حماس والتشيع السياسي (قراءة في الخطاب)
السبت 1 نوفمبر 2008
حماس والتشيع السياسي (قراءة في الخطاب)
بقلم أحمد عبد العزيز – شبكة القلم الفكرية 5/10/2008
 
تختلف عبارات المختصين بالشأن الإيراني في توصيف التشيع السياسي، ولعلنا نختار من بينها التوصيف القائل أنه كشف ورفض الاعتداءات الأمريكية على الأمة، والإحجام عن رد وكشف الاعتداءات الإيرانية على الأمة وتبني بعض الرؤى السياسية الإيرانية والدفاع عنها.
بالنسبة لحماس إذا التزمنا بهذا التوصيف للتشيع السياسي، فإن هذا الوصف يصدق على تصريحات الأغلب من قياداتها ويبقى القليل منهم يجمعون في خطابهم وممارساتهم مواجهة المشروعين الأمريكي والإيراني، إذا نحن أمام موقفين:
الموقف الأول: لا تجد في خطابهم استنكار لاستهداف الميليشيات الشيعية لمجمع البلديات الفلسطيني - بغداد، بينما يتحدث أصحابه عن معاناة أهالي المجمع ويخففوا عنهم بشيء من المساعدات العينية، لكنهم في المقابل لا يتحدثون عن الأشخاص الذين تسببوا في هذه المعاناة؛ بل قام ممثل حماس في المجمع باستضافة قوة من مغاوير الداخلية العراقية، على وجبة إفطار رمضاني في مسجد القدس 28/9/2008 في حين أن تلك القوة قامت في وقت سابق باعتقال إمام المسجد !!!
ولا تجد في خطابهم أيضا نقداً لمحاولات حزب الله تشييع مجموعات سنية في مخيمات الفلسطينيين بلبنان، أو نقداً لمحاولات التشييع التي تجري في الداخل الفلسطيني، أو انتقاداً لتشيع عقائدي عند بعض أفراد الحركات الفلسطينية، بينما تراه ينتقدها على أمور أخرى أقل ضرراً، كالاعتصام ضد حماس ومحاولة خرق الهدنة مع إسرائيل.
ويبالغ أصحاب هذا الموقف عندما ينكرون وجود شيعة في فلسطين، كما صرّح بذلك أسامة حمدان - ممثل حماس في لبنان - لمجلة المجتمع الكويتية، وهو الأمر الذي أكد وجوده الشيخ الحمساوي صالح الرقب في لقاء له مع "مفكرة الإسلام"، ولأحد هؤلاء المتشيعين موقع على الانترنت يصرح فيه بانتقاص الصحابة، وغيرها من عقائد الشيعة.
وأيضا لا نجد في خطاب هذا الفريق انتقاداً للشتائم والسباب التي رُمي بها الشيخ أحمد ياسين، أو ما حصل للشيخ يوسف القرضاوي مؤخراً من هجمة إيرانية شرسة.
يتكرر في خطاب هذا الفريق إطراء النظام الإيراني كما امتدح خالد مشعل مساء السبت الموافق 31/5/2008 الخميني في كلمة له بمناسبة ذكرى هلاكه في احتفال حاشد في السيدة زينب في دمشق، وفي تصريحات لأحمد يوسف مستشار هنية السياسي جاء فيها (ما العيب أن تكون شيعيًا؟ فالشيعة اليوم هم عزُّ هذا الزمان) إلى آخر كلامه في الثناء على منجزاتهم السياسية، المنشور على موقع مقرب من حماس (فلسطين الآن)، وقد أقامت الحركة سرادق عزاء لعماد مغنية في دمشق شارك فيه مشعل وآخر في قطاع غزة.
هذا الخطاب أصحابه لا يوجد بينهم شيعي واحد على المستوى العقدي؛ بل هم يدركون كثير من عقائد الشيعة الزائفة، مما يعني زيف الاتهامات التي يطلقها بعض أنصار فتح على حماس (شيعة - شيعة) لأنه لا يوجد في حماس شيعي واحد أو شخص متشيع عقائديا.
أما الموقف الثاني: فهو الموقف الغائب، وقليل ما يصرح أصحابه لوسائل الإعلام -غالبا ما تكون سلفية- ولكن في مجالسهم وبين طلابهم وعند زياراتهم لدول الخليج يصرحون به، ومن أبرزهم الدكتور نزار ريان -عضو المكتب السياسي- الذي رفض إلقاء حديث لقناة المنار بحجة أنها شيعية، كما هاجم الشيعة وسخر من زعمهم أنهم سيحررون فلسطين في لقاءات و محاضرات عقدها داخل السعودية.
