كتاب الشهر\العدد الثالث والسبعون رجب 1430ه
دراسات في تاريخ إيران الحديث والمعاصر
السبت 27 يونيو 2009
دراسات في تاريخ إيران الحديث والمعاصر

  تأليف د.كمال مظهر أحمد

                                                              عرض: هيثم الكسواني

تمهيد: يبين كتابنا لهذا الشهر شيئاً من الاضطهاد الذي تعرضت له مجموعتان من سكان إيران هما الأذربيجانيون والأكراد، على يد أتباع القومية الفارسية (غالباً)، الذين هم حكام إيران وأصحاب الأغلبية فيها.

وكتاب "دراسات في تاريخ إيران الحديث والمعاصر" لمؤلفه الدكتور كمال مظهر أحمد، يقدم فصولاً مستقلة عن إيران منها: العلاقات الإيرانية الروسية، والمؤسسة الدينية في إيران، وتأسيس الأسرة البهلوية.

أما الأذربيجانيون والأكراد، فقد أفرد المؤلف لكل منهم فصلاً، تحدث فيهما عمّا تعرضوا له من ظلم واضطهاد في إيران، منذ عهد الدولة الصفوية، التي قامت في إيران في بدايات القرن العاشر الهجري (السادس عشر الميلادي) وحتى عهد الأسرة البهلوية، التي انتهى حكمها بقيام ثورة الخميني في سنة 1979م.

يؤكد الكتاب أن تغير الحكم والسلالة الحاكمة في إيران لم يمنع أربع أو خمس دول قامت من ظلم الأذربيجانيين والأكراد لأسباب قومية أو مذهبية، الأمر الذي يدق ناقوس الخطر في وجه إيران اليوم، لإعطاء الحرية لمواطنيها الذين ينتمون إلى قومية غير القومية الفارسية، أو المنتمين إلى مذهب أهل السنة، وهو مذهب معظم المسلمين في العالم، لكنه مذهب الأقلية في إيران التي يدين معظم شعبها بالمذهب الشيعي الاثنى عشري.

النضال الأذربيجاني في إيران

تقدر مساحة أذربيجان بحوالي 186 ألف كم مربع، يقع حوالي 87 ألف كم مربع منها داخل الاتحاد السوفيتي السابق (ثم حصلت على استقلالها بعد انهياره سنة 1991م) وتقع البقية داخل إيران، وتحديداً في الشمال الغربي.

ويؤكد المؤلف (ص 194) أن الأذربيجانيين تمتعوا بمكانة مرموقة في بداية الدولة الصفوية، في عهد أول حكامها، إسماعيل الصفوي، لكن هذا الواقع لم يدم طويلاً، ففي سنة 1509م، أرسل الشاه إسماعيل حملة قوية ضد سكان شابران وشيروان ودربند، قاوموها رغم إمكاناتهم المتواضعة. وعلى نهج إسماعيل، سار خلفه طهماسب (1524 ـ 1576م) الذي انفجرت في عهده انتفاضة واسعة في مدينة تبريز والمناطق المجاورة لها، حتى تمكنت قواته من استعادتها في سنة 1573م، وأمر الشاه طهماسب "بشنق أكثر من 160 من مواطنيها الذين علقت جثثهم في شوارع المدينة، وأمام أبواب جوامعها" ص 195.

وفي عهد عباس الكبير (1587 ـ 1629) "فقد الأذربيجانيون وزنهم السابق في الدولة الصفوية، فقد أبعد الشاه الطموح القادة الأذربيجانيين من الجيش، وزعماءهم من البلاط... كما باشر الصفويون اتباع سياسة التهجير الممقوتة تجاه العناصر غير الفارسية في عهد الشاه عباس الأول" ص 195.

استمرت سياسة الاضطهاد حتى نهاية الدولة الصفوية، وقيام الدولة الأفشارية على أنقاضها، ففي عهد أول حكامها، نادر شاه (1736 ـ 1747م) تردّت الأمور في أذربيجان، وغدت متاجر مدنها خاوية من البضائع. وقد أدّى الجوع إلى انتشار الطاعون في معظم أنحائها في سنة 1737م. وفضلاً عن ذلك مارس الأفشاريون سياسة التهجير بحق الأذربيجانيين، فنقلوا عشرات الآلاف منهم إلى مناطق إيرانية مختلفة (ص196).

