فاتحة القول\العدد السبعون ربيع الثاني 1430هـ
المشروع الإيراني وتشتيت الانتباه عن الخطر الصهيوني
الأحد 22 مارس 2009
المشروع الإيراني وتشتيت الانتباه عن الخطر الصهيوني
 
من المجمع عليه أن الخطر الصهيوني هو أكبر الأخطار التي تواجهها أمتنا الإسلامية وبخاصة في المنطقة العربية، ذلك أن المشروع الصهيوني مشروع إعتداء متكامل على أمتنا، وهو يدرك أن بقاءه رهن بضعف وهزيمة أمتنا على كافة الأصعدة الدينية والعلمية والأخلاقية والإقتصادية والعسكرية، ولذلك لا ينفك عن العمل على إضعاف أمتنا في كافة هذه المجالات من خلال وسائل عديدة، مثل:
·   نشر الأفكار الهدامة للدين والأخلاق حتى أضحى كثير من أمتنا يحملون الأفكار الإلحادية والإباحية مباشرة من خلال الأحزاب الشيوعية واليسارية – والتي استولت على الحكم في بلدان إسلامية عديدة – أو بطريقة غير مباشرة بتأثير وسائل الإعلام والاتصال من صحف وروايات وإذاعات وقنوات وسينما وشبكة الإنترنت وغيرها.
·   السعي لهدم وإعاقة كل المحاولات العلمية والإقتصادية والعسكرية للتقدم والنهوض، باستخدام القتل والإغتيال أو تشويه السمعة أو سرقة العقول بالهجرة للغرب.
·   تشجيع الأقليات الدينية والعرقية على الإنفصال وتكوين دول مستقلة، واصابع إسرائيل في دارفور اليوم من الوضوح بمكان.
·   بث الفرقة والشحناء على كافة الأصعدة والمستويات في الأمة، بين الحكام والشعوب، وبين الشعوب والعلماء، وبين الحركات الإسلامية، بل وفي داخل الحركة الواحدة.
·        افتعال الأزمات والحروب لتشتيت الإنتباه عن محاربة إسرائيل.
 
وهذا الخطر الصهيوني لا يمكن مقاومته إلا بوحدة الموقف والصف، الموقف الذي ينبع من تصور حقيقى للدافع وراء هذا الخطر وهو الأيدلوجية الصهيونية المستندة لليهودية – أو المستغلة لليهودية – فلا يمكن الانتصار على الصهيونية دون فهم البعد الديني في الصراع حتى لو كان ذريعة أو أداة تستخدمها الصهيونية، والتي جوهرها أن المسلم الجيد هو المسلم الميت!!
أما وحدة الصف فهي نقطة القوة المادية التي ننطلق منها، ولذلك فإن قوة الدولة الصهيونية هي في ضعف صفنا، ولذلك كان توحيد الصف الإسلامي هو نقطة الإرتكاز في مشروع صلاح الدين لإلحاق الهزيمة بالحملات الصليبية.
 
من هذا التصور للخطر الصهيوني يأتى التصدي لمطامع المشروع الإيراني، حيث لا يزال بعض الطيبين يعتقدون أن التصدي لأخطار المشروع الإيراني هو بالضرورة وقوف مع المشروع الصهيوني، وقد سبق لنا في العدد 67 أن بيّنا أن هذه المشاريع - الإسرائيلية والأمريكية والإيرانية- المتصارعة على منطقتنا مستعدة للتفاهم وإنهاء التصارع إذا تم التفاهم على مقدار وحصص النفوذ لكل طرف منهم.
 
إن المشروع الإيراني يهدد مشروع مقاومة الصهيونية في قلبه، فالمشروع الإيراني يهدد وحدة الموقف على عدة أصعدة:
-   على الصعيد السياسي يَعتبر المشروع الإيراني الصراع مع الصهيونية صراعاً على النفوذ في الأمة الإسلامية([1])، وهذه النظرة تمنح المشروع الصهيوني المشروعية التي يبحث عنها.
-   وعلى الصعيد الديني فإن أيديولوجية النظام الإيراني اليوم تقوم على التمهيد لقدوم المهدي المنتظر والذي سيكون أعداؤه العرب وسيهدم الكعبة ويأتي بقرآن جديد، وأنصاره سيكونون من اليهود والنصاري الذين سيؤمنون به بخلاف المسلمين([2]).
 
