبعها الحداثيون، فقد ركزت الدراسة في مجال الألسنيات المعاصرة على مسألة الترادف اللغوي،المأخوذ أصلا من الدراسات الألسنية الغربية ومدارسها الوضعية التي ترتكز على فكرة " أنه لا بد لكل مفهوم ذهني ما يقابله في الوجود المادي "، التي تتداخل مع المادية التاريخية كنظرية قادرة لوحدها على قراءة التراث بطريقة حداثية تستوعب حركة التاريخ وقيمه النسبية ومطابقتها بالقرآن الكريم، والتي لا يمكن إبرازها      -بحسب الحداثيين- إلا من خلال فهم كيفية طرائق اشتغال الفكر الديني المرتبط بالبنية الأسطورية للقرآن، الذي اختلطت به الحوادث التاريخية الجزئية بالحكايات الشعبية والأساطير القديمة، على شاكلة العهدين القديم والجديد، حيث يخلص مفتاح، إلى أن هذه المناهج جل مقاصدها، أن تستهدف نفي الغيب، ومحاولة إخضاع كل ما ورد في القران إلى منطق الحس والتجربة، ورجم القرآن بالتناقض، والطعن في مقام النبوة، وتأويل القران تأويلا طبقيا، وتكريس محدودية منطوق النصوص، أو إنكار أن تكون ثمة أحكام شرعية أصلا، أو التحلل من كل عقد شرعي، من خلال الطعن باللغة العربية التي تنزل بها القرآن، واستبدالها بالتفسيرات الوضعانية والمادية، المستخرجة من قاموس الفلسفة الماركسية التي خرج من عباءتها أكثر هؤلاء المتسولين الفكرانيين من دعاة الحداثة العرب.
 
 
 
 
 
 
الاسم:  
عنوان التعليق: 
نص التعليق: 
خانة التحقق