لم يختلف الأمر في عهد القاجاريين ثم البهلويين تجاه الأقليات عموماً، والأذربيجانيين خصوصاً، وينقل المؤلف عن البروفوسور ايفانوف قوله: "كانت إيران في عهد رضا شاه عبارة عن معتقل كئيب للشعوب، تستباح فيه أبسط حقوق الأقليات القومية" ص219.

وعلى سبيل المثال، ففي عام 1930، أعلن ما لا يقل عن ألفي فلاح مازندراني التمرد بسبب قطع المياه عن أراضيهم، وتحويلها إلى أراضي الشاه الذي لم يتردد في استخدام القوة ضدهم، فالتجأ العشرات منهم إلى الغابات المجاورة (ص219).

وعموماً واجه الأذربيجانيون الظلم الذي تعرضوا له من قبل الحكام الإيرانيين المتعاقبين، بالثورات والانتفاضات، واتجهوا إلى تنظيم صفوفهم، وإنشاء التنظيمات والصحف، لكن القسوة الإيرانية كانت في معظم الأحيان أقوى من إمكاناتهم وثوراتهم.

النضال الكردي في إيران

تشغل كردستان الإيرانية الأقسام الشمالية الغربية من إيران، وهي تتصل من الشمال والشرق بأراضي أذربيجان الجنوبية، وغرباً حتى الحدود الشرقية العراقية. ويؤلف الأكراد ثالث أكثرية في إيران بعد الفرس والأذربيجانيين.

وبالرغم من اختلاف التقديرات إزاء عددهم، إلاّ أن المؤلف يرجح أنهم يؤلفون حوالي سدس العدد الكلي لسكان إيران (ص 227). ويتوزع الشعب الكردي في إيران بين 30 عشيرة، أكثريتها مستقرة، وقسم منها نصف متنقل بين مشاتي ومصائف ثابتة. وأهم المدن الكردية في إيران: كرمنشاه وسنندج ومهاباد.

وكشأن الأذربيجانيين، تعرض الأكراد أو الكرد لاضطهاد من قبل الدول الحاكمة في إيران، وأبرزها الدولة الصفوية. يقول د. كمال عن هذه الحقبة: "دشن العهد الصفوي (1502 ـ 1736م) بداية جديدة للتأريخ الكردي في إيران، تشغل الفواجع والأحداث الدموية معظم صفحاته، فإن مؤسس الدولة الصفوية الشاه إسماعيل الصفوي (1487 ـ 1524م) كان يرفض كل ما هو كردي، بحيث أنه لم يتحمل حتى أولئك الأمراء من الكرد الذين أتوه إلى بلدة خوي لتقديم الولاء له، فأمر بإلقاء القبض عليهم جميعاً، وعيّن مكانهم ولاة من أتباعه القزلباش" ص 229.

وينقل المؤلف (ص 229ـ230) عن المؤرخ الكردي المعروف محمد أمين زكي ما نصّه: "وكان عهد الشاه إسماعيل وسيره في الكرد.. عهد ظلم وعدوان شديدين، لأن الكرد كانوا من أهل السنة، فكان لا يأمن جانبهم ولا يثق بهم.. ولهذا لم يكن يدع فرصة تمر من غير أن ينتهزها ويلحق فيها بالأكراد أذى كبيراً".

يكفي أن نذكر دليلاً على حقد إسماعيل الصفوي على الأكراد السنّة، وهو حصار قواته لمدينة ديار بكر، الذي دام أكثر من عام، وأودى بحياة 15 ألفاً من سكانها. ثم فعل طهماسب مثل ما فعل أبوه إسماعيل، "فعندما زحف الشاه طهماسب الأول سنة 1554م على كردستان، فإنه لم يترك في الطريق الذي سلكه عامراً إلاّ دمّره" ص230 .

"ولم تكن ممارسات الشاه عباس الأول أقل قسوة من ممارسات أسلافه، بل إنه في بعض الأحوال تجاوزهم إلى حدٍّ كبير، فإنه توجه بنفسه على رأس جيش كبير إلى خوي، ومن هناك زحف على منازل عشيرة محمودي الكردية التي دافع رئيسها مصطفى بيك عن قلعة ماكو ببسالة، ولكن الجيش الإيراني عاث في أرض تلك البلاد فساداً، وغالى في النهب والسلب والتدمير، وقتل من الأهالي مقتلة عظيمة، ونقل منهم بضعة آلاف من النساء والأطفال الذين عوملوا معاملة الأسرى" ص 230.

