كتاب الشهر\العدد الرابع والسبعون شعبان 1430هـ
احمد الكاتب: الطريق إلى فكر شيعي جديد
السبت 18 يوليو 2009
احمد الكاتب: الطريق إلى فكر شيعي جديد

محمد العواودة

 
في هذا الوقت الذي تعيش فيه جمهورية ولاية الفقيه أكبر أزماتها الداخلية، على خلفية الصراع الخفي حول موقع وصلاحيات الولي الفقيه، تبرز كتابات المفكر الشيعي العراقي أحمد الكاتب، كموقف انقلابي وثوري على الفكر الشيعي التقليدي، من خلال جهد علمي مميز يقوم أساسا على الانعتاق من القوالب الفكرية التراثية الجاهزة، التي تأسس معظمها على الأساطير والأباطيل والحكايات الشعبية، وصاغت فيما بعد الموقف العقدي للنظرية السياسية الشيعية.
في العام 1997، صدر للمؤلف، الذي نشأ وترعرع تربويا وعلميا في مدرسة الشيعية الإمامية، وتتلمذ على مراجعها وكبار علمائها في النجف وقم، وانخرط في العديد من التنظيمات السياسية الشيعية، سيما التي كانت معارضة لنظام حزب البعث في العراق، كتابا بعنوان "تطور الفكر السياسي الشيعي من الشورى إلى ولاية الفقيه" وهو الكتاب الذي انقلب فيه الكاتب على أساتذته والفكر النخبوي الشيعي عامة، ووضعه على ناصية التحدي في مواجهة الحقائق والنتائج التي توصل إليها، من خلال جهد بحثي مركز، كشف فيه عن أصالة الفكر السياسي لآل البيت، الذي ينطلق من الشورى وولاية الأمة على نفسها تماهيا مع المطلب القرآني، وانسجاما مع العقل والواقع، وكشف فيه في الوقت ذاته عن تهافت الأصول الفكرية للنظرية السياسية الشيعة الإمامية، التي تستند على فرضية أسطورية تقول بوجود ابن مغيب للإمام الحسن العسكري "الإمام الحادي عشر".
  وفي سبيل إثبات ما توصل إليه من حقائق بهذا الشأن،  ناقش الكاتب في هذا الكتاب جميع الأدلة الفلسفية والنقلية والتاريخية التي صاغت تلك الفرضية، التي تأسست عليها النظرية السياسية الشيعية الإمامية بعلمية عالية ودقة متناهية، ليجد في نهاية البحث، أن قصة الإمام الغائب ما هي إلا قصة أسطورية مخترعة قامت على اكتاف الإخباريين الحشويين والأساطير الشعبية، لتصوغ النظرية الامامية الالهيه العامة المؤبدة في الوعي الشيعي، كمبدأ وأساس لنظرية "ولاية الفقيه" و"النيابة العامة للفقهاء" عن الإمام المهدي "محمد بن الحسن العسكري".
وإذ يرى الكاتب أن نظرية ولاية الفقيه بامتداداتها الفكرية، ما هي إلا شكل من أشكال الاسبتداد السياسي والديني، أكبر المساهمين في تخلف المسلمين وانحطاطهم وضعفهم، حيث الزيغ عن المنهج القرآني وسنة النبي عليه السلام وسيرة أئمة آل بيته الأطهار، الذين تركوا أمر السياسة والحكومة وتطبيق الشريعة للناس بالشورى، فإنه ينكر بشده ما جاء في التاريخ الشيعي من قول بأن الرسول صلى الله عليه وسلم قد عيّن الإمام علي بن أبي طالب رضي الله عنه خليفة على المسلمين من بعده، وانه قد حصر الإمامة والخلافة في أهل البيت من نسل الحسن والحسين، ثم انحصارها في نسل الحسين وحده عند الشيعة الامامية إلى أن تقوم الساعة.
مثّلت مسألة موت الحسن العسكري دون أن يترك له ولدا من صلبه، إشكالية كبيرة لنظّار الفكر الشيعي الامامي، فقد نقضت النظرية الامامية من أساساتها، وتركت الفكر الشيعي مبلبلا بعد وفاة العسكري لردح طويل من الزمن، وهو ما يعرف عند الشيعة بفترة "الحيرة"، وهي الفترة التي كان يبحث فيها الشيعة الامامية عن حل لهذه المعضلة، التي ستتركهم دون أن تستمر الإمامة والخلافة فيهم بشكل عمودي إلى يوم القيامة، فاتفقوا في هذه الفترة على فرضية أسطورية تقول بوجود ابن للإمام الحسن العسكري اسمه محمد "الإمام الثاني عشر" خبأه المقربون من الإمام من البطش العباسي، ولكن هذا الإمام سيظهر فيما بعد، فهو غائب ولكنه موجود في نفس الوقت ينتظر لحظة الفرج الإلهي، ليعود على الساحة السياسية والعلمية ويستكمل دور آبائه وأجداده.
 وحيث يتفق الشيعة الامامية على هذه الفرضية للخروج من الحيرة وتعطيل الموقف السياسي والعقدي والفقهي الذي تسببت به غيبة الإمام، إلا أنهم انقسموا إلى فريقين: فريق يقول بلزوم استمرار تعطيل الثورة والموقف السياسي وبعض العبادات كصلاة الجمعة حتى ظهور الإمام، وقسم آخر رأى الحل في النيابة العامة للفقهاء عن الإمام المعصوم في غيبته، وتسيير أمور الأمة حتى عودته وظهوره من جديد، وهي الفكرة التي انطلقت منها نظرية "ولاية الفقيه"، وهي نظرية عقدية تنزع القرار السياسي من الأمة وتبقيه في أيدي حفنة من رجال الدين باسم النيابة العامة عن الإمام الغائب، وهو ما يحاول الكاتب رفع الغطاء الشرعي والايدولوجي عنه، حيث لا يجدها تمت بصلة إلى الفكر الإسلامي وواقع فكر آل البيت عليهم السلام.
