قمة دمشق وتحديات "الموازن الإقليمي" في الخليج
السبت 1 نوفمبر 2008
قمة دمشق وتحديات "الموازن الإقليمي" في الخليج
د. محمد السعيد إدريس - مختارات إيرانية سبتمبر 2008
يبدو أن إيران ستكون مضطرة، ربما للمرة الأولى منذ قيام نظام الجمهورية الإسلامية عام 1979، للتفكير بعمق في طبيعة الأدوار التي يمكن أن تقوم بها تركيا إقليمياً وفي ثلاث قضايا شديدة الحساسية بالنسبة للمصالح الإستراتيجية الإيرانية هي قضية الأمن الإقليمي الخليجي، وقضية المستقبل العراقي، وقضية تسوية الصراع العربي ـ الإسرائيلي، وهي القضايا الساخنة والشائكة في الدوائر الحيوية الثلاث التي تعمل فيها إيران إقليمياً.
فمنذ وصول حزب العدالة والتنمية إلى الحكم وزيادة فرص الانغماس التركي في قضايا الشرق الأوسط عبر مشروعات أمريكية وأوروبية مثل مشروع الشرق أوسطية، ومن بعده مشروع الاتحاد المتوسطي، ثم عبر توجهات تركية بحتة زادت فرص الاحتكاك بين المصالح الإيرانية والتركية، ظهرت تركيا، للمرة الأولى في العصر الحديث، كمنافس قوي في مواجهة إيران.
فقبل أن تضطر الحكومة العراقية إلى التوقيع على اتفاقية أمنية مع إيران لتمرير الاتفاقية الأمنية العراقية ـ الأمريكية، كانت هذه الحكومة العراقية قد وقعت مع تركيا على اتفاقية تعاون إستراتيجي عندما قام رجب طيب أردوغان بزيارته الأولى في شهر يوليو الماضي. وفي الوقت الذي كانت تسعى فيه إيران إلى تعميق تعاونها الإستراتيجي مع سوريا وعلى الأخص بعد العدوان الإسرائيلي ضد لبنان في صيف 2006 وقيادة الولايات المتحدة لمشروع فرض استقطاب إقليمي في المنطقة بين ما تسمية بـ "محور الاعتدال" ويضم دول مجلس التعاون الخليجي ومصر والأردن "مجموعة 6+2"، وما تسميه بـ "محور الشر" ويضم إيران وسوريا وحزب الله (لبنان) وحركتي حماس والجهاد الإسلامي (فلسطين)، فوجئت إيران بدور الوساطة التركي بين سوريا وإسرائيل ورعايتها لمفاوضات بين البلدين حددت فيها إسرائيل الثمن الذي يجب أن تدفعه سوريا مقدماً لاستعادة هضبة الجولان المحتلة وهو فك التحالف مع إيران وقطع العلاقات مع حزب الله وحركتي حماس والجهاد الإسلامي.
والآن وفي الوقت الذي اندفعت فيه إيران إلى التصعيد ضد مجلس التعاون الخليجي وعلى الأخص مع دولة الإمارات حول الجزر الثلاث المحتلة، اتجهت تركيا إلى التوقيع على مذكرة تفاهم مع دول مجلس التعاون تتجاوز الحدود التقليدية لعلاقات التعاون التجاري والاقتصادي إلى آفاق علاقات إستراتيجية سياسية ودفاعية واقتصادية.
وقع على هذه المذكرة يوم الثلاثاء (2/9/ 2008) على باباجان وزير الخارجية التركي والشيخ حمد بن جاسم رئيس الوزراء القطري وزير الخارجية على هامش اجتماع المجلس الوزاري الخليجي في مدينة جدة بالمملكة العربية السعودية. وقد اعتبر الشيخ حمد بن جاسم أن توقيع هذه المذكرة "خطوة على طريق العلاقات الإستراتيجية وهي محورية بين دول مجلس التعاون وتركيا، وقال أنها "ستفتح آفاق التعاون في المجالات السياسية والاقتصادية والأمنية والثقافية"، وأكد على أن علاقات الخليج مع تركيا "محورية" وأن الاجتماع مع علي باباجان "خطوة في إطار الحوار الاستراتيجي".
لم يتوقف الأمر على ذلك ولكن بعد مرور 24 ساعة فقط على توقيع وزير الخارجية التركي على مذكرة التفاهم مع دول مجلس التعاون، كان رجب طيب أردوغان رئيس الحكومة التركية يشارك في قائمة رباعية مع كل من الرئيس السوري بشار الأسد والرئيس الفرنسي نيكولاى ساركوزي وأمير قطر الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني يوم الخميس (4/9/2008) في دمشق، وما اتفق عليه في هذه القمة يهم إيران أكثر من غيرها، فقد اتفق على دعم مفاوضات السلام بين سوريا وإسرائيل وإدخال فرنسا كطرف ضامن مع تركيا للمفاوضات المباشرة القادمة مع سعي إلى دمج الولايات الأمريكية هي الأخرى كضامن ثالث لتلك المفاوضات، بما يعني أن سوريا تتجه، خطوة خطوة، نحو التفاوض المباشر مع إسرائيل، وحتماً سوف تتجه خطوة خطوة في حالة نجاح تلك المفاوضات نحو الابتعاد، أو على الأقل، مراجعة تحالفها مع إيران.