وأيضا سعيد عاشور الأستاذ بالجامعة الإسلامية ومروان أبو رأس -رئيس رابطة علماء فلسطين والعضو في المجلس التشريعي عن حركة حماس- و أيضا ماهر الحولي -رئيس لجنة الإفتاء بالجامعة الإسلامية وأحد أبرز قيادات حركة حماس في المنطقة الوسطى- في تصريحات منشورة لهم في "مفكرة الإسلام".
ومن رموز هذا الخطاب الشيخ الدكتور صالح الرقب وكيل وزارة الأوقاف بحكومة هنية له كتاب بعنوان "الوشيعة في كشف كفريات وشنائع الشيعة"، وفي موقعه الخاص به خصّص صفحة للشيعة، جمع فيها أكثر من ستين كتاباً ورسالة تحذر منهم، وكشف الدكتور عن دوره في إقالة وزارة الأوقاف لخطيب تعرض للصحابي الجليل معاوية بن أبي سفيان على المنبر.
وللشيخ تصريحات في مهاجمة الشيعة أصدرها عقب الهجوم الإيراني على الشيخ القرضاوي، انتقد فيها الشيخ صالح مسلك التقريب والقائلين بجواز التعبد بالمذهب الشيعي، ووصف خلاف السنة مع الشيعة بأنه خلاف في الأصول.
ووجّه الشيخ تساؤل للمخالفين في ذلك قائلا: "فإذا لم يكونوا كافرين بتخوين الصحابة خيرة الأمة ونقلة الوحي؛ بل نقلة الدين كله، وهم الذين رضي عنهم الله تعالى ورسوله -صلى الله عليه وسلم-، أليس في تخوينهم تكذيب لله والرسول، ورد لكل آية وحديث شهد لهم بالإيمان والرضى عنهم، وبشركياتهم في دعاء الأموات والاستغاثة بهم واتخاذ قبورهم قبلة، والصلاة عندها كما هو ثابت عندهم نظريا وعمليا أبعد هذا الكفر كفر! وهل يجوز لنا الصلاة خلف هؤلاء وهذا معتقدهم، وهل الخلاف بين الحنفية والمالكية كالخلاف بين أهل السنة والجماعة والروافض؟؟" جزء من بيان نشره الدكتور على شبكة فلسطين للحوار.
وحول وصف المشروع الإيراني بالمقاوم والممانع اعتبر الشيخ (أن الشيعة في الوقت الحاضر قدّموا خدمات جليلة لأعداء الأمة لفرض سيطرتهم على المنطقة، أو لاقتسام الغنائم مع أمريكا، ويرى الشيخ أن ما قاله محمد علي أبطحي نائب الرئيس الإيراني للشؤون القانونية والبرلمانية "لولا إيران ما تمكنت أمريكا من احتلال العراق وأفغانستان" شاهد واضح على نوايا إيران المبيتة ضد أهل السنة) مفكرة الإسلام.
وأضاف قائلاً: (الاحتلال الصهيوني موجود على أرض فلسطين، فمن أراد أن يحررها فليأت لتحريرها، بدلاً من إطلاق شعارات صوتية للاستهلاك الإعلامي فقط، وقال الدكتور الرقب: أهل فلسطين يذبحون على يد المليشيات الشيعية، ويفعل بهم الأفاعيل في العراق وشُردوا على يد المليشيات الشيعية، وارتكبت مجازر يندى لها الجبين في بغداد ضد أحيائهم ومناطق سكناهم، وهجروا العراق بعد أن هُجَّروا من فلسطين، ولا تزال مخيماتهم على الحدود العراقية السورية خير شاهد على ذلك، ثم يأتي بعد ذلك من الشيعة من يزعم دعمه لفلسطين وللقدس؟؟!!) مفكرة الإسلام.
وحول دعوة الشيعة لتحرير القدس وفلسطين (استغرب الدكتور الرقب من هذه الدعوة المزيّفة، لأن ما يجري على أرض الواقع يُكذب هذه الشعارات التي تعد فقط مطية لكسب تأييد جماهيري، وما يطلقه الإيرانيون في يوم القدس ما هي إلا شعارات وكلمات ثم بعد ذلك ينفض المولد).
وهي تصريحات تبين حجم الدعم الإيراني لحماس الذي تدور حوله كثير من التساؤلات، فهل هي عينية أم معنوية تأخذ شكل توفير موطن آمن في دمشق ومربعات حزب الله الأمنية ببيروت؟؟، وهل مقتل عز الدين صبحي الشيخ خليل في دمشق - قيادي في حماس - يُعد خدشاً لذاك الدعم المعنوي؟؟، ولو كانت عينية فكم حجم تلك المساعدات الإيرانية مقارنة بمساعدات الخليجيين خصوصا والأمة عموما؟؟، وهل تلك المساعدات لابد أن تكون مقرونة بدعم وتأييد إيران أم أن الإيرانيين يدفعونها لوجه الله؟؟، وهل تصل بشكل مباشر أو تبقى معلّقة بتأييد السياسة الإيرانية؟؟.
