كتاب الشهر\العدد الثانى والسبعون جمادى الآخرة 1430هـ
الخلافة العباسية: وثورات الأُسَر في إيران
الثلاثاء 26 مايو 2009
الخلافة العباسية: وثورات الأُسَر في إيران
الخلافة العباسية: وثورات الأُسَر في إيران
محمد العواودة
 
تكتسي الدراسات التاريخية في العصر الوسيط، أهمية خاصة فيما تشكله من دلالات معرفية عميقة في تحليل ورصد وقراءة الحالة الفكرية المعاصرة، وتحديد الأطر الزمنية في مختلف أبعادها الفاعلة لظاهرة فكرية ما.
في هذا السياق يعتبر كتاب "الخلافة والملكية في إيران في العصر الوسيط" (منشورات دار الجمل، 2007 ) للأستاذ أمير حسن صديقي، من شبه القارة الهندية، من أهم الكتابات المعاصرة التي تناولت أهم فترة حرجة في تاريخ الخلافة العباسية، وقدمت إرهاصات سقوطها من خلال رصد وتحليل الحالة الفكرية الثورية، ومحاولات الانفصال المتعددة عن مركز الخلافة في بغداد، التي قامت بها بعض الأسر والقبائل والأعراق التاريخية سيما في إيران.
تعتبر إيران التاريخية فيما تمثله في إقليمها الجغرافي الأبرز خراسان، المحطة التاريخية الهامة عند المؤلف في تصدير الثورات الانفصالية والتمرد على مركزية الخلافة العباسية، ما ساهم في إضعافها، وعبّد الطريق للغزو المغولي، حيث ساهمت تلك الثورات في ظهور مفاهيم طارئة على الفكر الإسلامي، كرّست للاستبداد، وفتحت باب الفتن الطائفية والمذهبية، وذررت الموقف الفقهي الإسلامي من خلال بروز مفهوم السلطنة لأول مرة في الفكر الإسلامي، الذي كان يعتبر مصطلحا مكافئا للخلافة الإسلامية في تلك الفترة، حيث بدأت الخطوات التاريخية لفصل المفاهيم الدينية والدنيوية عن بعضها في الفكر الإسلامي، وحيث بدت الخلافة الإسلامية كيانا شكلانيا في تلك المرحلة الحرجة من تاريخ المسلمين.
يحدد مؤلف الكتاب بداية الفترة الزمنية المأساوية في تاريخ الخلافة العباسية بفترة حكم الخليفة المتوكل 232 هـ - 247 هـ ، والتي تميزت بناحيتين، الأولى: ردة الفعل ضد تعاليم المعتزلة وعودته المفاجئة إلى المذهب السني التقليدي، الذي رافقه بعض الاضطهاد للمذاهب الأخرى، والثاني: سيرة الأتراك، الذين كانت لهم ميول لسياسيات الخليفة التي انعكست على المجال السياسي فيما بعد.
 يتجاهل المؤلف البعد الفكري والعقدي المناهض للأمة الإسلامية عند هذه الثورات والنابع من موقف رافض في الحقيقة للعقيدة الإسلامية من بقايا أتباع العقائد والأديان السابقة، ويركز على زعم أن الاضطهاد الذي مارسته الخلافة في عصر المتوكل ضد الشيعة ،كان عاملا مهما في انتشارهم ونمو العديد من الحركات الدينية والفلسفية كالقرامطة والإسماعيلية، الذين توجوا حراكهم الثوري في إقامة الخلافة الفاطمية في مصر، وثورة الزنج التي كانت حصيلة الدعاية الزيدية في جنوب العراق، حيث تسببت هذه الثورة بقدر كبير من القلق للخلافة، بالموازاة مع ثورة القرامطة في الإحساء، كما شكل دعاتهم معاقل دائمة في الانتفاض والتحريض في خراسان والشام واليمن، وتحولوا إلى آفة سياسية دائمة الاستعداد لمهاجمة ممتلكات الخلافة ونهب قوافل الحجاج.