كما اتفق في قمة دمشق على إعطاء اهتمام بما يحدث في العراق وخاصة بالنسبة لقضيتي كركوك والفيدراليات. هذا الاهتمام الرباعي بأمر العراق لا يخص الدول الأربع المشاركة في القمة وحدها بل التجمعات الإقليمية الثلاث التي تمثلها إضافة إلى تركيا، وهذا مجال المنافسة النفوذ الإيراني في العراق ودخول قوى على طريق الطموح الإيراني لملء فراغ الانسحاب الأمريكي من العراق الذي كانت إيران تخطط لملئه. وفضلاً عن ذلك فإن إعطاء قضيتي كركوك والفيدراليات أولوية في الاهتمام يطرح علينا وللمرة الأولى خلاف وجهات النظر بين سوريا وإيران وتركيا وإيران في العراق، فإيران حليفة للأكراد المطالبين بضم كركوك إلى إقليم كردستان، وهذا ما ترفضه قمة دمشق خاصة تركيا وسوريا. وإيران حليفة للشيعة والأكراد الحريصين على فرض الخيار الفيدرالي الذي تتوجس منه قمة دمشق لما قد يؤدي إليه من فرض لخيار التقسيم في العراق، هذان الموقفان يحملان فرصا لخلاف ربما يتسع مع إيران ما قد يؤدي إليه هذا الخلاف من تعقيد للعلاقات بين إيران وكل من سوريا وتركيا على وجه الخصوص.
وإذا كان قد اتفق في إيران على أهمية خيار الحل السياسي والدبلوماسي لأزمة البرنامج الإيراني، فإن الرئيس الفرنسي نيكولاي ساركوزي كان واضحا وصارماً في دعوته إيران إلى وقف تخصيب اليورانيوم وإلى الالتزام بالقدر الأعلى من الشفافية في التعامل مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية بالنسبة للمنشآت النووية الإيرانية، وكان أكثر وضوحاً في تحذير إيران من خطورة حرب قد تشنها إسرائيل ضد منشأتها النووية وما يمكن أن تحدثه هذه الحرب من مخاطر بالنسبة للمنطقة كلها.
هذه التحذيرات لن تكون حتماً مرضية لإيران خصوصاً أنها صدرت في حضور سوريا، وسبق أن رفضت إيران مهمة الوساطة أو التوسط السورية مع إيران حول برنامجها النووي أثناء زيارة الرئيس السوري بشار الأسد لأخيرة لطهران، حيث لم تجد طهران أن دور "الوسيط" من جانب "الحليف" السوري يليق أو يناسب هذا الحليف الذي طالما كان يدافع عن وجهات النظر الإيرانية حول البرنامج النووي الإيراني.
وجاء التوافق في القمة حول أمن الخليج ليتزامن مع توقيع مذكرة التفاهم بين تركيا ومجلس التعاون الخليجي في جدة، ففي قمة دمشق تحدث الشيخ حمد بن خليفة أمير قطر عن العلاقة بين دول مجلس التعاون الخليجي وإيران، وقال أنه لا توجد مشاكل بين دول المجلس وإيران باستثناء الخلاف الإماراتي ـ الإيراني حول الجزر الثلاث، وأكد رفض دول الخليج محاولات الزج بهم في صراع مع إيران، لكنه أشار إلى أن دول المجلس تؤيد إحالة الخلاف الإماراتي ـ الإيراني بشأن الجزر الثلاث إلى محكمة العدل الدولية للبت فيه.
هذا الموقف يتصادم مباشرة مع التصعيد الإيراني بخصوص الجزر، حيث قامت إيران بإنشاء مكتبين تابعين للبحرية الإيرانية في جزيرة أبو موسى أحدهما للإنقاذ البحري والآخر لتسجيل السفن، وهو ما اعتبرته الإمارات متعارضاً مع المذكرة التي وقعت عام 1971 بين إمارة الشارقة وإيران والتي لا تعطي الحق للسلطات الإيرانية بممارسة السيادة على جزيرة أبو موسى، كما يتصادم مع رفض إيران لدعم مجلس التعاون الخليجي للموقف الإماراتي على نحو ما جاء في البيان الصادر عن اجتماع مجلس وزراء الخارجية المنعقد في جدة والذي شهد توقيع مذكرة التفاهم مع تركيا. فقد رفضت إيران، بتحدي غير مسبوق هذا الدعم، على لسان حسن قشقاوي الناطق باسم وزارة الخارجية الإيرانية الذي أكد سيادة إيران على جزيرة أبو موسى، واعتبر بينان مجلس التعاون تدخلاً في شؤونها الداخلية، وقال أن الإجراءات التي أتخذها بلدنا في جزيرة أبو موسى شرعية، ومطابقة للحقوق الناتجة عن سيادة الجمهورية الإسلامية على هذه الجزيرة الإيرانية.
هذا التصعيد الإيراني غير المسبوق يعكس درجة عالية من التوتر غير مسبوقة أيضاً في علاقة إيران مع دول المجلس، ربما تكون رداً على مجمل تلك التطورات، وربما تكون تصعيداً من أجل فتح ملف الدور الإيراني في "الخليج" لاحتواء مسعى دول المجلس في البحث عن "موازن" إقليمي لذلك الدور الإيراني وردا على احتمالات قيام تركيا بهذا الدور.
 
 
 
 
 
الاسم:  
عنوان التعليق: 
نص التعليق: 
خانة التحقق