كتاب الشهر\العدد السبعون ربيع الثاني 1430هـ
"الخلاف السني الشيعي" برؤية رشيد رضا
الأحد 22 مارس 2009
"الخلاف السني الشيعي" برؤية رشيد رضا
"الخلاف السني الشيعي" برؤية رشيد رضا
محمد العواودة
 
من الممكن تحديد الظروف التاريخية، التي أنتجت عمليا كتاب "الخلافات بين السنة والشيعة" لمحمد رشيد رضا، بالفترة التي حكم فيها الملك عبد العزيز آل سعود الدولة السعودية، كأول دولة سنية بعد انهيار الخلافة العثمانية، وبالتزامن مع ظهور تيارين معارضين لقيامها هما: التيار العلماني، والتيار الشيعي الرافضي.
أما السبب المباشر لتأليف الكتاب، فهو نشر مجلة " العرفان " اللبنانية مجموعة من المقالات، التي حاولت فيها التفريق بين المسلمين السنة والدعوة الوهابية، وصورت الدعوة الوهابية بما لا يتفق مع الإسلام وعقائده، وكذلك تأليف المرجع الشيعي اللبناني محسن الأمين العاملي رسالة سماها "الحصون المنيعة في الرد على ما أورده صاحب المنار في حق الشيعة" وهي رد على مقال نشره رشيد رضا للرحالة محمد كامل الرفاعي البغدادي، رصد فيه بعض محاولات علماء الشيعة بث التشيع بين بدو العرب عن طريق إغرائهم بنكاح المتعة.
ومع أن رشيد رضا دائم التأكيد على تمسكه بمشروعه الإصلاحي في ما يقول ويكتب، وهو ما يقوم أصلا على محاربة التعصب المذهبي، الأمر الذي لم يدفعه للرد على مجلة العرفان ورسالة العاملي في البداية، إلا انه رأى في الكتاب الثاني للعاملي "الرد على الوهابية" الذي ملأه بالأباطيل على أهل السنة، وانتصر فيه للثقافة القبورية، وهاجم فيه دولة آل سعود السنية الفتية، أمرا يجب التنبيه عليه من صاحب المنار، سيما أنه رأى أن كتابات العاملي ستلحق ضررا كبيرا بعقائد المسلمين إذا تم السكوت عليها.  
مما نبه عليه رشيد رضا في هذا الكتاب، ما ذكره العاملي في احتجاجه بقضية جواز نكاح المتعة، مستدلا في قوله تعالى "فما استمتعتم به منهن فأتوهن أجورهن فريضة" فزعم العاملي أن لفظ "أجور" لا يصح أن تكون بمعنى "المهور"، لأن القران سمى المهور "صدُقات"، فيجد رضا أن هذا الاستدلال يدل دلالة قطعية على أن العاملي الرافضي جاهل بالقران ومحرف له، لأن في ذلك  بيان واضح من الله تعالى في أن الأجر هو المهر، تؤكده آيات أخرى من قبيل قوله تعالى "ولا جناح عليكم أن تنكحوهن إذا آتيتموهن أجورهن" فلفظا النكاح والاستمتاع أريد بهما دفع المهور وليس أجرة الاستمتاع كما وهم أو حرف العاملي .
ومن القضايا التي نبه عليها رضا، زعم العاملي في كتابيه أن اصل الخلاف بين السنة والشيعة، هو خلاف على حب آل البيت وموالاتهم، بعد أن أطال العاملي في وصف عداوة معاوية والأمويين لآل البيت، مرورا بالعباسيين في مرحلتهم الأولى وانتهاء بدولة آل سعود السنية، التي تتفق معهم على عدم محبة آل البيت وموالاتهم، ويفند رضا هذه الدعوة برد أصل الخلاف بين السنة والشيعة إلى الحقائق التالية: 
أولا: زعم رافضة الشيعة ومن بينهم العاملي، أن مابين دفتي القران ليس كله كلام الله، لأن أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم قد حذفوا من القران بعض الآيات ، سيما السورة التي تثبت ولاية علي ، أما القران الصحيح الذي يتضمن هذه الآيات ، فقد كتبه علي وتناقله الائمة حتى اختفى مع الإمام المهدي في سرداب سامراء ، حيث يظهره للناس بعد خروجه ، وهذا ما يؤكد رضا ، أن ما ليس له  اصل في كتب الأحاديث المروية عن أهل السنة والجماعة ، وأنه من جملة  أخبارهم وأكاذيبهم .
الثاني:  يعرّف العاملي ورافضة الشيعة، أن السنة هي: قول المعصوم أو فعله أو تقريره، وهو ما يراه رضا ما يتفق مع قول أهل السنة والجماعة في حق رسول الله عليه السلام فقط، وليس لأحد من دونه مما لا عصمة له، بعكس الشيعة الذين يثبتون العصمة في حق أئمتهم.
ثالثا: من أصول الدين المهمة عند الشيعة، مسالة الإمامة العظمى وثبوتها بالنص، مستدلين بقصة "غدير خم" حيث يزعم الرافضة أن أبا بكر وعمر استلبا الخلافة من علي الذي اضطر إلى مبايعتهم تقية، وهذا ما يراه رضا قدحاً في علي،  كما هو قدح في أبي بكر وعمر، وعلى هذا يصنف العاملي ورافضته أصحاب النبي مدحا أو ذما على موقفهم من بيعة علي وأحقيته في الخلافة الواردة في النص، وبناء على هذه النظرية العصبية يكشف رضا عن موقف الرافضة من الدولة السعودية السنية، تعصبا لمذهبهم ضد مذهب السنة الذي يقيمه ابن سعود والطعن به وبقومه الذين يلقبهم الشيعة بالوهابية، في محاولة لعزلهم عن إطارهم الإسلامي السني.
وحيث اكتفى رضا بهذه التنبيهات، فقد ترك المجال واسعا لعلامة العراق محمود شكري الالوسي للرد التفصيلي على العاملي، الذي بدأه بمقاربة بين الرافضة واليهود، على ما يجمعهم من الإيمان ببعض الكتاب والكفر ببعضه، ذلك لان العترة تقال بإجماع اللغة لأقارب الرجل، والرافضة ينكرون نسب بعض العترة كرقية وأم كلثوم ابنتي رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ولا يعتبرون بعضهم داخلاً فيها كالعباس عم النبي عليه السلام، والزبير بن صفية عمة رسول الله عليه السلام ، بل ويبغضون كثيرا من أبناء فاطمة رضي الله عنها  ويسبونهم؛ كزيد بن علي بن الحسين ، ويحيى ابنه، وإبراهيم وجعفر ابني موسى الكاظم ، وكذلك جعفر بن علي أخ الإمام الحسن العسكري ، كما  ويعتقدون أن الحسن بن الحسن المثنى وابنه عبد الله وابنه محمد الملقب بالنفس الزكية ارتدوا عن دين الله .
أما الكتب الأربعة الصحيحة عند الروافض التي يحتج بها العاملي في افتراءاته على أهل السنة، وهي:" الكافي، وفقه من لا يحضره الفقيه، والتهذيب والاستبصار"، التي يرى العاملي أن العمل بها واجب، فيثبت الالوسي أنها أخبار آحاد صاغها الكذابون والوضاعون، وليس اكذب منها إلا الرقع التي يدعون إنها صادرة من المهدي المنتظر، حيث كان يضع الأجوبة لأصحاب الرقاع في ثقوب الشجر، كذبا وزورا على الناس، وليس أضل من ذلك إلا قراءة القصص المكذوبة واكل النذور وسب الصحابة في مجالس اللطم، حتى نفقت خزعبلاتهم على عوام الأعراب؛ لنيل شهواتهم والتوصل إلى مقاصدهم من جمع النذور واخذ الخمس وعصيان الحكومات، وليس اثبت على ضلالهم إلا ما يسمونه "المتعة الدورية"، وهي أن يتمتع جماعة منهم بامرأة واحدة طيلة النهار والليل.
خصص الالوسي جزءا كبيرا من الكتاب في الرد على طعون العاملي في الوهابية وابن تيمية في مسالة الصفات التي يتهمهم فيها بالتجسيم وتفريق المسلمين، حيث يثبت الالوسي كذب هذه الدعوى، لأن ابن تيمية والوهابية لم يأتوا أصلا إلا بما أتى به الصحابة والسلف الصالح من إثبات معاني الصفات وتفويض كيفيتها إلى الله مع تنزيهه تبارك وتعالى عن مشابهة المخلوقات، طبقا للقاعدة القرآنية "ليس كمثله شيء" ، أما المتأولون فيها من أهل السنة إنما تأولوا ذلك للرد على مبتدعة علم الكلام والفلاسفة، فقاربوا وسددوا بين النصوص والتأويل الجامع للعقل والنقل تنزيها لله  تعالى ، وهو ما لا يمت لتحريفات وتأويلات الرافضة بصلة .
 