عندما انتهى الكاتب من كتابة هذا الكتاب سنة 1990، وعلى الرغم من ثقته في ما توصل إليه من نتائج، اجّل نشر الكتاب ليعرضه على النخب الشيعية التي ما زالت تمسك زمام هذا الفكر وتنظّر له، فعرضه على أساتذته السابقين وعلى مرجعيات قم والنجف وعلماء ومفكرين شيعة معتبرين لمناقشة الكتاب والرد عليه وتقييم ما توصل إليه من نتائج، أو تزويده بأي دليل معتبر على ولادة أو وجود الإمام محمد بن الحسن العسكري،  قبل أن يتورط في النشر ويفوته الأمر.
ولكن الكاتب يؤكد أنه بعد سبع سنين من تلك المراسلات، لم يحظ بأي رد علمي وحقيقي سوى بعض رسائل التهديد وكيل الاتهامات، وبعض الفتاوى التي تضلله أو تكفره، أما من شاء الرد منهم، لا يرى الكاتب أن ردودهم تجاوزت إعادة تكرار ما كتبه الإخباري الحشوي، والوضاع المعروف "سليم بن قيس الهلالي" وهو أهم المؤصلين لنظرية الإمامة الإلهية في الفكر الشيعي.
وحيث أراد الكاتب أن يستبرئ لدينه وللفكر الشيعي على وجه الخصوص والفكر الإسلامي على العموم فيما توصل إليه من حقائق ونتائج، فقد نشر الكتاب في العام  2007، ومعه جزء آخر يتضمن كل المراسلات والحوارات التي أجراها مع العلماء والمفكرين الشيعة حول هذا الموضوع بعنوان "حوارات أحمد الكاتب مع المراجع والعلماء والمفكرين حول وجود الإمام الثاني عشر".
وقد كشف الكاتب في هذا الجزء عن عدد كبير من الحوارات والرسائل التي تبادلها الكاتب مع ثمانية عشر عالما شيعيا، أبرزهم: السيد محمد تقي المدرسي، وهو إمام ومفكر شيعي كبير وأحد أساتذة الحوزة في إيران، وقد رد بكتابين على الكاتب، هما: "الإمام المهدي والإيمان بالغيب" و"الإمام المهدي قدوة الصديقين" وكان أبشع ما قد جاء فيهما قوله "باستمرار الوحي بعد رسول الله عليه السلام"، وعلي السيستاني، وهو أكبر مرجع شيعي في العراق، الذي ارتكز رده على أن فكرة الإمامة فكرة غيبية غير قابلة للنقاش، يؤكده بالقياس على عقائد سائر الأمم، وتأويل القرآن، والاستدلال الافتراضي الذي يعتمد على مجموعة أحاديث تشكل فلسفة الإمامة الإلهية وتحتم وجود الإمام المزعوم، والدكتور محمد حسين الصغير، وهو عالم شيعي وأستاذ جامعي وباحث كبير "ارتكز رده على استبعاد فكرة تطور الفكر الشيعي، واعتباره وفق قالب تاريخي وفكري موحد، والشيخ حسين علي المنتظري، وهو مفكر وسياسي معروف "ارتكز رده على التنظير لولاية الفقيه، وتشييد قواعد الاستبداد السياسي والديني في الفكر الشيعي "...الخ.
وإذ يرى الكاتب أن زوال نظريات خلدتها الأساطير في الفكر الشيعي، كنظرية الإمام المهدي والإمامة الالهيه والنيابة العامة، التي تبلورت فيما بعد إلى نظرية ولاية الفقيه، وان الرجوع إلى مصدرية التشريع الأصيل "الكتاب والسنة" هي الكفيلة بوحدة الصف الإسلامي فكرا وعملا، فقد أردف هذين الجزأين بكتاب ثالث حمل عنوان "السنة والشيعة: وحدة الدين" اظهر فيه مفاصل الخلاف بين السنة والشيعة، ولخص فيه أهم النقاط كنظرة مستقبلية يمكن لها أن توحد العمل الفكري الإسلامي، وتزيل أسباب التناحر بين المذاهب الإسلامية.
أخيرا، تعتبر محاولة احمد الكاتب من المحاولات النخبوية النادرة في الفكر الشيعي، التي تقوم بالبحث عن الحقيقة باستقلالية مطلقة، وتتجاوز العمل بسياسية التلقين العلمي والتربوي الذي تمارسه المؤسسات الدينية الشيعية المختلفة على المتلقين والتلاميذ، وهو مثال تعبيري وجهد ذاتي صادق للكلمة الحرة المنفلتة من قيود الماضي وسلبيات القبورية، لجمع شمل الفكر الإسلامي على أساس وحدة المصدر الديني ووحدة المصير الذي انتهجه رسول الله صلى الله عليه وسلم وآل بيته وأصحابه من بعده رضوان الله عليهم أجمعين، وجهد مميز لتقويض كل الأفكار التي تنتمي إلى الرؤى الذاتية والمنافع الشخصية التي يتم تسخيرها للقفز عن الحقائق الدينية، بوضع الفرضيات والأساطير والخرافات خدمة للمشاريع السياسية التي تتمرس خلف الايدولوجيات الدينية.
 
 
 
 
 
الاسم:  
عنوان التعليق: 
نص التعليق: 
خانة التحقق