يحتج أصحاب الخطاب المتضامن مع الإيرانيين بأن الحاجة للمساعدات وإحجام الشعوب السنية عن دعمهم -مع أنها دعوى تحتاج لنظر كما سبق- هو الذي دفعهم باتجاه الإيرانيين، وهو احتجاج بعيد لأن من يسمع خطابهم ويشاهد الممارسات، يدرك أنه أمام حالة من التقاطع السياسي لا يفصله إحجام الإيرانيين عن دعم حماس.
فمن الصعب التصديق بأن حماس ستهاجم حزب الله في لبنان أو تنتقد الممارسات الإيرانية ضد فلسطيني العراق إذا توقف الدعم الإيراني لها، لأننا نشهد دعم المرشد العام بمصر مهدي عاكف للمشروع الإيراني بينما هو ليس بحاجة لدعم الإيرانيين، ولا يزعم أحد أنه يتلقاه منهم والاحتجاج بالتضامن مقابل المال، هو انتقاص لهؤلاء الرجال الأبطال فلا يتصور أنهم قبلوا بالإحجام عن النقد من أجل المال.
إرجاع المشكلة لهذا السبب، هو قصور في قراءة علاقة الإخوان بالنظام الإيراني، التي جعلت المرشد العام بمصر وغيره يتخلى عن دعم القرضاوي في اعتداء الشيعة الأخير عليه من أجل ذاك النظام، لذا لن تحل المشكلة إذا وجدت حماس كفايتها عند الدول السنية.
المشكلة الحقيقية تكمن في وجود تصور عقدي ضعيف لحقيقة العلاقة مع الشيعة، وحقيقة الشيعة أعقبه خلل في الممارسة السياسية، ويؤكد هذا السبب أن الفريق الثاني هم أشخاص متخصصون في العلم الشرعي وبالتحديد في العقيدة والمذاهب المعاصرة، أما الفريق الأول فتخصصهم في العلوم الشرعية أضعف.
وهنا تساؤلات تطرح نفسها هل سنشهد تحول من التشيع السياسي إلى العقدي عند بعض الحمساويين، كما حصل لأفراد فصيل آخر -حركة الجهاد الإسلامي-، يشارك حماس في مقاومة اليهود وانتقل بعض أفراده إلى التشيع العقائدي؟؟
أم أن الأمر سيبقى في خانة المكر السياسي وتنويع الخطاب من أجل تحصيل المصالح؟؟
أم أن حماس تدرك الخطر لذا فهي تنوع خطابها، فالفريق الأول لاستجلاب دعم الإيرانيين، والثاني لتحصين أبنائها وعناصرها وحمايتهم من التشيع، وأيضا من أجل إرسال إشارات لعموم أهل السنة بأنها مدركه للخطر؟؟.
وإذا كان كذلك فماذا سيكون حال الجماهير حيال وقوف خالد مشعل وهنية أمام ضريح الخميني للدعاء له، هل سيخفف هذا من الخلاف العقائدي مع الشيعة ويزيل الحواجز ويقرب النفوس منهم أكثر، أم أن الجماهير ستفهم أن الأمر مجرد علاقة سياسية؟؟.
إن حركة حماس تعد أول حركة إسلامية سياسية ومقاومة أيضاً، حققت نجاحاً غير مسبوق واستطاعت أن تتجاوز كثير من المطبات والعراقيل التي وُضعت لها، رغم تآمر قوى الشر العالمي عليها، وفي الوقت نفسه لا يوجد بين عناصرها شيعي واحد ولله الحمد، ولكن ارتباطها بإيران بهذا الشكل هو أمر بحاجة إلى الدراسة والنظر فيه من قبل حماس أولاً والمحبين لها، قبل أن يحصل تحول عقائدي كما حصل عند أناس آخرين، وبعدها لا يبقى في دعم الإيرانيين فائدة، إذا خرج في القطاع منافس إيراني لحماس يتلقى كل الدعم الإيراني، يزاحم بماله ورجاله حماس على القرار (الإسلامي) في غزة، ويتكرر بشكل آخر -وإن كان بتأثير أقل- ما حصل مع حركة فتح وقوات فجر الإخوانية اللبنانية، عندما تفاعلتا مع الشيعة في الجنوب اللبناني ليعود الشيعة بعدها ويلتهموا فتح وفجر.
 
 
 
 
 
الاسم:  
عنوان التعليق: 
نص التعليق: 
خانة التحقق