في ظل هذه الظروف الصعبة التي مرت بها الخلافة يرصد المؤلف أهم حركات التمرد التي ساهمت في تقويض مؤسسة الخلافة وتفكيكها تدريجيا، حيث كانت البداية مع تمرد الطاهريين "السنة" وهم أتباع طاهر ذي اليمينين، احد ابرز أبناء الأسر التي كانت تخدم الولاة في سيجستان، الذين بزغ نجمهم مع مجيء المأمون إلى الخلافة وتعيينه طاهرا واليا على الجزيرة ومسؤلا عن خراج العراق إضافة إلى قيادة شرطة بغداد، واسند إلى ابنه عبد الله إخضاع الأجزاء الغربية من الدولة العباسية، وعلى اثر ذلك أصبح الطاهريون شركاء في الدولة حيث أبقاهم المأمون بعيدا عن موطنهم خراسان خشية تنامي قوتهم قبل أن يعودوا إليه بحيلة على الخليفة، ومع توليتهم لإقليم خراسان أعلنوا استقلالهم عن الخلافة، إلا أن الدولة العباسية كانت في أوج مجدها في تلك الفترة، ما مكّنها من القضاء على التمرد، حيث ظل الطاهريون بعد وفاة طاهر مخلصين للخلافة العباسية وعونا لها في القضاء على الثورات التي تظهر بين الفينة والأخرى.
لكن المؤلف، يعتبر أن أول أسرة في إيران تحدت الخلافة العباسية فعليا، هم "الصفاريون"، الذين قاموا على أنقاض الإمارة الطاهرية بقيادة يعقوب مؤسسها، الذي أقام ثورته تحت طائلة رفع راية إحياء الشريعة وإقامة العدل، حيث كان يرى أن الخلافة لم تكن تمارسه في خراسان، إلا إنهم مع ذلك لم يخرجوا عن الاحترام التقليدي لمؤسسة الخلافة الدينية، لكن مقتضيات الحق والعدالة وضعف الحكم في المركز وفي الولايات، دفعهم إلى إقامة حكم جديد، حيث استطاعوا تقليص سلطة العباسيين الزمنية إلى الحد الأدنى.
أما الثورة الثالثة: فهي ثورة السامانيين الذين انقسمت علاقاتهم إلى قسمين، الأول: عندما بدأت أول علاقة لهم مع حكومة بغداد، والثاني: عندما وقعت الخلافة تحت سيطرة البويهيين وحتى سقوط السامانيين على يد محمود العزنوي.
كان السامانييون عموما مخلصين للخلافة، إلا انه عندما اكتسبت الدعاية القرمطية العديد من المؤيدين بين المسئولين السامانيين السنة، حيث تحول زعيمهم نصر نفسه إلى مذهبهم، دفع العلماء السنة للتحرك لتقويض مذهب الباطنية مستعينين بذلك بالحرس التركي للإطاحة بنصر وتولية ابنه نوح لقمع الباطنيين. إلا أن المؤلف يعتبر أن ثورة السامانيين لم تكن على درجة من الخروج تعادل أسلافهم الصفاريين، بل كانوا يرضون بما استطاعوا الحصول عليه من الخلافة بالوسائل السلمية.
باستيلاء البويهيين على جميع سلطات الخلافة الزمنية في بغداد، بدأ التحول الدراماتيكي لانهيار مؤسسة الخلافة، حيث أصبح الأمراء هم المسيطرون الفعليون على مؤسسة الخلافة، ويتوارثون منصب الإمارة فيها، بيد أنه ورغم طموحهم في الحكم الفعلي سمحوا للخليفة بالاحتفاظ بسلطته الرمزية وإصدار عهد التولية للأمراء الشيعة البويهيين، مع احتفاظهم ببعض المهام الدينية للخلافة.
