كتاب الشهر\العدد الحادى والسبعين جمادى الأولى هـ
تحولات الخطاب الشيعي في العصر الصفوي
الأثنين 27 أبريل 2009
تحولات الخطاب الشيعي في العصر الصفوي
تحولات الخطاب الشيعي في العصر الصفوي
محمد العواودة
 
مرت الظاهرة الشيعية في تحولات وأطوار فكرية عديدة، منذ ترسيخ ثقافة الغلو الديني مع فلسفة "العقل المقموع" في نشأتها الأولى، لتتهذب بعض الشيء في تركها للغلو مع دخولها في معمعة الاعتزال وتقديمها العقل على النص، التي مكن لها في الوعي الشيعي كل من الشيخ المفيد والشريف المرتضى، ثم لتتأرجح بعد ذلك بين العقل والنص مع الطوسي، إلى أن أعاد محمد باقر المجلسي ثقافة الغلو من جديد إلى العقل الشيعي بشكل منهجي ومن أوسع أبوابه في عهد الدولة الصفوية، وأصلها في الوعي الشيعي إلى اليوم.
يحاول كتاب "التشيع والتحول في العصر الصفوي" (منشورات الجمل، 2008) لمؤلفه الدكتور كولن تيرنر، رصد ظاهرة الغلو في الفكر الشيعي وتحليلها في سياقيها الفلسفي والتاريخي، الذي أنتج عمليا الظرف التاريخي والموضوعي للأرضية الخصبة لظهور الدولة الصفوية، احد أهم أبرز معالم الغلو الشيعي والقمعي في العصر الحديث، مركزا في ذلك على دور محمد باقر المجلسي، باعتباره أهم شخصية دينية صاغت النظرية الشيعية المغالية، وعممتها على الناس من خلال مركزية دور الفقيه، الذي تبلور بشكل غير مسبوق في المراحل الأخيرة من الطور الفكري للدولة الصفوية.
والدكتور كولن تيرنر، الإنجليزي الأصل، من مواليد "برمنغهام" سنة 1955، حصل على شهادة البكالوريوس في اللغتين العربية والفارسية من جامعة "دورهام" في إنكلترا، ثم حاز شهادة الدكتوراة، وكانت أطروحته في الحركات الاجتماعية والسياسية في إيران الصفوية. اعتنق الإسلام عام 1975 وتركزت أبحاثة على الفلسفة الإسلامية وعلم الكلام والتشيع والتاريخ الصفوي واللغة والأدب الفارسي، وله مؤلفات عديدة منها: "القاموس الموضوعي للفارسية الحديثة "، و"تاريخ مجمل للعالم الإسلامي"،و"القران نظرة جديدة".
يَعتبر تيرنر أن هيمنة دور الفقيه على الفكر الشيعي، وظهور الاتجاه الإخباري النصي الذي نحّى العقل جانبا إلى حد بعيد، وأنتج المعارف الدينية الشيعية، وأطاح بمرجعية النص القرآني، وأبدى بقوة كل الامتيازات الشيعية على غياب عناصر التواصل مع الآخر، وتحالفه غير المعلن مع التصوف الذي شهد رواجا كبيرا في مدينة "أصفهان"، هي: من أهم العوامل التي أعادت إنتاج العقل الشيعي "الغالي" في القرن الثاني والثالث للهجرة، حيث أسس هذا التحالف بين "الفقيه والصوفي" لقيام ابرز منحنيات الغلو في العصر الحديث على أيدي الصفويين، الذين ما تزال آثارهم حاضرة بقوة في الحياة الشعبية الشيعية عامة وإيران بخاصة.
فقد كانت إيران قبل الصفويين تحت سيطرة تيارين دينيين رئيسين: تصوف الاتجاه العام الذي ينعته المؤلف بالتصوف "الراقي"، والتصوف الشعبي "الغالي"، بنكهة بارزة من الهوى العلوي، الذي كان ينتمي إليه الصفويون في أوائل مراحلهم، حيث كان الغلو يتمثل في الحركات الشعبية والطرق شبه الصوفية ذات المعتقدات الشديدة الانحراف التي تغلب عليها الهرطقة، خاصة فيما يتعلق بأئمة الشيعة، حيث سمح هذا النوع من التصوف  بانفلات الطموحات العسكرية والسياسية للصفويين فيما بعد .
من حيث المذهب والعقيدة، يرى المؤلف أن جمهور الشعب الإيراني كان سنيا بامتياز على المذهبين الحنفي والشافعي قبل ظهور الصفويين، الذين كانوا ينتمون إلى إحدى الطرق الصوفية " السنية " أيضا، حيث استطاعوا في عهد شيوخها الأربعة الأوائل أن يكسبوا إجلال الجمهور والحكام، دون أن يضمروا أي طموح في السلطة الزمنية، إلا إنهم مع تولي "الجنيد" لقيادة الطريقة، بدأت الطريقة تتحول إلى منظمة عسكرية معلنة الميل الديني إلى التشيع، الذي تزايد إلى حدود بعيدة مع تولي " حيدر " ابن الجنيد قيادة الطريقة بعد أبيه، الذي سارع إلى تنصيب الشاه  إسماعيل الصفوي على العرش في "تبريز" لتدخل إيران مرحلة جديدة من تاريخها، وتغير الصفوية تماما وجه إيران .