وعلى نهج الصفويين، سار الأفشاريون والقاجاريون والبهلويون، يقتلون ويدمرون، وينهبون من خالفهم في القومية والمذهب، ومن ذلك إرغام الكرد في سنة 1929م، وفي عهد رضا بهلوي، على التخلي عن لباسهم القومي، وارتداء الملابس الإفرنجية، والقبعة البهلوية، الأمر الذي نتج عنه حدوث اضطرابات قرب مهاباد، واجهها بهلوي بإرسال أربعة آلاف جندي، تمكنوا من القضاء على حركة المهاباديين، الأمر الذي جعل عدداً من قادتها يفرون إلى الأراضي العراقية.

وعانت المناطق الكردية في عهد البهلويين من الإهمال الشديد، في جميع المجالات، الثقافية والصحية والتعليمية والاجتماعية، فلغاية الحرب العالمية الثانية (1939 ـ 1945) لم يكن في المناطق الشمالية من إقليم كردستان سوى مدرسة ثانوية واحدة، مع أن عدد سكان هذه المنطقة الواسعة كان يزيد آنذاك على مليون نسمة "ولم تكن الحالة الصحية في كردستان إيران أحسن من وضعها الثقافي، فقد خصص لجميع سكان منطقة مهاباد، البالغ تعدادهم آنذاك حوالي 200 ألف نسمة، مستشفى واحد، بلغ عدد أسِرَّته 20 سريراً فقط" ص 255.

وفي السنوات الأخيرة من حكم رضا شاه اشتد الاضطهاد القومي بالنسبة لسائر شعوب إيران غير الفارسية، ففي كردستان مثلاً، حاولت السلطات منع استخدام اللغة الكردية، خاصة داخل المدارس، وفي الدوائر الحكومية، كما غيرت أسماء عدد كبير من المدن والقرى الكردية إلى أسماء فارسية، فغيّر اسم مدينة أروميه إلى رضائية، وسلماس إلى شاهبور (ص 256).

وامتدت آثار هذه السياسة إلى المجال الاقتصادي أيضاً، واتبعت الدولة سياسة تمييز واضحة المعالم بالنسبة للمناطق غير الفارسية من إيران، ففي السنوات العشر الأخيرة من حكم رضا شاه، جرى تأسيس 40 معملاً للغزل والنسيج، و8 معامل لصناعة السكر، وعدد كبير من المعالج ومعامل تنظيف الحبوب.. لم يكن نصيب أذربيجان وكردستان منها سوى معملين صغيرين لصناعة السكر، مع أنهما كانا، ولا يزالان يحتلان الصدارة من حيث الإنتاج الزراعي (ص 256).

وماذا بعد؟

ماذكرناه من ظلم تعرضت له أذربيجان وكردستان هو غيض من فيض مما ذكره المؤلف الدكتور كمال مظهر، ويبدو أن ظلم الأقليات غير الفارسية، وغير السنيّة، سياسة إيرانية عابرة للسلالات وأنظمة الحكم، وما تزال متّبعة لليوم في ظل الجمهورية التي تصف نفسها بالإسلامية.

وبالرغم من أن هذا الكتاب صدر في سنة 1985م إلاّ أنه توقف عند العهد البهلوي، الذي قضت عليه ثورة الخميني سنة 1979م، ولم يتناول ست سنوات (1979 ـ 1985) من الظلم والاضطهاد مارسها الخميني وأتباعه، ليس ضد الأذربيجانيين والأكراد فقط، بل امتد ليشمل البلوش والأحوازيين أيضاً، وسائر الأقليات غير الفارسية، وغير السنية. ويلاحظ أن الاضطهاد شمل المخالفين للقومية، حتى لمن كانوا شيعة مثل الأذربيجانيين والأحوازيين، كما شمل المخالفين في القومية والمذهب مثل الأكراد والبلوش السنة.

ولو ضم المؤلف السنوات الست المشار إليها إلى كتابه، لوجد فيها الشيء الكثير، فالاضطهاد ظل سياسة ثابتة، بل وتوسعت الأساليب، لتشمل هدم المساجد والمدارس إضافة إلى ما كانت تقترفه السلالات السابقة من قتل وتدمير وتهجير وسياسة التفريس، الأمر الذي يجعل إيران الخمينية في خطر كبير إن ظلت في سياستها العنصرية والإقصائية.

 

 
 
 
 
الاسم:  
عنوان التعليق: 
نص التعليق: 
خانة التحقق