أما بالنسبة لوحدة الصف، التي هي المرتكز الأساس في هزيمة المشروع الصهيوني، فإن المشروع الإيراني يتشدق بالمطالبة بالوحدة، لكن سياساته وتصرفاته على أرض الواقع أكبر معول في هدم وحدة الصف لمصلحة الصهيونية، ورغم أن الجهود العربية والإسلامية تجاه المشروع الصهيوني لا ترتقي لما هو مطلوب ومأمول إلا أن سياسات إيران تعمل على إضعافها وتأجيلها بما تشكله من تهديد داخلى، ويمكن لنا أن نؤشر على أهم هذه السياسات الإيرانية كما يلي:
1-بحكم أن الدستور الإيراني ينص فى المادة 12 منه على أن "الدين الرسمي لإيران هو الإسلام والمذهب الجعفري الإثنى عشري وهذه المادة تبقى للأبد غير قابلة للتغيير"، فإن إيران لا تكف عن محاولة نشر التشيع في البلدان الإسلامية، مما يهدد النسيج الديني والإجتماعي لهذه البلدان كما يحدث في سوريا ومصر والمغرب وجزر القمر وغيرها، مما يجعل جزءاً من اهتمام هذه الدول – انظمة وقوى اجتماعية - منصباً على مقاومة التشيع بدلاً من المشروع الصهيوني وادواته.
2-بشكل دورى يقوم النظام الإيراني عبر أدواته وقنواته المتعددة بتهديد الأمن الوطني لبعض الدول الإسلامية المجاورة له، إما بدعوى تبعيتها له مثل تصريحات ناطق نوري الأخيرة بأن البحرين محافظة إيرانية، أو احتلال أجزاء من دول الجوار كما في جزر الإمارات الثلاث، وما يتردد مؤخراً من احتلال إيران لجزيرة أم الرصاص العراقية شرق البصرة، أو تحريض ودعم بعض المعارضين ضد حكوماتهم أو المطالبة بالانفصال كما في الدول العربية كاليمن والسعودية والبحرين، أو مساعدة ومساندة الجيش الأمريكي في احتلال بعض الدول الإسلامية مثل أفغانستان والعراق، مما يدخل هذه الدول في أزمات أمن وطني داخلى تنشغل به عن التصدى للمشروع الصهيوني.
3-رغم تشدق إيران بموضوع الوحدة الإسلامية، إلا أن سياسة إيران تجاه القضايا الإسلامية يتصف بالإنتهازية، ولذلك فإيران لا يهمها سوى تحقيق مصالحها عند ادّعائها التضامن مع القضايا الإسلامية، فإيران لم تناصر القضية الأفغانية زمن الإحتلال الشيوعي، ولا تهتم بالقضية الشيشانية لعدم وجود أي مصلحة لها هناك، وكذلك في موضوع فلسطين، فهي تستخدم دعمها لحركتي حماس والجهاد كورقة تفاوض مع إسرائيل وأمريكا على النفوذ.
4-بدلاً من توحيد الصف تقوم إيران وأدواتها في المنطقة دوماً بحملات إعلامية لزيادة الشرخ وترسيخ واقع المحاور المتناقضة، لكسب الولاء أو التأييد لها من قبل الدول والجماعات والأحزاب والشخصيات المؤثرة، من خلال سياسة الدعم المالي وشراء الذمم.
5-إن سياسة إيران في المشروع النووي الإيراني تولد الكثير من الشكوك حول حقيقته، مما يعزز شرخ الصف الإسلامي، فهل المشروع عسكري أم مدني؟ وضد من هو موجه؟ فإذا كانت إيران تهدد جيرانها المسلمين قبل امتلاك السلاح النووي فكيف يكون الوضع بعد امتلاكه؟ وطريقة التصادم مع المجتمع الدولي في المشروع النووي أليست تشتت انتباه العالم عن جرائم المشروع الصهيوني بحجة أن النظام الإسرائيلي النووي نظام عاقل بعكس النظام الإيراني المتهور وغير العاقل!!
 
هذه السياسات الإيرانية في الحقيقة  لا تخدم إلا المشروع الصهيوني، من خلال إشغال الدول الإسلامية بنفسها جراء أطماع المشروع الإيراني، وتفتيت الصف الإسلامي نتيجة الإستقطابات الإيرانية، وصرف إنتباه العالم عن جرائم الصهيونية بسبب الخطابات العنترية والسياسات والتدخلات الإيرانية المقلقة والمشروع النووي المريب.
لقد عانت أمتنا من قبل كثيراً جراء الفساد السياسي الرسمي ورفض أو تأجيل مشاريع الإصلاح من قبل الأنظمة بدعوى أنه لا صوت يعلو على صوت المواجهة مع العدو الصهيوني، وكانت النتيجة بقاء العدو الصهيوني وبقاء الفساد السياسي!!
واليوم نجد الواقع نفسه لكن بصورة معكوسة، فكثير من قوى المعارضة التي تنادي بالإصلاح وتقول أن الإصلاح لا يتعارض مع مقاومة الصهيونية، هي نفسها التي ترفع الصوت عالياً برفض نقد ومقاومة المشروع الإيراني بحجة أن هذا يخدم المشروع الصهيوني وأنه لا صوت يعلو على صوت المعركة، وأنه لا وجود أصلاً للمشروع الإيراني، وأخشى ما نخشاه أن تكون المحصلة هي تقاسم ما بقي للدول العربية والإسلامية بين المشروع الصهيوني والمشروع الإيراني!!
 
إن إدراك أن المشروع الإيراني هو مشروع معتدٍ يحاول سرقة ما بقي من رأسمال لنا في مواجهة المشروع الصهيوني حقيقة لا بد من إدراكها أولاً ، ومن ثم يجب التصدي له بحزم كما يجب التصدي بحزم أكبر للمشروع الصهيوني، حتى لا تبقى هذه الدعوى الصحيحة حجة للمشروع الإيراني لبلعنا بدل مقاومة المشروع الصهيوني!!
 
 
 
 

[1] - راجع كتاب الراصد 2 ( حزب الله تحت المجهر )، وكتاب (حلف المصالح المشتركة) أو عرضه في الرابط التالي: http://www.alrased.net/show_topic.php?topic_id=883
[2] - انظر الحلقة الثانية من بحث (محركات السياسية الفارسية) في هذا العدد، و( المخطط الإجرامي لإبادة أمة الإسلام) http://www.alrased.net/show_topic.php?topic_type=5&topic_id=1257
و( قراءة في النبوءات) http://www.alrased.net/show_topic.php?topic_id=421
 
 
 
 
 
الاسم:  
عنوان التعليق: 
نص التعليق: 
خانة التحقق