برز صعود نجم الغزنويين السنة الذين كانوا ينافسون البويهيين من الناحية السياسية مع اختفاء مظاهر الحكم الساماني، وانتهاء الحق الشرعي الذي يخولهم لحكم البلاد بقيادة محمود الغزنوي، الذي استولى على إيران برضى الخليفة القادر، حيث أعاد محمود سلطة الخلافة إلى الحياة في إيران، و ظهر في عين الخليفة وعامة المسلمين على انه حامي العقيدة الإسلامية، كما أن محمود وابنه مسعود لم يتساهلا في أي انحراف عن المذهب السني، ووفروا الحماية للعقيدة باجتثاث جميع عناصر الباطنية في المناطق التي كانوا يملكونها، وعلى غرار السامانيين فقد عملا على تعزيز هيبة الخلافة العباسية والاعتراف بها من جميع البويهيين رغم خلافهم معها.
عند ظهور السلاجقة السنة كقوة سياسية في إيران، كانت قد تناقصت السلطة الدنيوية للخلافة إلى أدنى مستوياتها، سواء في بغداد أو في الولايات المجاورة، وذلك على يد البويهيين الشيعة، مع أن الواقع خلال تلك الفترة الأخيرة من العهد البويهي، لم يكن الخلفاء ولا الأمراء في وضع يمكنهم من تأكيد سلطتهم ضد الأتراك المثيرين للاضطرابات، ولم يكن الأتراك أنفسهم قادرين على إدارة الدولة.
عندما نودي بـ "طغرل" ملكا على نيسابور بعد هزيمته للغزنويين، لم يعارض أوامر الخليفة القائم بامرالله، وأكد السلاجقة على ولائهم له ورغبتهم بتفويضهم أمر البلاد، حيث أطلق على طغرل لقب السلطان المعظم ليتولى الإدارة الزمنية للدولة، ومع إقامة صرح السلطنة السنية في بغداد بعد البويهيين، بدأ عصر جديد في الخلافة كمؤسسة، فقد قام السلاجقة بفتح إيران كاملة والعراق وبلاد الشام وآسيا الصغرى، وأعادوا توحيد الولايات الإسلامية المبعثرة، وردوا اعتداءات البيزنطيين، واعدوا جيلا من المجاهدين كان له الأثر الأكبر في هزيمة الصليبيين، حيث كان انتصار السلاجقة يعني انتصار المذهب السني في كل المناطق التي كانوا يخلصونها من أيدي البويهيين الشيعة، واخذوا بيد الفقهاء السنة وحموا الخلافة من الطامعين.
وفي عهد السلاجقة، ولأول مرة في التاريخ الإسلامي كان يقف إلى جانب الخليفة سلطان، منصّب تنصيبا شرعيا، تعتمد سلطته على السيف، إلى أن خرجت الخلافة العباسية من صراعها الخفي والمتطاول مع السلطة الدنيوية مع السلاجقة بعد وفاة سليمان شاه بن محمد؛ لتنتهي سلطنة السلاجقة في بغداد، ولتعود السيادة الزمنية والدينية للخلافة من جديد في حاضرة بغداد.
مع مجيء شاهات خوارزم إلى السلطة في إيران، اتخذت الخطوة النهائية في تطوير مؤسسة السلطنة، وكانوا أول حكام ذوي سيادة في إيران يستغنون عن السياسة التقليدية القائمة على مفاتحة الخلافة من أجل تأكيد حقوقهم الدنيوية، وذلك بعد أن زالت السلطة الوسيطة التي كانوا استمدوا سلطتهم منها في عهد السلاجقة.
وفي صدد اجراءات الخليفة الناصر لدين الله، ضد خوارزم شاه، حيث كان يرى تهديدا في قوة هذه الأسرة في إيران، قام بالتحالف مع الغوريين والقراخطائيين ضد شاهات خوارزم، الذين لم يسعفهم زحف المغول للوصول إلى بغداد والاستيلاء على السلطة.
يخلص المؤلف، إلى أن تاريخ الصراع بين الخلافة والسلطنة، وإن بدا لصالح الخلفاء في المركز ببغداد، وخروج الخلفاء ظافرين في تاريخ صراعهم مع الأمراء والسلاطين، إلا أنها كانت في اغلب فتراتها فاقدة للسيطرة على ثورات الأسر في إيران في النواحي الدنيوية، وان كانت مسيطرة بشكل أفضل في الجوانب الدينية.
 
 
 
 
 
الاسم:  
عنوان التعليق: 
نص التعليق: 
خانة التحقق