بناء على الولاء الروحي المطلق عند "إسماعيل الصفوي الأول" للائمة الاثنى عشر، كان ذلك مفيدا له؛ لترسيخ الدولة عبر إطارها القانوني، ونظامها العقدي المحكم المعترف به، حيث كان مذهب الامامية هو الخيار الطبيعي للشعب الإيراني، ما ساعده على عزل المجتمع الإيراني بفعالية عن المجتمعات السنية في البلاد السنية المجاورة، لينمّي وعيا أقوى بالهوية القومية، ومن اجل أن يستغله في تطور وانتشار مذهب الامامية خارج إيران إجمالا، مستجيبا للحاجات الفقهية والروحية للجيوب الصغيرة من الاماميين المقيمين في مناطق مثل: جبل عامل في جنوب لبنان والإحساء والبحرين.
كان مفهوم " الفقيه" عند الامامية مفهوما مركزيا، إلى درجة أن علاقة غالبية الاماميين بالحياة الروحية تطورت في اتجاهات مختلفة تماما عنه لدى المسلمين السنة، حيث امتلك الاماميون أسلوبهم الخاص للتعويض عن النقائص الروحية لمفهوم الدين "المقنن" وهو الولاء للأئمة بنص احد أحاديث الامامية :"إن نصف القرآن نزل في الحلال والحرام، ونصفه الآخر نزل في الأئمة وأعدائهم"، ليقوم الفقهاء الاماميون وأتباعهم على أثر هذا الحديث، بقمع كل مظاهر التعبير الديني التي تخالفهم، وكان ذلك في توافق تام مع أهداف الدولة الناشئة وسياستها الجديدة.
في ظل هذا التطور، وفي العقود الأخيرة للعصر الصفوي، برز الشيخ محمد باقر المجلسي، الذي يعتبره المؤلف اكبر شخصية ساهمت في صوغ النظرية الامامية الصفوية وفلسفتها، حيث خطت مركزية "الإمام" في الوعي الشيعي أوسع خطاها تحت رعاية المجلسي، الذي كان أبهر إنجازاته: جمعه الأحاديث المتفرقة للأئمة، ما مكن في إيصال العقائد الأساسية للتشيع الاثني عشري إلى عموم الناس، ومن خلال تعمده أن تكون معظم كتاباته بالفارسية، حيث استطاع استبطان الإيمان النامي وتدبره بشخوص الأئمة، وليس بحقائق الوحي، وحيث عمل على رفض جميع الآراء الأخرى من أن تدخل في الوعي الشيعي، التي كان يتم قمعها بالقوة غالبا، بعد أن بشر بأن الإيمان ناقص دون الاعتقاد بالأئمة، وان العلم الشرعي مقصور على معرفة أحاديثهم، ومعرفة الأوامر المروية عنهم، الهادفة إلى تنظيم جميع نواحي حياة المواطن الامامي.
وفي سياق عمله على ترسيخ فكرة "الغيبة" وفكرة "المهدي" وفق الأحاديث التي يعرضها المجلسي في "بحار الأنوار" فان زمن الغيبة هو عصر ابتداء كبير للشيعة الامامية، الذي لن ينهيه إلا ظهور المهدي ورجعة الائمة الأحد عشر الآخرين. ففي حال الغيبة فإن كل الحكام غاصبون بالاصالة، وبالتالي فان حكوماتهم غير شرعية،  غير أن على الشيعة الامامية أن يتحملوا الظلم بصبر وثبات، ويحرم عليهم الثورة أو دعم التمرد، لان كل من يخرج طالبا للسلطة قبل ظهور المهدي منعوت بالشرك.
وكما يظهر من العقيدة الامامية التي يعرضها المجلسي في "الرجعة"، وفي سياق تكريسه لمفهوم العدل في الفلسفة الدينية الشيعية، فان العدل سيكون مقصورا على اخذ الأئمة الاثني عشر بثأرهم من أعدائهم الأموات منذ مئات السنين، والراجعين إلى الحياة بمعجزة، مبتعدين في ذلك تماما عن  فكرة العدل والسلام الإلهيتين في الإسلام الأصيل، عند تركيزهم على شخوص الأئمة أنفسهم، بينما يجري عرض الخلاص من الظلم الذي سيتمتع به جميع المؤمنين عند الثأر من أعدائهم القدامى، خاصة (أبو بكر وعمر)، وهو ما يغطي على كل الاعتبارات، ليبدو في المحصلة النهائية أن السبب الأوحد لرجعتهم من القبر، بعد غياب طويل في كتاب جديد وإسلام جديد هو الثأر من أعدائهم السنة، ليوصل المجلسي بذلك  مركزية  دور الفقيه عند الاماميين إلى أقصى برج سعدها ، بحسب تعبير المؤلف .
يخلص المؤلف إلى انه رغم كون كتابات المجلسي مازالت محترمة في دوائر امامية معينة حتى يومنا هذا، إلا أن الكثير من الروايات الخلافية والمثيرة للجدل التي قدمها في مجموعة كتاباته الغزيرة، قد أسقطت باعتبارها موضوعة، وقد صنف بعض الكتّاب الاماميين المعاصرين، في أن المجلسي نفسه كان متعصبا ودجالا، حرف الأحاديث تزلفا لسلاطين عصره الصفويين، مؤيدا للركون السياسي ومؤثرا للوضع الراهن في زمنه، من اجل الحفاظ على المنزلة العليا " للفقيه " في الحياة الامامية العامة دينيا واجتماعيا.
 
 
 
 
 
الاسم:  
عنوان التعليق: 
نص التعليق: 
خانة التحقق