أما ما احتج به العاملي من طعون على ابن تيمية فيما نقله عن ابن حجر الهيتمي، فيستغرب الالوسي أن ينقل العاملي هذا عن الهيتمي ويأخذ به، في الوقت ذاته الذي لم ينقل أو يقبل فيه طعون الهيتمي في بدع الشيعة وضلالاتهم، إلا أن الالوسي يرد ما ذهب إليه الهيتمي في ابن تيمية إلى ما شاع عند الهيتمي، نقلا عن خصوم ابن تيمية، ومتأولة الاشاعرة، ومغروري الصوفية وعدم إطلاع الهيتمي على كتب ابن تيمية.
 وفي سبيل دفع التشويش الذي قام به الشيعة على ابن تيمية، يخصص رشيد رضا بابا في الكتاب لترجمة ابن تيمية، مستندا في ذلك على تاريخ "الدرر الكامنة" لابن حجر العسقلاني، قبل أن ينهي الكتاب بمناظرة مفيدة بين الشيخ تقي الدين الهلالي مع أحد مراجع الشيعة في العراق.
يخلص القارئ لكتاب "الخلافات بين السنة والشيعة" إلى أن العقيدة الرافضية تتكئ اتكاء كبيرا على فكرة المادية النفعية، التي حاربها القرآن، ذلك من خلال صياغة أحبارهم لنظريات وضعية، تكرس الجهل العام والثقافة القبورية والخرافية واستفزاز الغرائز والشهوات البشرية، منتهين إلى اكبر قدر من الحصاد المادي باسم محبة آل البيت.
بناء على هذا البون العقدي الواسع بين السنة والشيعة، يأتي هذا الكتاب بمثابة إعلان يأس  رشيد رضا في التوصل إلى أي مقاربة مع الرافضة ضمن مشروعه الإصلاحي، بل ويعلن القطيعة معهم، بعد أن خاض تجربته المريرة مع علمائهم الذين بادروه التقية في مسألة الوحدة الإسلامية بعد انهيار الخلافة العثمانية، ولكن سرعان ما تعصبوا لضلالاتهم وكشفوا عن الوجه العدائي الحقيقي لأهل السنة بعد قيام أول حاضنة عقدية لهم في دولة آل سعود.
 
 
 
 
 
الاسم:  
عنوان التعليق: 
نص التعليق: 
خانة التحقق